تعقيدات العملية السياسية و الاهداف الامريكية
حسين الربيعي
الفوضى السياسية في بلادنا التي وضع اساسها الاحتلال ، فقد طرح "السذج" و "ذوي النفوس الضعيفة" من القادمين مع الاحتلال ، و الذين وجدوا مصالحهم مع الاحتلال بدل من الوقوف مع الشعب الذي قد يضطرهم للتخلي عن مصالح شخصية ، طرحوا الفكر الطائفي بديلاً "ديمقراطياً" عن الفكر الدكتاتوري، و كان ذلك متوافقاً بالطبع مع المخطط الذي يخدم اهداف الاستراتيجية الامريكية و الصهيونية ، و بناءً على ذلك فلقد شاهدنا بأم اعيننا ، و سمعنا بأذاننا ، موقف الولايات المتحدة ، و الخطوط الحمراء للسفير الامريكي على حكومة "الجعفري" التي كانت في يوم ما من اسباب دعم العملية السياسية و تحقيق التقدم و الامن للشعب العراقي ، و كل ذلك بسبب الموقف المتشدد للجعفري من مسألة كركوك الذي وضع فيه جانباً المادتين (53) و (58) الخاصتين بكركوك دون تنفيذ ، و الخوف من استمرار او تغيير المادتين (136) و (138) من الدستور الجديد و الخاصتين بنفس الموضوع ، و قد كان للتحالف الذي عقده الجعفري مع التيار الصدري داخل الائتلاف الاثر "الاكثر خطورة" في رأي التحالف الكردستاني حول هذه المسألة و مسألة الاقاليم اللتين يرفضهما التيار الصدري .
و قد جاء موقف "جلال الطالباني" او الاتحاد الوطني الكردستاني او حتى التحالف الكردستاني لاستخدام صفة رئيس الجمهورية بالهجوم على زيارة الجعفري لتركيا غير مناسبة و غير متطابقة مع القانون "الدستور الجديد" او حتى مع قانون ادارة الدولة ، و منها نفهم تجاوز صلاحياته القانونية ، فرغم ان صلاحيات رئيس الجمهورية لا تسمح له بهذا التدخل "قانوناً" فأن موقف الطالباني كان يمكن ان يكون موقفاً شخصياً او حزبياً او كردياً ، لا ان يستخدم لفظ الحكومة ، فلقد كانت زيارة الجعفري ، و قبلها زيارات السيد مقتدى الصدر ، نواقيس خطر من عقبات في طريق تنفيذ المشروع المتفق عليه مسبقاً في "لندن" او "صلاح الدين" او غيرها مما عجل في رفض التحالف الكردستاني مع بقية الاطراف المتحالفة معه في رفض ترشيح الجعفري للوزارة و ربما ابداله بـ (عادل عبد المهدي) الذي تتفق جماعته او حزبه "المجلس الاعلى للثورة الاسلامية" على تلك البنود مع التحالف الكردستاني .
ان الصراع القادم "وهذا هو الذي سوف يوحد الجانب العربي بعيداً عن التخندقات الطائفية" هو الصراع القائم حول مدينة كركوك و عائديتها و ترحيل العرب عنها نهائياً ، و تغيير هويتها العراقية الجامعة لمختلف القوميات و الاديان و الطوائف الى مدينة كردية بالكامل . نحن قلنا في الدليل الفكري والسياسي للتنظيم الشعبي الناصري اننا مع الطموح القومي للقوميات الاخرى ، ولكن هذا لايعني التفريط بحقوقنا او القبول بالحد الادنى منها ، علماً اننا نقر بوجود مهجرين من مدينة كركوك وهذا يستوجب فسح المجال لعودتهم وتعويضهم عما خسروه دون الحاجة لان يكونوا بدلاء عن الذين يقطنون مدينة كركوك بشكل فعلي باعتبارهم مواطنون عراقيون يكفل لهم الدستور حق الاقامة والعمل والتملك في اي منطقة من مناطق العراق "المادة 23 ، 24 ، 42 ، 44 و نعتقد ببطلان المادة 138 من الدستور لتضاربها مع تلك المواد و محافظتها على الفقرتين 53 ، 58 الذي وضعته سلطة الاحتلال".
ان سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تهدف لتحقيق غرضين اساسيين :ـ
*السيطرة على الثروة النفطية .
* حماية امن اسرائيل .
و هذين الغرضين لتحقيقهما وسائل عديدة من اهمها ، ضرورة توزيع منابع النفط العراقية على مناطق متعددة ، خوفاً من فقدان الهيمنة على بعضها ، و هو نفس الموقف الشبيه الذي حقق عزل امارة الاحواز عن وطنها الام "العراق" و وضعها في الجانب الايراني ، و قد اثبتت هذه السياسة نجاحها ، و عليه فأن الولايات المتحدة لا تريد عراقاً قوياً ثرياً قد تفقد السيطرة عليه قريباً جداً ، و لذلك فهي تسعى لعزل مناطق ثرية و اضافتها "لمناطق مؤمنة لمصالحها".
اذاً يجب ان نتبصر بالسياسة الامريكية في المنطقة في العراق و لبنان و سوريا و مصرو ليبيا ، بأعتبارها تعني بقية الاقطار الاخرى و لتمييز هذه الاقطار في تاريخها المقاوم للمد الاستعماري في تاريخنا و لاهميتها الاستراتيجية و الثقافية ، و يأتي دورنا في ان "نجتهد" في كشف بعض الاطر لهذه السياسة ، و لكن قبل كل شئ يجب ان يعتمد "الاجتهاد" على اساسيات مهمة ، فعلى المجتهد في القضايا المصيرية ان لا يأتي بأجتهاده بعيداً عن المحاججة العلمية و التي تتطلب على اقل تقدير العلم بالظروف التأريخية ، التاريخ في اكثر الاحيان يغني عن كثير من الدراسات ،و ان كنت سأبتعد عن الموضوع قليلاً ، و لكن الواقع وجود صلة بين الاثنين ، فهناك اصوات بين الاخوة القوميين ، اذا ما اصغيت لها ستجد نفسك في دوامة لا خروج منها ، قال بعضهم ان امريكا تهدد بتقسيم العراق فقط للوصول الى التمسك في وجودها بأعتبارها صمام الامان بعد التقسيم ؟!
