عراق العرب يتحول بالتدريج الى
عراقستان
هارون
محمد
جن جنون الطائفيين
والشعوبيين والعجم والاذريين والهنود والافغان الذين جاءوا مع الاحتلال، وصاروا
حكاماً ورؤساء ووزراء ومسؤولين في العراق، لأن محامياً عربياً من قطر، تطوع للدفاع
عن الرئيس السابق صدام حسين، وطلع احد ممثلي ما يسمي بالحوزة النجفية او الكربلائية
بعد ان تعددت الحوزات والهدف واحد، يتمثل في طعن عروبة العراق وربطه بطهران او قم
او مشهد، يدعو الحكومة الجعفرية الي القاء القبض علي الاستاذ نجيب النعيمي وزميله
المحامي الامريكي رامزي كلارك، لانهما في رأي (سماحته) دخلا العراق بدون تأشيرة
(فيزا)، أعقبه نائب في الجمعية الوطنية، وثني علي دعوة الملا بضرورة اعتقال
المحاميين القطري والامريكي، لانه يري انهما تسللا الي العراق، والمتسلل في حكم
القانون لا بد ان يلقي القبض عليه ويحاكم.
وفجأة هدأت الضجة وتوقف الصخب علي النعيمي وكلارك، وتبين ان الاثنين حصلا علي
تأشيرة دخول رسمية من السفارة العراقية في عمان ودفعا الرسوم المطلوبة واستقلا
طائرة علي نفقتهما الخاصة وسافرا الي بغداد، بل ان السلطات الامريكية حصلت منهما
علي اجور النقل من المطار الي المنطقة الخضراء، بمعني ان زيارتهما الي العراق، كانت
اصولية تماماً، وليس كما يتدفق الايرانيون علي الاراضي العراقية من حدود البصرة
والعمارة والكوت دون المرور علي المنافذ الحدودية الحكومية وبلا ختم جوازات سفر،
حتي وصل الامر بالايرانيين الي ادخال شاحنات تحمل صناديق واستمارات انتخاب بالاطنان
بطباعة انيقة وعلي ورق مصقول، افضل ألف مرة من طباعة الاستمارات الموزعة في العراق،
التي تعهدها مقاولون نسقوا مع مسؤولين في الحكومة وبعض مفوضي الانتخابات علي طريقة
(كلمن حصتو الو)، فالعراق مستباح ليس من الامريكان فقط، وانما منهوب من فوق الي
تحت، ولا تصدقوا ان هناك مفوضية مستقلة واخري تحمل اسم النزاهة وثالثة لاجتثاث
البعث ورابعة وخامسة الي الرقم 300، والفضل في هذا الكم الكبير من الهيئات
والمنظمات يعود الي المستر بريمر والي وكالة التنمية الامريكية الوجه الآخر لوكالة
المخابرات الامريكية (السي اي ايه) ووكالات اخري تعمل تحت الطاولة. وتصوروا مسؤولاً
في مفوضية الانتخابات (المستقلة) كان الي حزيران (يونيو) من عام 2003، يقود تظاهرات
الجنود والمراتب والنواب الضباط الذين سرحهم بريمر للمطالبة برواتبهم، وهذا شيء حق،
يتحول فجأة الي صاحب منظمة للمجتمع المدني، ومكتب في وسط بغداد وحراس وسيارات
واجهزة كومبيوتر، وهيلا هوب.. الي مدير عام المفوضية المذكورة، وعضو في مجلس
ادارتها واخطر مسؤول فيها، وتبين ان الرجل كان نائب ضابط في محكمة عسكرية في جانب
الكرخ ويسكن بيتاً متواضعاً في حي (السيدية) قبل ان ينتقل الي المنطقة الخضراء،
وينزل في فيلا لاحد الوزراء السابقين، او الاسبقين اذا صح التعريف، وتبين ايضاً انه
نجح في عقد علاقة مع جهة امريكية عندما خدعها وقدم لها ملفات مزورة للمحكمة
العسكرية التي عمل فيها كاتب محاضر جلسات، واعتقدت تلك الجهة الغبية انها التقطت
شيئاً ثميناً فاحتضنته ووجدت ان مكانه الحقيقي في مفوضية الانتخابات حسب الاختصاص،
والامر نفسه ينطبق علي تلك السيدة التي تحولت من ملاحظة ادارية في جامعة بابل في
الحلة الي مسؤولة كبيرة في المفوضية المذكورة، بحيث انها صرفت اكثر من 56 مليون
دولار كمخصصات ورواتب واجور للعاملين في المراكز الانتخابية في خارج العراق، من
ضمنها ثلاثة ملايين منحتها الي شركة مسجلة بالاردن، صاحبها شقيق احد اقطاب الائتلاف
وعضو نافذ في الجمعية الوطنية، رغم ان صاحب الشركة يقيم ويعيش في دولة الامارات.
