توم وجيري .. والكعكة العراقية
حسين الربيعي
لايزال من الممكن قيام علاقات ايرانية ــ عربية وايرانية عراقية افضل مما هي عليه الان . اذا ما توفرت مسالتين مهمتين . مسألة احترام القرار الوطني في الاقطار العربية والعراق على الاخص بما يسببه هذا الاحترام من عدم التدخل في الشؤون الداخلية للاقطار العربية وعدم الظهور بموقف الانحياز لاية قوة صراع داخلي في الاقطار العربية الا ما يجر خلفه تدخلات دولية معادية لابناء المنطقة والتحالف مع قوى الاحتلال والاشتراك معها في مشاريع سياسية تهدف لتحقيق اغراض متوافقة بين هذه الاطراف والاحتلال ، رغم ما يحاول هذا البعض من تبرير غير واقعي وغير مقبول على الاقل بالنسبة للسياق التأريخي .. وموازين القوة والامكانات .
وثانيهما .. كان على ايران .. ولازال .. ان تكون حيادية في مجال علاقاتها بالاطراف المعادية للاحتلال وعدم الانسياق وراء جهة دون اخرى ، ناهيك عن الالتزامات الايرانية اتجاه عناصر لاتتوافق على الاقل من خلال الخطاب والاعلام الايراني في مجال الرؤيا الاستراتيجية والفكرية للصراع العربي والاسلامي ضد اعداءه . والاعتماد فقط على المنهجية الطائفية .
وقد كان ذلك مبرراَ للقوى المعادية للثورة الايرانية ، التي تملك مواقف وادوار مؤيدة ومساندة لحقوق الامة العربية في فلسطين ولبنان وسوريا .. ان تجاهر بعدائها .. بل ان تستقطب عناصر جديدة لهذا العداء من خلال الشكوك التي ايقظتها المواقف الايرانية آنفاً ، وخصوصاً بعد الافصاح عن فكرة التفاوض مع قوى الاحتلال في العراق نيابة عن الشعب العراقي ،في رغبة مستفحلة لدى الجانب الايراني في ذلك ، وكان هناك نيات غير واضحة في واحد من موضوعين .. استخدام العراق كورقة ضغط ومناورة في العلاقة بين امريكا وايران . دون مراعاة لمشاعر وارواح وممتلكات العراقيين ، او التصرف بالعراق بأعتباره ولاية متنازع عليها بين القطب العالمي الوحيد والقطب الاقليمي الاقوى في المنطقة " بعد ان استثني القطبين التركي والسعودي" .
لقد ادت ايران دوراً ممتازاً في علاقتها بالموضوع اللبناني ، من خلال علاقتها مع المقاومة اللبنانية وقوى الاستقلال في لبنان ولقد اتضح ذلك من خلال الموقف المستقل الوطني والعربي لحزب الله .وكنا نأمل ولانزال نأمل في ان تسلك ايران نفس هذا المنحى مع الموقف العراقي ،بعيداً عن الصورة القائمة التي تركها الموقف الايراني الاخير الذي يمكن ان يفتح الطريق نحو الاقتناع بوجود طموح "او اطماع" لدى الحاكمين في ايران من جناحي الحكم "الثورة" و"الاصلاح" عن طريق فكرة تصدير الثورة للجناح الاول ، واعادة بناء الامبراطورية الفارسية بالنسبة للجناح "الاصلاحي" وهو التيار "المتطرف لفرس ايران" .
والسؤال الحقيقي .. ما هو الربح الذي ستجنيه ايران . من وراء الانقياد خلف هذه الدعوات الحوارية ؟ في حين اننا نعرف ان الولايات المتحدة سوف تحقق الكثير من الاهداف ، على الاقل في بناء جدار عازل بين ايران وبين ابناء الاقطار العربية وحركاتها السياسية !؟
الوسطاء و اختيار الزمن في مسألة الحوار
يجب ان نفهم طبيعة القوى التي تحولت لهمزة وصل بين القطبين "العالمي" و"الاقليمي" التي تحمل "سمات" متناقضة ومتضاربة في نسيجها الفكري ، ومعنى الدعوات التي تعلنها بعض هذه القوى من برامج "مخيفة" حول مسألة الفدرالية مثلاً .فالذي لايمكن ان يتصوره الاخرون ..ان العراق الفدرالي ..نموذج لشرق اوسط كبير يضم الدولة الايرانية وان نجاح "المشروع النموذج" سوف ينقل التجربة للاجزاء الاخرى من المشروع الكبير .
