خارطة طريق .. للوحدة العربية

 الجزء الثاني 

 حسين الربيعي

 

 

ان الوحدة العربية مالم تكن مقامة على اقتناع جماهيري واسع فستصبح وحدة هزيلة خلقت لتجارب من اساسها

                                                                          جمال عبد الناصر 12/2/1970

                                                              في اجتماع بين المعلم الخالد و الاخ العقيد معمر القذافي   

  

لقد تبين مما قلنا في مسألتي القوميات غير العربية في الوطن العربي والطائفية، بأختصار بأننا اذا استطعنا التعامل معهما بشكل علمي ومرضي فأننا نكون قد عالجنا بألاضافة لرفع بعض المعوقات في طريق الوحدة العربية ، ابطال سلاحين تستخدمهما قوى النفوذ العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة والصهيونية وحلفائهما في حربهم المشتركة ضد تطلعاتنا ووجودنا .

اما فيما يخص مسألة المصالح الاقتصادية ، واختيار الاتجاه الاقتصادي العام .

فلقد برهنت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا تحول عدد من" الاطراف "  او الاحزاب القومية لصالح الدعوة للانفصال ، في حين ان الغالبية العظمى من ابناء الشعب السوري كانت مستعدة للدفاع عن الوحدة بالسلاح لولا عبقرية المعلم الخالد الذي كان قد ادرك اهمية الوحدة الوطنية السورية اولاً ومن ثم استدراك بعض الاخطاء جراء نتيجة الانجاز السريع والفوري للوحدة . ومن اهمها ضرورة توضيح المصالح الاقتصادية واختيار الاتجاه الاقتصادي العام وتضمين ذلك ميثاق وعقود الوحدة .

فالبرجوازية "القومية" كانت تظن ان الوحدة ستحقق لها مزيد من الارباح والمصالح على حساب الغالبية الفقيرة او صاحبة الدخل المتوسط غير ان ماجرى من تطبيق للسياسة الاقتصادية للزعيم الخالد جمال عبد الناصر تحت عنوان المفهوم الاشتراكي والعدالة الاجتماعية ، ما  حرم الفئات المستغلة وقلص الفوارق بينها وبين الطبقات الاخرى من الغالبية.

 ولا يمكن ان نتصور مطلقاً وفق مفهومنا الاشتراكي مصالح اقتصادية بين ابناء هذه الامة واقطارها غير مصالح الغالبية العظمى من ابنائها . ولذلك انقل  هذه الفقرة من كلام الزعيم الخالد عبد الناصر مع الاخ معمر القذافي في مباحثات بينهما في القاهرة يوم 14/2/1970 (نقلاًعن كتاب عبد المجيد فريد من محاضر اجتماعات عبد الناصر العربيةوالدولية ...1967 )

" أبدأ اولاً بموضوع حماية الثورة واستقرارها . علشان تفكروا بشكل علمي في حماية الثورة، عليكم اولا ان تحددوا من هم اصدقاء الثورة ومن هم اعداء الثورة ؟ مع اعتبار اساسي ان الاعداء لايمكن ان يصبحوا اصدقاء ، وان الاصدقاء احياناً ينحاز بعضهم للاعداء . عليكم ان تهتموا بأصلاح الوضع الاقتصادي ، وتتجنبوا حدوث اي كساد اقتصادي في الاسواق مع اهمية توفير السيولة المالية بصفة دائمة . عن علاقتكم الخارجية ، ستحاول الدول الكبرى وخاصة التي لها مصالح سياسية او اقتصادية معكم ، ان تبذل جهدها للتقارب معكم وستحاول اميركا ان تعمل على احتوائكم لحماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية . اما الاتحاد السوفيتي فسيعمل على تأييدكم والوقوف معكم كما حدث بالنسبة لنا . وطبعاً هذا الموقف منه ليس حباً لسواد عيوننا ، ولكن لاننا نعمل على تصفية الاستعمار الغربي في المنطقة .

سيسألكم الناس عن مفهوم الاشتراكية التي اعلنتموها ، ولهم حق في هذا التساؤل . من رأيي شخصياً ان الاشتراكية في ليبيا ، وفقاً لوضعكم الاقتصادي والاجتماعي ، تعني تأميم البنوك وشركات التأمين فقط ، على ان تباشروا في تكوين قطاع عام جديد يتزايد حجمه سنة بعد اخرى ، وذلك لان اوضاعكم تختلف عن اوضاعنا . كما لايوجد لديكم حجم وشكل الاقطاع الذي كان موجوداً لدينا .

