الديمقراطية ،الاختيار الثالث

 حسين الربيعي

 
صحيح ان الناس تبحث عن الافضل ، و لكنها قد تنخدع في كثير من الاحيان فتعود بأرادتها نحو مراحل تعدتها منذ زمان ، و قد يكون ذلك نتاج لشعور برداءة الواقع مع عجز في تجاوز الثنائية ، فالانظمة ، و الاعلام ، و السياسة تضع الناس في اكثر الاحيان للاختيار بين شيئين لا ثالث لهما ، و تلك هي نظرية العبودية التي تسبح بها طبقاتنا الاجتماعية .
لو ان هذه النظرية لا وجود لها ، فلم يكن في مقدور اصحاب الديمقراطية "الملكية" التي جائتنا مسلفنة عن طريق الاحتلال البريطاني ان تعود الينا ديمقراطية "فدرالية" مسلفنة عن طريق الاحتلال الامريكي . و مثلما جرب اهلنا و ابائنا و اجدادنا تلك الديمقراطية السابقة ، الفارغة من كل انواع العدل الديمقراطي الا في الثرثرة السياسية و غير السياسية التي لا تقود الا الى الضجيج الذي يساعد السارق على حرية الحركة دون استشعار لفعلته ، سوف يجرب ... ان لم نقل جرب اهلنا الحاضرين من الاخوة و الابناء ، حيث سيدركون ان لم يكونوا قد ادركوا... ان وسط هذا الضجيج الذي تولد سابقاً و يتولد الان ، و هذه السرقات ، يقع الخراب الذي ينتزع كل مكتسبات الناس الاجتماعية و الاقتصادية و يخلع عنهم كرامتهم و حريتهم ليرهنها لطرف من الناس ، لا يمتلكون من صفاتهم البشرية  ، الا المظهر و في حقيقة امرهم لم يكونوا الا مفاصل من جسد شيطاني حَوَلَ العالم لجحيم حقيقي لا يستسيغ مذاقه الا مصاصي دماء الشعوب التي تريد ان توهم الناس ، ان ما يحدث اليوم ديمقراطية .
لقد مرت خمسون عاماً من نضال شعبنا هباءً و دون فائدة بعودة بعودة الاستعمار لبلادنا كي يستعرض خدعه ، و هي ذاتها خدع المستعمرين للشعوب المستعمرة ، و مما اضاعه الناس المنجز الاقتصادي او الاجتماعي لمفهوم الديمقراطية الذي تحقق خلال هذه الفترة الخمسينية بين السرعة الجنونية و البطء البالغ الذي املتهما ظروف سياسية معينة ، ففي حين برزت مظاهر السرعة و التقدم في الاوقات العادية، فقد تباطئت مظاهر تقدمها و سرعتها خلال ازمنة العنف السياسي و الحروب و العلو في الاستبداد .
وهذه الحقيقة كانت تتطلب تعزيز المنجز في المجال الاقتصادي و الاجتماعي للديمقراطية في بناء قواعد سليمة و حقيقية للديمقراطية السياسية بأعتبارها حلقة اساسية و ليست كل لحلقات الديمقراطية متوازنة و متوافقة مع تحرير الحاجات الاساسية (التي تحررت بشكل جزئي خلال الفترة الخمسينية الماضية بتوفير العمل و التعليم و العلاج المجاني و قوانين الضمان و الاحوال الشخصية و غيرها) حيث كان لا بد من اطلاق حرية المواطن في المشاركة السياسية لتدعم بناء المجتمع.