فنجاح النظام الفدرالي في العراق . يضمن انتقاله لايران .. مثلاً .. وفي حين ان العرب في العراق الذي يراد قسمتهم على الرقم (2 ) او اكثريبلغون اكثر من ثمانين في المئة . وان الكثير من هؤلاء العرب يرفضون هذه القسمة . في حين ان الفرس في ايران .. ليسوا اكثر من 30 % من الشعب التي تضمه الدولة الايرانية المبنية على اسس قومية فارسية . وكأنها مبنية على وفق النتائج الامبراطورية التي تعود لآلآف من السنين الماضية .في ظل طموحات قومية متعددة في هذه الدولة .
فهل هناك نية في اقتطاع جزء من العراق تحت هذه التسمية لظمه مستقبلاً لايران "كما يحاول الكثير من قوى متطرفة مضادة لايران لتأكيده" ؟
ام ان هذا الاقليم سوف يتحول لاحقاً لنموذج يحتذى به للقوميات والاطياف "الايرانية"و في حين اننا لا نريد ان نوقظ بعض الشكوك القديمة في اقوال و سير بعض التجارب الاسلامية على غرار تجربة الاخوان المسلمين في مصر ،ولكننا نستجدي العذر وضمن وقائع جديدة مثلتها المقاومة في جنوب لبنان والمقاومة الفلسطينية والقوى الاسلامية العراقية المقاومة للاحتلال ، على النقيض من القوى الاسلامية الاخرى التي اصبحت قوى "رسمية" عربية .
ومن الوجوه التي تميزت بها بعض الحركات الاسلامية ، المغالات في التطرف الطائفي ، وتحالفه مع غلاة المعادين للقومية العربية في كونهم يشتركون في حرب غير مقدسة ضد القومية العربية تحت رعاية امريكية من خلال ملاحظتين .. الموقف المتشنج من اعتماد نص دستوري بأعتبار العراق جزءً من الوطن العربي و شعبه جزء من الامة العربية .. والدعوة للفكر الطائفي .. والهوية الطائفية .. بديلاً عن الفكر والهوية الوطنية والقومية والاسلامية . مما يعزز انشراخ وحدة الشعب والامة وتهديد كياناتها السياسية الرسمية "المجزأة فعلاً " بالتجزئة مرة اخرى .
ولقد كان من تفنيدهم لهذه المعاداة.. مدعاتهم بأن القومية العربية افرزت زعماء دكتاتوريين .. على غرار صدام ، ورغم الحقائق التي لاتقبل الشك في ان القوميين العرب في العراق اول من واجه الدكتاتورية في العراق ، بالسجون والاعتقال والقتل . ولكن هذه الحقيقة لاتروق لهؤلاء الساسة .ليواجهوك ببعض العلاقات للقوى القومية العربية مع صدام . في حين انهم لايجدون علاقتهم بأمريكا .. مصدر اضعاف وتشكيك للقوى الاسلامية الاخرى في الوطن العربي ، ومنها حزب الله مثلاً كما ان هذا المبرر لمعاداة القومية العربية تحت ظل هذا الادعاء .. سوف يقود لمعاداة الاسلام .. اذا ما قلنا ان الارهاب الذي يتعرض له الشعب العربي .. ارهاب اسلامي..لابد ان يتحقق خلفه .. وعلى نفس المستوى من الفكر .. معاداة الاسلام !! في حين ان هذا ليس من منطق القوميين العرب الذين ينتهجون العلمية في فرز الحقائق والتي تدعم وحدة الاسلام والعروبة في موقف واحد ضد التبعية والهيمنة ، وتسعيان لبناء مجتمع مستقل .. تحت راية العدالة الاجتماعية .
كما ان هناك مفاهيم جديدة آمنت بها الحركات الاسلامية تستوجب التأكيد على الالتزام بها وليس استخدامها "من قبل البعض" كاغطية تحجب حقائق تغايرها .. ومن تلك المفاهيم الديمقراطية اسلوب للعمل السياسي لها ، خصوصاً الحركات التي تميز نفسها عن الحركات التكفيرية.وعليه فأن التعامل بالأساليب الديمقراطية يرفض التعامل مع الأخرين بأسلوب الرفض و التحريم التي تستخدمهابعض هذه الجماعات ضد معارضيها .