سيسألونكم ايضاً عن الوحدة التي اعلنتموها . في رأيي ايضاً ان توضحوا لهم ان الوحدة ستبنى اساساً لمصلحة الناس في ليبيا ولمصلحة الناس في مصر "

ان هذه الكلمات لوحدها .. منهاجاً كافياً ومعبراً عن مواضيع  متعددة ، و لكن الذي يهمنا ما جاء حول المجال الاقتصادي الذي ركز عليه عبد الناصر لأعطاء صفة اشتراكية للوحدة يجب ان تتهيأ لها ليبيا قبل اعلان وحدتها مع مصر . مما يجعل آلية النظام في ليبيا ، جماهيرية ، تتحكم فيها الغالبية من الشعب ، لتستطيع ان تتبنى قيادة دولة واحدة تستطيع ان تعبر عن مصالح الجماهير (لمصلحة الناس في ليبيا و مصلحة الناس في مصر) .

ان ما قاله عبد الناصر هو حماية للثورة و هو بالتالي حماية لدولة الوحدة مستقبلاً لان التطور الاقتصادي سيؤدي لتناقض بين فئتين من الناس [ هذا و اذا لاحظنا التطور الاقتصادي الاجتماعي الذي ادى الى تحول كبير في المجتمع و ظهور تباين اجتماعي بين فئة التجار و ارباب الضياع من جهة و العامة من جهة اخرى ، ادركنا سبب نشاط الحركات السرية بين العامة ]  د. عبد العزيز الدوري (الديمقراطية في فلسفة الحكم العربي) .

من دروس تجربة وحدة مصر وسوريا ... ان الذين حاربوا الوحدة ، منظومة البرجوازية و الاقطاع الاقتصادي المستغل متحالفاً مع قوى "اشتراكية" رفضت  "عن مكر" ان يتقدم الفكر الناصري بمفهومه الاشتراكي و تطبيقاته الاشتراكية عن فهمها و ان تتجاوز التطبيقات الاشتراكية نسبة للوقت ما قدمته التجارب التي (يسوقونها) . و هذا ما يدلل عليه قول القائد عبد الناصر : "ان الاصدقاء في بعض الاحيان ينحاز بعضهم للاعداء" .

(انه ما لم تعِ الجماهير العربية حقيقة ان الوحدة هي الطريق الوحيد لتجاوز التخلف و تحقيق التنمية ستبقى دعوات مثل العمل العربي المشترك ، التعاون العربي ، التكامل الاقتصادي العربي مجرد دعوات عاجزة عن توفير الاداة الضرورية لتحقيق التنمية و تجاوز التخلف) د.مبدر الويس  (بحث في التغييرات في النظام الدولي و آثرها على مستقبل الوحدة العربية) .

و لأن ذلك لا يمكن تحقيقه ضمن أُطر الدولة القطرية (لان الاقتصاد في الدولة القطرية في الوطن العربي لا يمكن ان يحقق التنمية الذاتية لكل قطر بمفرده في ظل الاحتكارات و الشركات الدولية الكبرى) نفس المصدر السابق .

اذاً فالسلوك الاقتصادي الاشتراكي احدى الوسائل المهمة التي تحقق الدعم و الدفع لمسيرة الوحدة العربية ، تحت ظل مصلحة الجماهير الواسعة في الوطن العربي التي يجب توعيتها بأهمية الوحدة العربية  بأعتبارها الطريق نحو تجاوز التخلف و تحقيق التنمية ، وان على القوى  المؤمنة بالقومية العربية و بالمشروع الوحدوي ان تطرح مشروعاً على مستوى الوطن العربي يتضمن التركيز على المصالح المشتركة بين ابناء هذه الامة و يسعى لازالة الفوارق الطبقية و التي تحاول القوى القطرية الحاكمة لتأطيرها بأطار سيكولوجي تاريخي ضمن بنى مؤسساتية منيعة لتكون احدى موانع الوحدة العربية مستقبلاً.