ان التحول عن هذه الانجازات بدأ قبل الحتلال و "ديمقراطية" في بعض المجالات في محاولة من التظام السابق لاسترخاء القوى الاجنبية المعادية للنهج الاشتراكي، و لكن التحول عن هذه الانجازات قد اصبح استراتيجية حقيقية لتهديم ما تحقق منها لصالح مظاهر سياسية يتحقق الناس من عدم صلاحيتها لانها تهدف الى الرجعة نحو عودة الهياكل القديمة التي كانت تهيمن على البلاد و سيطرة الاقطاع السياسي مجدداً على مفاصل الحياة ، بمشاركة او تحت اشراف الاحتكارات الاجنبية المتحفزة للانقضاض من خلال سيناريو "الاستثمار" الذي انجز قوانينها "بريمر" في ظل سياسة متعمدة من قبل" الوزارات" الهشة بأهمال قطاعات الانتاج و ربما... بل هو شبه اليقين ان هذه الوزارات مساهمة مع شركات الاستثمار العالمية في الانقضاض على المؤسسات الانتاجية لخصخصتها و ما تقود اليه هذه الخصخصة في ضرب مصالح الاكثرية لصالح الاخرين.
و في الجانب السياسي من العملية السياسية الجارية في العراق ، فلقد تم التراجع عن صيغ متقدمة حيث انتقلت بهذا التراجع لموقع الظلم و الاستبداد لطبقات اجتماعية و اقتصادية هي اكثر اتساعاً ، فبينما حددت "ديمقراطيتهم" نسبة 25% لمشاركة المرأة ، وضعت آليات لمنع العمال و الفلاحين بمن فيهم النساء من المشاركة في العملية السياسية ، حيث يجب ان تكون الشروط التي تخص هذه الفئة  بعد تحديد نسبة مشاركتها التي يجب ان لا تقل عن 25% اكثر موافقة للاوضاع التي يتمتع بها ابناء هذه الطبقات الفقيرة ، خصوصاً و انها عانت "خصوصاً في السنوات الخمسة عشر الاخيرة من تأثير الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على البلاد ، بالاضافة لمعاناتها السياسية و الاقتصادية الاخرى"
ان هيمنة طبقة الاكاديمين من اصحاب "الكفاءات" العلمية النظرية على الهيئة التشريعية في البلاد سيئول لعزل هذه الطبقة في بروج عاجية، و يخلق بالتالي برلمانات شبيهة لما كان يدور في بلادنا منذ اكثر من خمسين عاماً . و سوف يؤدي الشعور بالحرمان من فكرة المشاركة للطبقات الفقيرة التي تمنع من التمثيل في العمل السياسي الى بروز ظاهرة او فكرة الثورة ، او الانقلاب ، فبالقدر الذي وضعت العقبات في مشاركتهم السلمية للتغيير ، فأن العودة للغة القوة ، و هي نفس اللغة "ان لم تكن بأعلى اشكالها حيث جائت على شكل غزو مسلح اجنبي" التي جائت بهذه الرموز السياسية التي تتحكم بالعملية السياسية برمتها .
انني لا اتحدث عن فكرة المقاومة المطروحة حالياً بما الصق بها من تشويهات ، لان المقاومة في طريقها لبناء لبناء شخصيتها الوطنية التي سوف تتواصل ضد الاحتلال و الهيمنة التي يخلفها بعده ، و الاستبداد السياسي المشرع في القوانين التي وضعت برعايته و حمايته و هي التي ستحصل بالتوافق على تأييدها عاجلاً بين مختلف العراقيين حين تبدأ عملية الاستقطاب الطبقي بعد ان ينحدر الاستقطاب الطائفي نحو الهاوية لان ذلك ما تفرضه حاجة الانسان و متطلباته في مواجهة ماردين هدامين: الاحتلال و الهيمنة، و الاقطاع السياسي المتنفذ.
نعم ، اني اراهن على سقوط كل النظريات التي حاولت ان تفرق شعبنا بين شيعة و سنة و كرد و تركمان و شبك و اقاليم و فدراليات و كلام اخر كثير و انتصار البعد الاقتصادي الذي يجمع الناس... الضعفاء ضد مستعبديهم رغم انتصار الامبريالية ضد الكثير من الشعوب و الفقراء من شعوبها و ذلك كون العراقيين ليس كغيرهم من ابناء تلك البلاد ، فهم قادة الحضارة و العلم في العالم ، ومن ارضهم انطلقت رسالات الهدى التي ازالت الظلام الذي كان يلف العالم ذلك قدرهم ... الذي اراهن عليه .