ان الخلط بين الأهداف الأهداف الأمريكية والأهداف الأيرانية لايمكن ان يكون وارداً من خلال مسرح الاحداث ونوعية التوجهات ،والمواقف ،والعلاقات ... ولكن هذا الامر يبدوا ممكناً من قبل "همزة الوصل" التي يبدوا انها تحاول ان تمسك العصا من النصف ..والغالب انها سوف"يضيع المشيتين ".
ويكون الزمن ذات معنى ،يقصد منه صفع النظام السياسي العربي ،الذى يعقد موتمر"لقمته" في نفس الوقت ،ليقطع اختيار الزمن للحوار الاماني على القادة العرب ،واعلان "موت" الارادة العربية "كما يظن اعدائها. في حين ان ابسط اجابة على هذا الحلم الامريكي وكل الذين يعيش في رؤسهم الخاوية هذا الحلم .ان الشعوب العربية وخصوصاً في العراق وفلسطين ولبنان اتخذت على عاتقها موقف المبادرة ..وجماهيرنا في الاقطار الاخرى على نفس الطريق .
ماهي الاهداف الامريكية من الحوار ؟
يلاقي المشروع الامريكي بخطوته الاولى "احتلال العراق " المزيد من العقبات وهو الذي دفع بوش للتصريح بانه لايزال يسعى للفوز بالنصر النهائي على" الارهاب" في العراق . مما اجبر ادارته على تجزئة مشروعها الاستراتيجي "الامريكي ــ الصهيوني "جراء الكم والنوعية الهائلة من المقاومة الشعبية – انفراداً –وبعيداً عن الانظمة الحاكمة في المنطقة التي لايتوافق تقييمها للمقاومة وفق مقاساتها ، في المدى الذي وجدت فيه "القوى الشعبية "ان المرحلة تخدم اهدافها من اجل بناء دولة مؤسساتية جديدة .. بعيداً عن " الاسبداديين ..الداخلي و الخارجي "خصوصاً وان اكثر هذه القوى تملك برامج سياسية واضحة في مجالات البناء والتنمية و الديمقراطية و الدفاع والعمل .. الذي تترتب عليها كلها دولة ذات سيادة ينعم شعبها بالعدالة الاجتماعية .
وفي ظل ذلك ..ووفقاً للتشبث الامريكي بالواقع الراهن الذي حققت فيه الاستفراد يالنظام العالمي بعد صياغته بالشكل الذي ترغب فيه وحليفتها الصهيونية العالمية ، ان تتخطى فكرة الامبراطورية التي تتجه نحو حتفها الاكيد والأخير، فحينما ايقن "الرئيس" الأمريكي انه لن يستطيع ان يحقق نصره الذي وعد به كثيراً ،في ظل ما ذكرنا من قوة المقاومة وفي ظل الرفض الشعبي الأمريكي والعالمي لسياسته فأنه بدء يبحث عن طوق للنجاة ،خصوصاً وان القوى التي تعمل سياسياً في العراق تحت الأشراف المباشر للأحتلال قد فشلت لحد الأن في التكيف فيما بينها لأخراج حكومة جديدة ،تسعى امريكا لأ تجعلها – مثالاً- ديمقراطياً على سبيل تحقيق واقامة الديمقراطية في العراق "على حد زعمها " كخطوة متقدمة لبناء شرق اوسط ديمقراطي وحر .كما ان السلوك السيء لكل ما انجز في العراق .. بعد ثلاث سنوات من الأحتلال ،ودورتين انتخابيتين ، وأستفتاء،ووزارتين – معينة ومنتخبة – بعد مجلس حكم آشرف عليه برايمر بشكل مباشر ،ناهيك عن الأشراف المباشر لكل هذه العمليات من قبل الأحتلال والسفارة الأمريكية ،وفي مظاهر تظخم الفساد الأداري ..والأقتصادي ..والأمني ،كل ذلك دفع الأدارة الأمريكية في البحث عن طوق نجاة للخروج من المأزق ، ممايسهل لها الأستمرار في الأستراتيجية مع تغيير تكتيكي في العلاقات لأحتواء المواقف،والقوى الأقليمية التي لها مواقع ومواقف- أستراتيجية – وتأجيل الصراع معها بعد تأمين "النصر المزعوم "في العراق ،وايران ترغب أيضاً في تأجيل الصراع مع الولايات المتحدة الى مابعد تحقيقها "قفزة " نووية.. تحاول ان تصل اليه مستفيد من "هدنة" مؤقتة قد تفرزها "حوارات العراق" ، و من مخلطر هذه المحاولة حدوث اختراق امريكي حقيقي للجانب الايراني بمساعدة قوى معينة .
