نعم لمؤتمر وفاق عراقي عربي ضد الاحتلال
هارون محمد

آخر نكتة تتداولها الاوساط السياسية والحزبية والشعبية في العراق الان وثبتها الظرفاء في سجل (النكات الاكثر اضحاكاً) تلك التي اطلقها جواد مالكي الرجل الثاني في حزب الدعوة بعد ابراهيم الجعفري ومضمونها ان حكومة المنطقة الخضراء الثالثة في عهد الاحتلال هي التي يجب ان ترشح اسماء المشاركين في مؤتمر الوفاق الوطني الذي تسعي الي عقده جامعة الدول العربية، لانها اي الحكومة تعرف من معها ومن ضدها، من يؤيد العملية السياسية ومن يعارضها، وهذا يعني ان هذا الملا بلا عمامة، يعتقد ان المؤتمر هو مجرد اجتماع موسع للحكومة يحضره الرؤساء والوزراء والوكلاء والموظفون والمستخدمون يعقد تحت يافطة مؤتمر وفاق او حوار وطني.. وابوك الله يرحمه.
عندما قلنا ونقول بان الذين يتصدرون مواقع الرئاسات والوزارات والدوائر والجمعيات ومن ضمنها الجمعية الوطنية بالطبع، اناس يفتقرون الي مواصفات رجالات الدولة فاننا لم نكن نظلم احداً، او نطلق الكلام جزافاً وعابراً، وانما نتيجة معرفة كاملة بسيرة هؤلاء وتاريخهم وطبائعهم الشخصية وعلاقاتهم المصلحية وارتباطاتهم الاجنبية، وإلا كيف نفسر دعوة كهذه تصدرعن واحد يصفه اتباعه بانه قطب من اقطاب الائتلاف الشيعي ويرأس اخطر لجنة في الجمعية الوطنية العتيدة، هي لجنة الامن والدفاع؟
وقد بات واضحاً ان العجم واحزابهم وميلشياتهم واشياعهم لا يريدون دوراً عربياً ينتشل العراق من محنته، ولا يرغبون بجهد عربي ينقذ العراقيين من المأساة التي يعيشون تحت وطأتها الجهنمية منذ ثلاثين شهراً، ولا يطيقون سماع كلمة عرب او عروبة، لانها تقض مضاجعهم وتخرس ألسنتهم وتدحض ادعاءاتهم بان العراق بلد متعدد الاعراق والاديان والقوميات وليس عربياً، وجزء من الامة العربية، كما ورد في مسودة دستورهم المشوه، الذي جاء نتيجة تواطؤ مفضوح بين الانفصاليين والانعزاليين والطائفيين، وزورت نتائج الاستفتاء عليه علناً وعلي رؤوس الاشهاد في بغداد العاصمة وعدد من المحافظات في الموصل وكركوك وديالي والبصرة والديوانية والنجف والسماوة واربيل ودهوك، وابرز دليل علي ذلك التزييف ما كشفه امين عام الاتحاد الاسلامي الكردي صلاح الدين بهاء الدين عن عمليات التزوير في المنطقة الشمالية وما اعلنته مفوضية الانتخابات عن وجود 82 ألف اسم وهمي في كركوك.
وعندما يفزع مالكي من فكرة عقد مؤتمر مصالحة وطنية ويشترط عبد العزيز الحكيم حرمان المقاومة العراقية ومعارضي الاحتلال من المشاركة فيه، فانهما علي حق في هاتين الدعوتين، لانهما يعلمان مسبقاً بانهما سيضيعان في المؤتمر وسيعزلان حتماً من قبل ممثلي القوي والاطراف الاخري الذين سيحضرون المؤتمر وهم متسلحون بعراقيتهم الاصيلة وثباتهم علي مبادئهم الوطنية واعتزازهم بعروبتهم وتمسكهم بمقاومة المحتل ومعارضة كل قراراته وقوانينه واجراءاته، وعندها ماذا بمقدور مالكي ان يقول ويتحدث وكيف ستكون حال بقية الشلة الايرانية والهندية والافغانية والاذرية.
وقد بات واضحاً للقاصي والداني، ان مؤتمراً للوفاق الوطني لا تحضره قوي اساسية وفاعلة في الساحة العراقية كهيئة علماء المسلمين والتيار القومي والمدرسة الخالصية وحزب البعث وقيادات الجيش العراقي السابق وممثلي المقاومة الوطنية ضد الاحتلال، لا يمكن وصفه الا بمؤتمر للفسحة وتبويس اللحي وترديد مفردات الغيبة والنميمة التي يتقنها الملالي كل علي طريقته الخاصة. ولأن القيادات الانعزالية والطائفية غير مؤهلة سياسياً للمشاركة في فعاليات وطنية سواء كانت للوفاق او الحوار او المصالحة، باعتبارها منصرفة الي شؤون اخري غير العمل الوطني والسياسي، ومشغولة بالصفقات وابرام العقود والمقاولات واخر التطورات علي هذا الصعيد، الحاح مسؤول كبير في الحكومة الانتقالية خلال زيارته الاخيرة للعاصمة البريطانية للاجتماع مع رجل اعمال عراقي بارز كان يصنف ظلماً علي النظام السابق ولم يسلم من هجمات الملالي واصحاب الدكاكين المعارضة سابقاً، وتبين ان الغرض من الاجتماع الذي عقد في مطعم عربي راق في حي (نايستبرج) كان دعوة رجل الاعمال للاستثمار في العراق وفق نظام المشاركة المعمول به حالياً من قبل حكومة الاحتلال الثالثة القائم علي نظرية (من عدنا العقود.. ومنكم النقود)، ويقال ان الحكومة الجعفرية استخرجت فتوي من احد وعاظ السلاطين يحلل هذه النظرية ويعتبرها حلالاً زلالاً، عكس صفقات الحكومة المؤقتة السابقة التي كان وزراؤها يلهفون ويختلسون ويودعون الملايين في ارصدتهم في عمان ودبي ووارسو، دون ان يتركـــــوا زكاة او خمساً او مظروفاً نقدياً لاصحاب البركات، وما خفي كــان اعظم.