هذا كلام خطير ... و قبل الاجابة يجب الاستهداء بالتاريخ حتى نؤكد استنتاجنا و الا اصبح هذا الكلام مجرد هواء في شبك . و الدليل على عدم صحة هذا الكلام بالاضافة لكل ما نملكه من استراتيجيات معلنة و غير معلنة ...و تصريحات و مقالات و احاديث و لقاءات و اتفاقيات و برامج سياسية لقوى الاعداء ... تؤكد عدم صحة هذا الطرح ... فأننا نلتفت للوراء قليلاً ، فالسلوك الاستعماري في الوطن العربي يتناقض بالكامل مع هذه الفكرة .
لقد احتل الاوروبيون بلادنا العربية ... قبل ان تتجزأ ... و قبل ان تضع سايكس بيكو خطوطها الحمراء لتعزل ابناء القومية الواحدة ... كلٌ عن بعض ، احتل البريطانيون العراق و الاردن و الخليج و الجزيرة و بلاد اليمن و فلسطين في الجزء الاسيوي من الوطن العربي ، كما احتلت مصر و السودان و ليبيا "بعد ايطاليا " .
اذاً ... لماذا جزئت بريطانيا بين العراق و امارات الخليج و الجزيرة و الاردن .. ثم ... جعلت اليمن ... يمنيين و ليس يمن واحد و احتلت فرنسا ، سوريا و لبنان في الجانب الاسيوي من الوطن العربي ، كما احتلت تونس و المغرب و الجزائر ، فلم دولة المغرب العربي ... حيث ان تونس اصلاً لم يكن اقليماً عربياً على غرار اقليم العراق ، و الشام و سميت هذه بأسم مدينتها الاساسية "تونس" كذلك "الجزائر" وهو نفس ما فعلته بريطانيا مع امارات الخليج .
يجب ان لانكون وديعين للدرجة التي تجعلنا اغبياء وسذج فهناك مخطط تحمله الولايات المتحدة وهي تنفذه ، فحماية امن اسرائيل يتطلب تفتيت الدول القطرية العربية وبالاخص القوية بثرواتها وموقعها ودورها التاريخي ، وهذا يتفق مع اوضاع العراق ، ومنها سوف تتحرك الولايات المتحدة يميناً ويسارا ..شرقاً وغرباً..
وضمن نفس فصول التمهيد لتحقيق هذا الغرض ، الوقوف في وجه المحاولات الايرانية للحصول على المقدرة العلمية النووية ، ومن السذاجة ان ننساق خلف بعض "الظنون" في هذا الجانب ونعتبر كل التهديدات لايران وكل العقبات التي تضعها الولايات المتحدة في هذا الجانب مجرد "اوهام واكاذيب" وان "نبحث" عن اضعاف "ايران" بحجة انه لصالح العراق و العرب. علينا ان لا ننساق لموقف مشابه لموقف دول الخليج من الاسلحة العراقية ـ او اسلحة صدام ـ ايام حكم الدكتاتور ، وهو الموقف الذي ادى لما حل بالعراق والمنطقة . في حين يجب عزل هذا الموقف عن الاخرى التي تخص ايران بما فيها موضوع العراق او الحركة الوطنية لشعب الاحواز .
عليه فأننا ، دعونا في طريق ايقاف المخطط الامريكي الصهيوني في العراق لاجتثاث الفكر الطائفي ، وعدم اتهام الاخرين جزافاً ، بهذه التهمة من خلال رأي معلن . وان نؤكد اننا اول من دعى لوقف اسلامي واحد ، حفاظاً على وحدة الاسلام ، ووحدة المشرفين على المسائل الدينية في البلاد ، اخيراً .. ضرورة الابتعاد عن التفاصيل الدينية لانها تفتح علينا ابواب جهنم ، فنحن لسنا جزء من وقف او مؤسسة دينية .. رغم تقديرنا لكل رجال الدين .
ولايخفى اليوم على احد ، ان الذين يقفون خلف الاحداث التي فجرت الموقف في البلاد هم المستفيدين من هذا الانفجار ، والخلاف ، وقلنا ان مصائب قوم عند قوم فوائد ، وخلفها المستفيد الاول امريكا والصهيونية ، و يأتي تصريح السيد حسن نصرالله الذي رفضته القوى الكردية حول التواجد الصهيوني في كردستان كمؤشر خطر على حقيقة النوايا الباطنة للاخرين .
و في حين ان ديمقراطيتنا (ديمقراطية عبد الناصر) كانت انجازات للفقراء و الكادحين و طريق نحو النهضة و البناء الحضاري ... فها هي ديمقراطيتهم "الاحتلال و من معه" فوضى على كل الاصعدة و فساد و رشاوي و سرقة اموال الشعب ، و صراع شبيه بصراع راعاة البقر "الكاوبوي".
فالحذر .. من الانسياق خلف نداءات الباطل ، و ان نسير نحو الصحوة، والوحدة ، والمقاطعة للبرنامج الذي جاء به الاحتلال ، طريق الوطنيين العراقيين نحو الانتصار الاكيد .
الناطق الرسمي للتنظيم الشعبي الناصري في العراق