و اذا كان المنطق الامريكي يبرر هذا الحوار لتحقيق الاستقرار في العراق ، فأنه لا يتحدث عن نية حقيقية ذلك كون سياسة الاحتلال في العراق في هذه المرحلة تتعارض مع فكرة الاستقرار بدليل ما اعلنه بوش من استمرار حربه ضد "الارهاب في العراق" كون ان قواته لم تحقق النصر لحد الآن ، كما ان استمرار الفوضى مبرر لاستمرار الاحتلال اعتماداً على قول بوش "ان مسألة انسحاب القوات الامريكية من العراق ليست من اختصاصه بل من اختصاص الرؤوساء ــ و ليس الرئيس ــ القادميين من بعده" و لذلك فأن هذا الاحتلال احتلال بعيد المدى ، و ان الحوار مع ايران يتطلب تأمينه (اي تأمين الاحتلال و موجبات استمراره) فالامريكان يعون جداً مدى حساسية العراقيين من التدخل الخارجي في شؤونهم ، خصوصاً اذا جاء هذا التدخل من طرفٍ غير عربي ، رغم كل الترحيبات التي يطلقها (البعض) حتى من قبل الكرد انفسهم .
والأستراتيجية الأمريكية –الصهيونية في مراحلها المتقدمة تحتاج الى عراق بلا عراقيين ،للأستفادة من الثروة العراقية ( والتي يعني تأمينها هدف اساسي للسياسة الأمريكية ) وحماية "أمن أسرائيل".. بأن تكون لها اليد الطولى في المنطقة وتجهز لها مسببات قيام أسرائيل الكبرى ،من الفرات الى النيل ، وان هذا الأمر يجعل الشكوك في آمر الحواركبيرة وواسعة ، وأن الحوار سوف يمتد لمواضيع اخرى ،منها على سبيل المثال علاقات ايران مع حزب آلله وسوريا بالأضافة للملف النووي.
ولو كان المبرر هو "أستقرار العراق"لكان هناك اتجاه لعقد حوار مع سوريا المتهمة بأنها وراء الأرهاب –وآخرها جاء على لسلن بوش ، وعن طريق آجهزة عراقية –فيما يتعلق بأحداث المدائن الأخيرة .
أذا كانت الولايات المتحدة ،ودول الجوار لها أستراتيجياتها وحواراتها لغرض تحقيق مصالحها ،فما هي مصالح المواطن العراقي ؟وآين الآستراتيجية الوطنية العراقية ؟ ومن يستطيع ان يتحاور بأسم العراق؟ بأختصار أن على القوى الوطنية الرافضة للأحتلال والتدخل الخارجي أن يكون موقف موحد .
ومن المضحك ..آخر ما سمعناه ،التحذير الذي صدر عن اعضاء في الكونغرس الأمريكي الذين نقلوا للحكومة العراقية "ملل الشعب الأمريكي من الأوضاع في العراق ، وأن ذلك ربما يؤدي لسحب القوات الأمريكية ، وعليه فأن على المسئولين العراقيين تحسين أدائهم .
تصوروا مسئولين في حكومة عليهم أن يُرضوا شعباً غير شعبهم .. كي يتمتعوا بحماية قوات محتلة .. وألا فعليهم مواجهة "الخطر"لوحدهم .كما أن الدعم الذي قدمه جلال الطالباني للحوار يطرح تسأولاً حول تبادل النفوذ بين مناطق الجنوب وكركوك ؟
كل هذا يجري وكأنه مٌعد من قبل شركة وآلت دزني للافلام الكارتونية ، و ان عنوان هذه الحلقة ... توم و جيري ... و الصراع حول قالب الكعك (الكيك)... و لكن كل ذلك سوف لن يؤول للنجاح اذا افاق اصحاب الدار... و طردوا القطة و الفأر و بقية اللصوص .
الناطق الرسمي للتنظيم الشعبي الناصري في العراق