الفتنة في العراق خطرٌ يهدد العروبة و الاسلام
حسين الربيعي
بسم الله الرحمن الرحيم
"يريدون ان يطفؤا نور الله بأفواههم و الله متم نوره و لو كره الكافرون"
في سلسة من الحلقات المتصلة ببعضها و الهادفة للقضاء على العروبة و الاسلام و الاستخفاف بهما ، و محاولة طمس مفاهيم الدين الاسلامي و زرع الفتنة بين المسلمين للقضاء على وحدتهم ، و مسخ الهوية الحقيقية للاسلام تأتي حوادث العراق الاخيرة ، و التي تـأ ججت نيرانها بسبب الحادث الاجرامي الذي تعرض له ضريح الامامين العسكريين عليهما السلام ، و تصاعدت الفتنة العمياء لتضيف المزيد من الآلام و المآسي بأسم الدين , ضد الدين ... و رسالته السمحاء .
و حتى لاننسى تحت ظل الفوضى ، ان الاحتلال يقف ليملأ صدره فرحاً مما نحن فيه ، فهو الذي حمل الينا "فيروس" الطائفية اللعينة ، و جنوده هم الذين اهانوا ابناء البصرة ، و لا يزالون ، و هم الذين قصفوا مدينة النجف و هم الذين يتصدون لابناء مدينة الصدر ، و هم الذين يعتقلون خيرة من ابناء الجنوب و الوسط من المقاومين لهم ، من مختلف التيارات ، ناهيك عن مدن الرمادي و تلعفر و حديثة و الفلوجة .
و حتى لا ننسى تعامل قوات الاحتلال مع المارة من الناس ، و سواق السيارات ، في دورياتهم الآلية "الهمرات" و المدرعات التي كثيراً ما دهست مواطنين او صدمت سياراتهم ، و كثيراً ما شاهدت بأم عيني مدرعاتهم تدوس سيارات صغيرة بمن فيها ، و اخرين قتلتهم عن قصد او غير قصد "رغم يقيني" انها عن قصد بدليل ان اكثر الذين اغتالتهم من الكوادر العلمية ... و لا تزال تنفذ جرائمها هذه و تلك تحت غطاءٍ من الصمت ... او الكلام الذي يفوقه الصمت .
اما جرائم التعذيب التي يمارسها الاحتلال في سجونه و معتقلاته و نشر صور هذه الممارسات عبر وسائل الاعلام ، و ما ينطوي عليه من اثار سلبية على الاخلاق العامة ، دون ان نسمع من مسؤول ما يشفي صدور قومٍ مؤمنين ، فمهما يحدث فأن رجالات الاحتلال .. يحلون على بلادنا "ضيوف كرام" .
كل هذا يا اخوتي يحدث ، كما كان يحدث في قديم الزمان تحت سياسة "فرق تسد" الاستعمارية التي تحولت الى سياسة المحاصصة التي تحمل نفس المضمون ... مع تغيير في مكان بعض الكلمات و استخدام مكياج جديد لاخفاء القباحة الحقيقية للمحتلين .
و كنا نأمل و لا نزال ... ان يعي السياسيين ... من اولئك الذين تورطوا بالفعل في التعامل مع الاحتلال او هادنوه ... او لا زالوا يتخذون منه موقف الهدنة ... و اولئك الذين خدعتهم الكلمات و بهرت اعينهم القاعات ... و المناصب ... و هيبة العسكر ... و صدى الاحتفالات الكاذبة ... متى يدرك هؤلاء ... ان حساب الحقل ليس هو حساب البيدر ، فالذين كانوا يتحدثون عن الديمقراطية كانوا يعرفون جيداً ماذا يريدون من هذا الوطن الذي سخروا له آلة عسكرية و امكانيات مادية هائلة لاحتلاله ، و اذا ظن البعض من ضعاف النفس ، او الطيبين ... ان الامريكان لا يطمعون من خيرات العراق شيئاً ... بل هم يصرفون من خزائنهم ... هكذا قال احد المسؤوليين في احدى الاحزاب الكبيرة في العراق لعددٍ من ممثلي الاحزاب الاخرى ، فبعضهم ينفذ نفس الدور الذي يمثله اسياده و التي تبغي ان تظهر المحتلين بالوداعة و الطيبة لانهم يملكون رسالة عالمية او عولمية ، و لكن هذا لا يمنع ... ان كثيراً ممن اصطدم بالواقع المر الذي يتنافر مع حسابات البيدر التي انجزها في اجواء خاصة ... و خاصة جداً .