و من الحقائق التي يجب ان تقال ، و التي يجب الاستفادة منها في العمل القادم ، هي ان كل الانظمة التي حكمت العراق خلال ال50 عاماً و تياراتها السياسية تصب لصالح الاتجاه الديمقراطي الاقتصادي و الاجتماعي ، و انها جميعاً حققت انجازات لصالح الدولة و المجتمع في الاتجاه نحو بناء مجتمع العدالة الاجتماعية ، و كانت الاسس التي استمر عليها البناء في هذا المجال واحداً مما يعني انها كانت ضمن ارادة و فكرة واحدة ، و المؤسف له ان هذه الاطراف ،فكرياً ، كانت تملك مشتركات متعددة بين التيارات الشيوعية و القومية و البعثية ، و هي ما تدلل على صحة قيام جبهة الاتحاد الوطني قبل ثورة 1958 المجيدة ، و امكانية قيام شبيه لها في المستقبل ، و لكن الاتجاه الاوحد نحو تلبية حاجات الانسان الاقتصادية لوحدها غلب الاتجاه في تلبية الحاجات السياسية بالتوافق مع تلك الانجازات ، و هذا ما ظل دون ملء حقيقي مما هيأ لقيام نزاعات دموية بين تلك الاطراف للوصول او الاستحواذ على السلطة لعدم وجود وسائل علمية دستورية و سلمية غيرها.
و رغم هذه السلبيات فأن المجتمع العراقي لا زال يعتمد في اساليبه و مفاهيمه الاجتماعية و مثله العليا على مدى تقدم تلك المكتسبات بالتحقق، فالامن الغذائي الذي وفرته انظمة ثورة 1958 حتى سقوط بغداد و مزامناً على مختلف الاصعدة ، و وفر مجتمعاً "عن طريق القوانين المتعددة لصالح الاغلبية" خالياً من الجريمة المستفحلة مثلاً ، كما صنع اخلاقاً و اداب اجتماعية عززت دور المجتمع المدني و احترام حقوق المرأة ، كما عزز دور القيم الوطنية ،و كان في كثير من الاحيان حاجزاً ضد الرشوة و السرقة و استغلال المنصب .
الا ان الطموح المستفحل لصدام حسين ، الذي اراد ان يجعل من نفسه آلهاً للعراقيين ، جعل تلك المكتسبات في مهب الريح ، بعد ان سلكت سياسة اهمال الحاجات السياسية لابناء الشعب العراقي ، خصوصاً من الطبقات المتدنية مادياً و اعادت بذور التخلف العشائري و الطائفي ، و تغيير القوانين او الغائها التي كانت قد حققت انجازاتها للعمال و الطبقات الفقيرة ، و اهمال المؤسسات الانتاجية ، و سارت الامور في اتجاه معاكس ، و في سياسة مقصودة من الولايات المتحدة لدفع النظام و رأسه في التجاه الذي يؤدي لاستخدام القوة الغاشمة لاسقاط تحت ظل قرارات دولية ، و حين هيأت لذلك بعد ان ايقنت من احجام العراقيين "عساكر و مدنين" من الدفاع عن السلطة بعد ان تكون لديهم يقيناً بأن لا مصلحة لهم بهذا النظام الذي تراجع عن المكتسبات التي تحققت لمواطنيه ، و رفع الضمانات الخاصة بالفئات الشعبية لصالح فئة من المتنفذين .