يقول عبد الناصر "لقد كنا نحارب قوى الشر في جميع الميادين ... فأمضينا هذا الوقت في تأمين الثورة لتحقيق اهدافها و ستبقى هذه الثورة قائمة بفضل هذا الشعب الذي لن يستبد به مستبد او يستغله مستغل مرة اخرى ، و  لن تستطيع حكومة من الحكومات التي ستقوم في هذا البلد ان تستبد به ، بل ستقوم حكومات لمجموع الشعب و لن يسيطر عليها اصحاب المصالح ، و لكن ستسيطر عليها احاسيس هذا الشعب و آماله لان الحكام من هذا الشعب و لهذا الشعب ، و لهذا ايظاً سيتجه الحكم  الصالح نحو خدمة المحرومين في الماضي و لهذا ستبقى الثورة" 15/1/1955 .

هذا الهدف العظيم الذي عبرعنه عبد الناصر في نقل امور السلطة من النظم القديمة التقليدية التي ترتبط بأهواء و رغبات الحكام لاسلوب حضاري متقدم على غرار الدول المتقدمة في العالم ... فالصيغ الاساسية للدول لا يمكن ان تتغير وفقاً لرغبات فرد او فئة معينة ، فتركيا مثلاً دولة علمانية منذ تأسيسها الحديث على يد اتاتورك ... هذه الصيغة السياسية للبلاد لم تستطع اية قوة اختراقها ... حتى الاحزاب السياسية الاسلامية ، و لم يستطيعوا التأثير على هذه الصيغة في حين اثرت صيغة الدولة على مسار تلك الاحزاب الاسلامية .

ناهيك عن بلدان الغرب الرأسمالية ، فأن السياسة الاقتصادية لتلك البلدان لا يمكن ان تتأثر بتغير الحكومات في جوهرها ، فلقد مرت الكثير من الحكومات الاشتراكية على حكم بريطانيا و فرنسا و ايطاليا و غيرها الا ان النظم الاساسية للاقتصاد نظم رأسمالية .

و في التجربة الايرانية ، فقد كان المفهوم الاقتصادي بل و حتى السياسي مفهوماً (اسلامياً) لم تتأثر فيه تعاقب رؤساء اصلاحيين او متشددين ... لان الالتزام بالنهج الاسلامي الذي اُقر عن طريق الثورة الخمينية ظل المسار الذي تدور داخل حدوده حلبة الصراع  بين الاصلاح و التشديد ، فأي المسارات السياسية الاقتصادية نتمسك به ، لغرض ترسيخ مفهوم الوحدة الذي يجب ان تعيه الجماهير العربية ، و تكون صاحبة المصلحة فيها ، يقول عبد الناصر "نعمل لمجموع الشعب بأكمله ، لا من اجل فئة معينة ، انها سياستنا ، سياسة الاستقلال من اجل الجميع ، لخير الجميع لا من اجل رؤوس الاموال ، و لا لحماية الاقطاع ، بل لأبناء الوطن جميعاً " 12/2/1955 .

اذاً... هذا هو الخيار ... الخيار الذي عن طريقه نعمل لمجموع الشعب بأكمله ... و هو الشعب الذي يمتد فوق الارض العربية من الخليج حتى المحيط ... و لا مجال غيره و هو الاختيار الاشتراكي و عليه فأن الوحدة التي نريد لا بد ان تكون وحدة اشتراكية .. وحدة للجماهير ... و من اجل الجماهير ... و ان نتحول في اقطارنا لبناء اشتراكية الوحدة .... لا اشتراكية الاقليم ... اما كيف ؟ فالجواب لااملكه وحدي و لا يملكه اياً منا .. بل نملكه جميعاً ... اذا تجاوزنا تشرذمنا و اعددنا مشروعاً على مستوى الوطن العربي ، قادراً على التحدي الحقيقي و يستقطب الغالبية العظمى من الناس في وطننا الكبير .

و مع ذلك فأننا لا بد ان نعزز قولنا في ان الديمقراطية هي طريق الوحدة العربية فأية ديمقراطية تحقق هذه الوحدة ؟ هذا ما سنتطرق اليه في الجزء الثالث .

 

 الناطق الرسمي  للتنظيم الشعبي الناصري في العراق

 بغداد 4/2/2006