و بعد هذا و ذاك ...
فما الذي تحقق على ارض الواقع من انجازات ... سوف احاول ان انقل صورة بسيطة عن وضع الشارع العراقي ... الذي تسوده و تميزه الفوضى ... و منبهات سيارات الشرطة و الجيش و الهمرات التي تستخدم نفس المنبهات ، و اطلاقات الرصاص لفسح المجال للارتال العسكرية بسرعة المسير و فوهات البنادق المصوبة نحو صدور المدنيين ، و بعض السيارات المدنية ... التي لا تحمل ارقام ... تمييزها المصابيح المشتعلة نهاراً و ليلاً و سرعتها الجنونية ... بينما تمتد بجانب الرصيف جذوع النخيل و العلب الكارتونية ... و المعدنية و القضبان ... و خزانات المياه التالفة ... و الابواب و الشبابيك ... و اسرة النوم الحديدية ... و اكوام من الحجارة و الصخور ... و اكوام من القمامة ... لتمنع السيارات من الوقوف "الا لاصحاب المحلات المطلة عليها او معارفها" لمنع وقوف السيارات المفخخة التي تستهدف المواطنين قبل غيرهم .
اما الارصفة ... فقد تحولت لاسواق لمختلف المواد ... فواكه و خضروات ... ملابس ... مواد تجميل ... احذية ... لعب ... مطاعم ... شوي الكباب و السمك و غيره ... احواض للاسماك و مجازر للقصابة و بيع الاسماك و الدواجن و البيض ، اكوام من ورق الخس التالفة مع اوراق البصل الاخضر ... ذباب ...روائح ... مياه مجاري تطفو فوق الارصفة و في الشوارع ، و على بعض الارصفة بنيت ... محلات و اكشاك و مواقف سيارات ... و تحولت بعضها مع بعض الساحات العامة لثكنات عسكرية ... لبعض الميليشيات .
الشوارع الفرعية ... اكثرها مغلقة ... و اكثرها غارق بالمياه الآسنة ... و في كثير منها تفاجأ بمنعك من المرور تحت حجج او موانع اصطناعية ، و هنا و هناك في الشوارع الفرعية او الشوارع العامة تجد اعداداً من الرجال ... يجلسون متخذين من المكان مقاهي و ملتقيات بسبب البطالة او الخوف من الذهاب لمناطق اخرى .
انظر لوجه العراقي يا اخي ... اي عراقي كان ... سوف لن تجد امامك الا اسطرة من المآسي و الآلام ... يزرعها المحتلون ... و السياسيون ... و الغريب فأن الناس في العراق غاضبة ، دون ان تعرف لماذا هي غاضبة ، ففي زحمة المنعطفات الطائفية تضيع الحقيقة او يحاول كثيرون ان يضيعونها ، و الناس غاضبة لانها اكتشفت في داخل نفوسها و بالواقع العملي ان تضحياتها في سنين الديكتاتورية و المعتقلات و القبور الجماعية و الحروب العبثية تحولت الى ارصدة و نفوذ و مواقع سيادية و رئاسية و وزارية لمن لم يكونوا هنا ... ايام الديكتاتورية و المعتقلات و القبور الجماعية و حروب النظام ...
و انها غاضبة لتشابك الازمات التي وقعت على كاهلها ... غلاء ، بطالة ، خوف، ميليشيات، اعلام لا يوجه ، قرارات برفع الاسعار ، محاصصة ، الغاء وزارات ، و قوات ، و اجهزة امن و بناء اخر تحت تهديد الواقع ، و المحاصصة و السرعة .
و حينما لم تدرك القيادات ... هذا الغضب ... و لم تستطع ان توجهه ، و تمكنت قوى خارجية او تعمل لحساب الخارج ان تتلاعب بالعواطف ، و تزييف الحقائق خلقت للمواطن عدواً من اهل بيته و دينه و قوميته ... و غذته اقوام ... و شخصيات و نفوس تحت يافطة مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ .
لو تركوا السجون تتحدث ... و المعتقلات ... و لو كانوا يقدرون ان يسألوا اهل القبور الجماعية ... لوجدوا ان ضالة العراقيين التي عبروا بها تلك السنين العجاف حبهم لبعضهم ، و تعاطفهم و توادهم ، لقد كان في رفقتنا في المعتقلات اخوان من الشيوعيين و من القوميين و من الاكراد و من البعثيين اليسار ... و من كل مدن العراق دون استثناء ، يجمع بيننا حب الوطن و الشعب ، فهل توحدنا الديكتاتورية ... و يفرقنا الاحتلال ، رغم انهما ينهلان من شيطان واحد يدعوا لاستعباد الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".
لقد لجأ الرسول العربي الكريم محمد (صلعم) في اول خطوة في طريق بناء دولة الاسلام في المدينة النورة لاعلان الاخاء بين المسلمين ، و دعا كل مسلم مهاجر ان يؤاخي مسلماً من الانصار ... لكي يفتح هذا المشروع الجديد ... لهذه الامة تحت المحبة و الاخاء "مثل المسلمين في توادهم و تعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى ".
(و كما قام النبي (صلعم) "ببناء المسجد" مركز التجمع و التآلف ، قام بعمل اخر من اروع ما يأثره التاريخ، و هو عمل المؤاخاة بين المهاجرين و الانصار. قال ابن القيم :ـ ثم آخى رسول الله بين المهاجرين و الانصار في دار انس بن مالك و كانوا تسعين رجلاً ، نصفهم من المهاجرين ، و نصفهم من الانصار ، آخى بينهم على المواساة ، و يتوارثون بعد الموت دون ذوي ارحام الى حين وقعة بدر ، فلما انزل الله عز وجل "و اولوا الارحام بعضهم اولى ببعض" الانفال 75 ـ رد التوارث ، دون عقد الاخوة ). من كتاب سيرة رسول الله (صلعم) الرحيق المختوم للعلامة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري .
و كوننا لسنا رجال دين ... و لكننا من الحريصين على ان نهتدي بهدي الدين الواحد ... و لاننا لا نستطيع ان نستغني عن هدي رجال الدين و نصحهم ، فالدين عندنا في منزلة عالية لا يمكن ان نطولها الا بالاحترام و التقدير و لرجالها العزة و الكرامة ، و لكن ... يظهر احياناً بين الحين و الآخر بين عدد من رجالها ... العصبية و الانفلات في القول ، و تلك ظاهرة لا تتفق مع رجل الدين الذي تميزه عن غيره الحكمة و التروي ... يقولون الصبر من علامات المؤمن .
و مع ذلك فنحن ندرك ان خلط الاوراق ببعضها لا ينتج عنه الا الفوضى ، فأستخدام الدين لاغراض دينوية في شؤون السياسة و السيادة و الرئاسة لها مخاطرها و مردودها السيئ ... و بالحكمة و الوحدة يكون لها مردودها الايجابي ، ان وحدة المسلمين امام اختبار حقيقي ... خصوصاً و ان الاسلام في مواجهة من قبل اعدائه ، فأما ان يكون الاسلام او لا يكون ... اما ان نتحارب فيما بيننا ... فذلك يعني ان قطار الموت قادم ليسحقنا جميعاً ... سنة و شيعة .. مسلمون و مسيحيون ... كما ان الاجتهاد لا يمكن ان يزيل القاعدة الاساسية ، فنحن بالدرجة الاولى مسلمين ... هذا ما اراده الله لنا ... ديننا الاسلام و ليس السنة او الشيعة ... و خوفنا على الاسلام من الضياع يجعلنا في قلق شديد و خوف على هزيمتنا جميعاً ان لم نعتصم بحبل الله جميعاً ... فنحن على شفا حفرة من النار ... و لن ينقذنا منها الا التمسك بالله و وحدتنا ، يحظرني في الذاكرة رسالة للاستاذ الكبير سامي شرف الى الحزب العربي الديمقراطي الناصري في مصر حول مسألة تحالف الحزب مع حزب الاخوان المسلمين "و رغم اني احتفظ بنسخة جريدة العربي التي نشرت الرسالة الا انها ليست في متناول يدي " و تتضمن الرسالة معارضة الاستاذ سامي شرف لهذا التحالف ،و الحقيقة ان الاحزاب القومية ، بأعتبارها ، صاحبة المشروع الامضى ، ضد الطائفية و العنصرية يجب ان لا يكون لها تحالفات مع قوى التطرف الديني ، و كان موقف الاستاذ سامي شرف معبر جداً عن الموقف القومي الصحيح ، كما انوه لضرورة قيام علاقات متينة مع الاطراف الاسلامية البعيدة عن التطرف ، و المناهضة و المقاومة للاحتلال و الصهيونية و حفاظاً على ثوابتنا التحررية الوطنية و القومية.