فشل صدام حسين في اقناع العراقيين بالدفاع عن السلطة التي لا مصلحة لهم في بقائها ، و فشل المخلصون لاقناعه بالتخلي عن السلطة عن السلطة لصالح المكتسبات الوطنية التي تتربع عليها الدولة العراقية و محاولة صيانتها .
سقطت الدولة العراقية ، بسرعة بالغة و شديدة تحت هيمنة الاستعمار لتعيد الينا ديمقراطيتها الكاذبة و المخادعة ديمقراطية القوى المتنفذة ، و استخدام الناس ،بعد  وضعهم في طوابير الانتخابات ، لتكون ستاراً لديكتاتورية الاقطاع السياسي العائد الينا بعد استراحة خمسينية ، و تظليل للديمقراطية الحقيقية التي تعني سلطة الشعب ، لا سلطة نائبة عنه.
فهل حقاً يمكن ان يقتنع الناس بديمقراطية تعطيهم حق في الوقوف بطوابير الانتخابات التي يسمونها حق الانتخاب ، و تأخذ منهم كل ما حققوه خلال ال50 عاماً الماضية و قبلها؟؟
انه العودة لفكرة الاختيار بين شيئين لا ثالث لهما...!!
فهل حقاً ان الحق الانتخابي ،افضل من رغيف الخبز؟
ان الخيار الشعبي هو دعم مجالات العمل و الصحة المجانية و التعليم المجاني و السكن الملائم و الضمان الاجتماعي و قوانين حماية العمال و الفقراء ، و تشاركية المواطنين في الثروات الوطنية ، و عدم السماح بتجيير مكتسبات الناس لطغمة ،لفئة، لحفنة من الناس .و ان كانت الظروف "الامنية" "الاحتلال و الميليشيات" قد سمحت بتوزيع المناصب و الثروات بين مجموعة ،فلا اعتقد ان هذه المعادلة ستستمر الى ما لانهاية ، و سوف يبحث الناس عن اسلوب و منهج ديمقراطي حقيقي و سليم يمثل ارادتهم و تطلعاتهم بالديمقراطية الشعبية المباشرة .
فالانجازات الاقتصادية و الاجتماعية اذا ما تراجعت او ضعف دورها فأن مردود ذلك سيكون انقلابياً صارخاً لا تنفع معه كل المخدرات .
ان وجود الماردين الهدامين... الاحتلال الاجنبي و الاقطاع السياسي الذي يثري على حساب الفقراء و المظلومين لا يتوانى عن استخدام كل انواع القوة الغامشة وهاك... مدننا التي تعرضت لها.... في النجف الاشرف و مدينة الصدر و الفلوجة و القائم و كل مدن الانبار و ديالى و سامراء ، و تحت ظل ديمقراطيتهم اغتيل الكثير من ابنائنا الشرفاء ، و بأننا من خلال ديمقراطيتهم و احترامهم لحقوق الانسان من خلال فضائح السجون السرية و غير السرية ، و اصبح الفساد العنوان الحقيقي و هو السر الذي يجعل من هذه الاحزاب "الاقطاعية" متكاثفة لكي تحمي نفسها من الشعب.
و الملاحظة الاخيرة ،فأن اقتنعت الناس او بعض الجماعات او الاحزاب بجدوى هذه العملية السياسية و رغبت بالمشاركة لاجل التغيير بالطرق السلمية ، فأن تلك المشاركة لن تفضي لشئ ، لعدم التكافؤ في فرص النجاح ، لان احزاب "الاقطاع السياسي" لا تسمح بأن تفلت الامور من بين يدها ، و تستخدم لذلك كل الوسائل الرشوة ، التزوير،شراء الذمم، الكذب على الناس عن طريق وسائل الاعلام التي يمتلكوها و لا يملكها غيرهم و الاغراءات لانهم حقاً يملكون القوة ... السلطة و المال و السلاح تحت ظل ديمقراطية الجوع و السجون و الفدرالية .
 
الناطق الرسمي للتنظيم الشعبي الناصري في العراق