وعودة الي موضوع الزيارات الي العراق بدون تأشيرة دخول رسمية، فقد قامت قيامة اصحاب
(الغيرة) علي العربي القطري النعيمي وزميله المحامي الامريكي كلارك، عندما ظنوا ان
الرجلين تسللا ودخلا العراق خلسه، ولكن هؤلاء (النشامي) صمتوا صمت القبور، عندما
جاء المستر ديك تشيني نائب الرئيس بوش الي بغداد ونزل في القصر الجمهوري (السفارة
الامريكية حالياً) واليه هرع طالباني والجعفري بعد ان (تلفن) لهما السفير زلماي
واستدعاهما اليه، وفوجئ الاثنان عند ذهابهما الي هناك، بوجود نائب الرئيس الامريكي
جالساً باعتراف رئيس الحكومة الذي اعلن عقب لقائه مع تشيني قائلاً: لقد فوجئت حقيقة
بوجود السيد نائب الرئيس الامريكي..الخ.
ويبدو ان زيارات المسؤولين الامريكيين الي العراق وهي عديدة ولا تحصي، وكلها بلا
احم او دستور، قد هيجت مشاعر كاتب عراقي ساخر يكتب عادة بلغة (الحسجة) اسمه شلش
العراقي، فكتب عموداً في صحيفة الكترونية (كتابات) قال فيه ان العراق صار(خان جغان)
بمعني ان كل من هب ودب يستطيع الدخول والخروج منه بلا استئذان او حساب، واصبح رئيس
الحكومة ابراهيم الجعفري باعتباره المسؤول الرسمي الاول (ابوكرون) وكرون في اللهجة
العراقية تعني (قرون) الثيران والماعز، وليس السنوات للعلم رجاءً.
والسؤال هو لماذا لا يطلب المسؤولون العراقيون من السادة الضيوف اشعارهم مسبقاً
بزياراتهم الي العراق ليهيئوا لهم حرس شرف وبساطا احمر وتقديم التمر واللبن لهم في
المطار وضيافة ممتازة؟
الجواب.. ولماذا هذه الاعباء وتشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايز والجنرال ابوزيد
ونظراؤهم الانكليز والاستراليون والبولنديون وغيرهم، هم أهل الدار، علي طريقة.. يا
ضيفنا لو جئتنا لوجدتنا نحن الضيوف وانت رب المنزل، ثم من يجرؤ من السادة الذين
يتصدرون المشهد الحكومي ببغداد ان يسأل او يستفسر من المستر زلماي خليل زاد عن موعد
وصول وزير او جنرال امريكي، وزلماي نفسه هو الحاكم الحقيقي وصاحب القرار الفعلي في
العراق. ألم نشاهده في المؤتمر الصحافي المشترك بين رامسفيلد والجعفري يتقدم الي
الميكرفون باشارة من سيد البنتاغون ويصرح بانه مازال مصراُ علي توصيفه لوزير
الداخلية باقر صولاغي بانه طائفي وصاحب ميليشيات ولا يصلح وزيراً لهذه الوزارة،
والمفارقة ان صولاغي كان يقف خلف الجعفري في المؤتمر الصحافي، ولكنه غاب مثل فص ملح
وذاب، عندما تحرك زلماي نحو المنصة للحديث والكلام.
ألم تلاحظوا كيف استدعي رامسفيلد الجنرال كيسي ليجيب بدلاً عنه علي سؤال صحافي حول
اطلاق سراح عدد من المسؤولين السابقين من الاعتقال، وعندها وقف الجنرال وقال بعالي
الصوت ان التحقيقات مع المسؤولين السابقين اثبتت انهم غير مذنبين وان عملية الافراج
عنهم تمت بالتنسيق مع مكتب السيد رئيس الوزراء والمحكمة الجنائية العراقية، ومن
شاهد وجه ابراهيم الجعفري عبر الشاشة تأكد انه مثل(الاطرش في الزفة) او مثل الزوج
المخدوع.. آخر من يعلم.
هذه حقيقة الحكام الجدد للعراق الجديد، عراق الديمقراطية والتعددية والانتخابات
النزيهة، وعلي ذكر الانتخابات الاخيرة التي فاز فيها الائتلاف الشيعي بأغلبية
الاصوات، حصدها بالبلطجة والقامات واللطم علي هريسة الحسين وليس علي الامام الحسين
بن علي عليه السلام، فهي فصل آخر من فصول ديمقراطية العم بوش التي ستكون نموذجاً
لدول المنطقة، تقتدي بها وتطبقها في قابل الايام.
الامريكان يجربون في العراق ما يشتهون ويرغبون من مشاريع وخطط وبرامج وفق مفهوم
(بيتنا ونلعب بيه.. شلها غرض منا الناس)، والطائفيون والانفصاليون يعملون لديهم
كخدم ومستخدمين ينفذون تعليماتهم وتوجيهاتهم حرفياً والهدف ايها السادة خطير خطير
جداً، هو تفتيت العراق والغاء الدولة العراقية علي دفعات، وهذه الانتخابات التي جرت
والتزوير الهائل فيها، مقدمة لانهاء بلد عربي اصيل وعريق، وقيام دويلات الطوائف
واقاليم المحاصصات والمشيخات، وهنيئاً للايرانيين انهم حصلوا علي مرادهم في حكم نصف
العراق بالديمقراطية الامريكية والانتخابات الطائفية، ومبروك لشارون وبيريز
ونتنياهو فان حلم بن غوريون ومائير ودايان في الطريق لشطب الدولة العراقية المركزية
من الخارطة، والشكر ينصرف تلقائياً للمحتلين الامريكان وعملائهم.