يقول الامام علي (ع) : ان الشعوب "الناس" على اخلاق حكامها .
فمنذ احتلال العراق و تنفيذ مخطط مؤتمر لندن اللعين بأختيار سياسة المحاصصة الطائفية انتقل العراق لمرحلة تأهيلية مخيفة و خطيرة جداً تفرض عليه فكرة الفرز القومي و الطائفي لغرض الانتقال لبناء اقاليم طائفية تتهيأ للانفصال عن بعضها "ديمقراطياً" من خلال الدستور و من خلال سلسلة من الجرائم التي تطال المواطنين الابرياء لتفرض عليهم هذا المنهج في تغيير مناطق اقامتهم و عملهم وفق البرنامج الطائفي وحده و مسخ الهوية الوطنية التي تعتمد على ثوابت متعددة منها "مشاعية " الوطن لجميع المواطنين .
و كل هذا يجري تحت "رعاية" و "شرعية" يضمنها الدستور العراقي ضمن عدة فقرات و بنود ، و يرعاها الاحتلال ، و السفارة , و بعض دول الجوار ضمن احقية المحاصصة التي اخترقت الحدود ...
و منذ حوالي الثلاث سنوات ، و نحن على ابواب السنة الرابعة ... فما انجز لا يعدوا ان يكون اكثر من تخريب للثقافة ، تخريب للنفوس ، تخريب للثقة ، تخريب للايمان ... و ارتفعت سمات و صفات جديدة تعتمد الفساد ... في الاخلاق ... في الادارة ... في السياسة ... و كأن العراقيين في غابة ... الغالبية العظمى منهم ... مجهول مصيرهم ... سوداء ايامهم ... يقضونها بين الخوف و البرد و الجوع و الظلام ... بل العتمة في كل ما يخصهم ... و دون بصيص و من املٍ يرتجى .
في مقابل ذلك ... اين هو المشروع الوطني ...
فالمشروع الوطني وحده القادر على انقاذ البلاد ، بل و انقاذ المنطقة و ربما العالم اجمع ، لانه الحل الوحيد الجامع لابناء الامة و موحدهم ... و هو المشروع الوحيد الذي يستطيع ان يتأهل ليقاوم الاحتلال و التجزئة و الفتنة ... و هذا المشروع يحتاج لمساندة الخيرين و دعمهم ، خصوصاً اولئك الذين سوف تطالهم النار المتأججة ما لم تطفأ ... و على حد قول السيد مقتدى الصدر "كل انسان شريف فهو اخي ، و كل مقاوم فهو قريني".
راجين ان ندعم القول بالفعل و ان نعتبر الطائفية و الفتنة سلاح الاحتلال لفرض ارادته علينا ، و يبقى السؤال ... هل ان حاكماً جائراً ... جامعاً بجوره الناس بكل اطيافهم ... افضل من فوضى ... تفرق الناس و تدفعهم للاقتتال تحت تسمية الديمقراطية الكاذبة .
الطيبون ...يقبلون بالحل الاول ... للخلاص من محنتهم ... و لكننا واثقون ان الاختيار الحقيقي هو الاختيار الديمقراطي الحقيقي الجامع للامة ... و الضامن لكرامة الوطن و المواطن .
الناطق الرسمي للتنظيم الشعبي الناصري في العراق
بغداد 24/2/2006