وصحيح انه من الصعب ان يجتمع في مكان واحد اناس جاء بهم الاحتلال وتعاونوا معه سياسياً واستخبارياً مع اخرين لهم مواقف مضادة لهذا السلوك، قاوموا الاحتلال وناهضوا وكلاءه وعارضوا اجراءاته، ولكن من الصحيح ايضاً ان يحشر العملاء في خانة خانقة ويتم فضحهم امام الرأي العام العالمي والجمهور الامريكي وبعض الدول الاوربية واليابان، المترددة في حسم مواقفها ازاء المشكلة العراقية، مع ان المعلومات التي بحوزة الجامعة العربية تفيد بان حزب الدعوة والمجلس الاعلي لن يشتركا في اي اجتماع مهما كانت طبيعته وحجمه اذا لم تسند الي أحدهما رئاسة الاجتماع وتزكية المشاركين فيه، واعداد جدول اعماله بشكل لا يشير الي الاحتلال او التطرق الي مسألة انسحاب قواته في العراق، والمعلومات المتسربة من بغداد والنجف تؤكد ان لجنة من الحزبين الطائفيين تشكلت عقب اختتام زيارة الامين العام للجامعة العربية الاخيرة لبغداد، كلفت بوضع تقرير يتضمن رؤية الحزبين وتوصيفهما للمؤتمر وطريقة اعداده وجدولاً مبدئياً لاعماله مع اشتراط عقده ببغداد سيسلم الي الامين العام المساعد للجامعة السيد بن حلي.
ومرة اخري نعيد ما قلناه سابقاً بان ترحيبنا بزيارة الاستاذ عمرو موسي الي العراق، لم يأت علي اساس التحضير لمؤتمر مصالحة يسعي الرجل بتفويض من الدول العربية لعقده، وانما لتأكيد مسألة في غاية الاهمية وهي ان العراق عربي وسيبقي عربياً وهذا ما جسدته بالفعل زيارة الامين العام للجامعة التي وجهت لطمة الي افواه واصوات اولئك المتربصين بعروبة العراق والمتآمرين علي عزل العراق من محيطه واسرته العربية، وهذا وحده انجاز حقيقي وسط الهجمة الشعوبية الحاقدة التي يتعرض لها هذا البلد العربي الاصيل والعريق منذ الاحتلال وحتي يومنا الحاضر.
تبقي قضية لابد من طرحها علي الجامعة العربية، ووفدها الزائر لبغداد حالياً وتتمثل في ان حكومة الجعفري اعدت لائحة باسماء الهيئة التحضيرية للمؤتمر حرصت علي ان تضم اعضاء من الوزارة الحالية يمثلون احزاباً شيعية وكردية بالتنسيق مع الحزبين الكرديين وهذا شأنها، ولكن ان تعطي لنفسها حق ترشيح واختيار ممثلين عن السنة العرب لعضوية اللجنة التحضيرية فهذا ليس من حقها وغير معنية به لا من قريب او بعيد، والذين رشحتهم الحكومة من الحزب الاسلامي والوقف السني ودكانة الحزب الجمهوري وبعض المغمورين والباحثين عن جاه عند المحتلين، لا يمثلون السنة العرب وليست لهم صلة او علاقة بهم، وهم بتعاونهم مع الاحتلال ومشاركتهم في تشكيلاته وهيئاته اكدوا حقيقة خروجهم علي الاجماع السني المتماسك وطنياً وقومياً، وهو خروج اصبحت دوافعه معروفة وثمنه معروف ايضاً، فاللواء طارق الهاشمي الامين العام للحزب الاسلامي واحد من جنرالات برايمر الذي عينه رئيساً لاركان الجيش والجيش ملغي ومسرح قبل تعيين ذلك البيشميركه بدلا منه، واحمد عبدالغفور السامرائي مواقفه المتذبذبة لا تحتاج الي ايضاح، وسعد عاصم الجنابي لا ينكر اتصالاته اليومية بالجنرالات الامريكان وطاقم السفارة الامريكية ولا ينفي الولائم والحفلات التي يقيمها للمستر زلماي خليل زاد وبطانته.
السنة العرب في العراق يمثلهم المقاومون للاحتلال والمناهضون له والمعارضون لاتباعه ومواليه، والمطالبون بانسحاب قواته واصحاب التضحيات الذين قدموا مواكب الشهداء، ويمثلهم الصامدون الصابرون الذين هدمت بيوتهم علي رؤسهم.
والسنة العرب تمثلهم القوي الوطنية والقومية والنخب الفكرية والثقافية والمؤسسة العسكرية والقبائل والعشائر والبيوتات والاسر العربية والنشامي من اهل الثبات، وليس اولئك المتسلقين علي الاكتاف والمجندين في خدمة الاحتلال وعددهم والحمد لله لا يتجاوز اصابع اليدين، والعراق العربي لن يغفر لمن تآمر عليه، والاجيال العراقية لن ترحم من اساء اليها وألحق الاضرار بوطنها واهلها ومستقبلها، والتاريخ هو الذي يحكم ويفصل في نهاية المطاف.