صولاغ في الكويت ينتقد العراقيين
هارون محمد


من يطلع علي تصريحات باقر صولاغ وزير داخلية حكومة الاحتلال الثالثة برئاسة ابراهيم أشقري الجعفري خلال زيارته الاخيرة للكويت، لابد ويكتشف بلا عناء ان الرجل لا يمت الي العراق بصلة فعلا، وانه غريب عنه وطارئ عليه، والدليل علي ذلك ان في تصريحاته استخفافا بالحقوق الوطنية والتاريخية والجغرافية والنفطية والبحرية العراقية، ونقدا للعراقيين في ميناء أم قصر الذين تظاهروا في أيلول (سبتمبر) الماضي ضد سياسات التمدد الكويتي في الأراضي العراقية واجراءات القضم العدوانية المستمرة لاجزاء من العراق، واتهامهم بانهم صداميون ومن أتباع النظام السابق، ويفاخر بان أجهزة حكومته ألقت القبض علي الكثيرين منهم وحققت معهم، مؤكدا بانهم سيقدمون الي المحاكم قريبا لينالوا عقابهم العادل.
هل سمعتم او قرأتم عبر التأريخ القديم والمعاصر ان مسؤولا في دولة ما، يسخر من حقوق بلاده، ويتهكم علي شعبه، ويشتم شريحة منه، لان أبناء هذه الشريحة الوطنية تصدوا لاعتداءات سلطات مجاورة غاشمة، واحتجوا علي محاولاتها لالتهام مدينة أصيلة وعريقة بالكامل، بعد ان التهمت نصفها فــــــي وقت سابق، مستغلة ظروف الوطن وقتئذ وهو يعاني من حصار خارجي مجرم وأزمات داخلية صعبة؟ أبدا.. أبدا، باستثناء الغرباء.
ومما يزيد الهم والغم ان صولاغ يصف العراقيين الذين تظاهروا في أم قصر غيرة علي حقوقهم الوطنية بانهم معتدون، ويعلن بان الكويتيين مظلومون، ويقول بعد وليمتين باذختين وسهرة دسمة في ديوانية شيخ كويتي، ان العراق ليس بحاجة الي أم قصر، لانه يملك سواحل وموانئ كثيرة من الفاو الي أم قصر، وهو الذي يفترض به كوزير ومسؤول ان يعرف سلفا، انه يكذب علي نفسه في سرد معلومات مغلوطة، قبل ان يكذب علي مضيفيه لان أم قصر هو الميناء العراقي الوحيد الصالح لاستقبال السفن التجارية، وأرصفته هي الوحيدة المؤهلة لتفريغ البضائع والسلع، وقد صرفت الدولة العراقية ما مجموعه 18 مليار دولار منذ عام 1960 لغاية عام 1990 لتطوير ميناء أم قصر، وهذا مسجل في ملفات وزارات النقل والمالية والمواصلات والتخطيط يمكن الرجوع اليها للتأكد من صحة الرقم، وسبب الاهتمام بأم قصر وصرف المليارات علي مينائها، لان السواحل والشواطئ العراقية في شمال الخليج ذات مياه ضحلة بعمق عشرين الي ثلاثين كيلومترا في مياه الخليج، ولا يمكن بناء موانئ وارصفة معلقة بين السماء والماء، وقد حاول النظام السابق في عام 1977 ردم مساحة بطول 30 كيلومترا في البر وعمق 25 كيلومترا في مياه الخليج واستدعي شركات امريكية ويابانية ويوغسلافية والمانية وروسية وصينية وهندية وكورية واسترالية وكندية وهولندية، ومنحها تسهيلات وامتيازات كبيرة للعمل، ولكنها اعتذرت عن التعاقد مع الحكومة السابقة لاسباب فنية لم تقدر علي تجاوزها في حينه.
وهذه ليست المرة الاولي التي تقف حكومة الائتلاف الشيعي بالضد من العراقيين وحقوقهم المستلبة، وتعلن انها مع الكويتيين المحتلين لنصف ميناء ام قصر والمغتصبين لابار وحقول الرميلة العراقية، فقد سبق صولاغ المستشار ابراهيم الجعفري عندما أوفده رئيسه الي الكويت عقب التظاهرات لتقصي الحقائق كما ذكر في حينها، واذا به يعلن من الكويت ان العراقيين هم المعتدون وان الكويتيين هم المظلومون.
والغريب في زيارة صولاغ الي الكويت انها رتبت بلا مناسبة فلم تكن مدرجة ضمن اتفاقيات مسبقة، ويبدو أنها جاءت لتطمين الاسرة الحاكمة في الكويت التي تواجه خلافات عاصفة في داخلها من جهة، ومعارضة لمشاريع حكومية نفطية في حقول الرميلة العراقية من جهة ثانية، وواضح من تصريحات صولاغ التي قال فيها ان حكومته تعترف بخط الحدود الحالي بين العراق والكويت، انها رسالة دعم وتأييد الي آل الصباح في مواجهة منتقديهم من العقلاء الكويتيين الذين يطالبون بارجاء استغلال نفط الرميلة لحين توافر ظروف طيبة تسمح باستثمار متوازن بعيداً عن ابتزاز الشركات الامريكية ودون الدخول في صراعات جديدة مع الجار الشمالي للعراق مستقبلاً.
وليس من باب الدخول في جدال سياسي مع صولاغ وتصريحاته، ولكن لتوضيح الصورة امام الكويتيين الذين حاول وزير داخلية الحكومة الجعفرية خداعهم وتطمينهم نقول: استناداً الي ميثاق الامم المتحدة والقوانين الدولية فان خط الحدود الحالي بين العراق والكويت ليس قانونياً او شرعياً، لان ما سمي باللجنة الدولية التي رسمته وحددت مساره تفتقر الي الصدقية والنزاهة اضافة الي ان الامم المتحدة او مجلس الامن ليس من اختصاصهما البت في مشاكل الحدود المختلف عليها بين البلدان المتجاورة وانما اختصاص الهيئتين الدولتين هو فصل القوات المتحاربة علي الحدود الثنائية او المشتركة، بارسال قوات دولية محايدة لوقف النزاعات علي الحدود وعدم تمكين هذه الدولة الاستيلاء علي اراض لدولة اخري، اما جهة الاختصاص في حل المنازعات الحدودية بين الدول فهي محكمة العدل الدولية في لاهاي الهولندية التي نجحت عبر سنوات من عملها ايجاد حلول ومعالجات مقبولة للدول والبلدان المتنازعة علي الحدود في ما بينها، آخرها مشكلة الجزر والحدود البحرية بين قطر والبحرين.
كما ان عدم مشاركة الجانب العراقي في اجتماعات وتخطيطات اللجنة الدولية المزعومة، يفقد تلك اللجنة صحة اجراءاتها، فليس من المعقول ان ترسم حدود دولة مع اخري دون مشاركة مسؤولين عن الدولتين المعنيتين، علماً بان القوانين الدولية تؤكد بان حل مشكلات الحدود بين الدول هي من مسؤولية الدول ذاتها عبر تشكيل لجان ثنائية او ثلاثية او رباعية حسب طبيعة وعدد الدول المختلفة علي حدودها المشتركة، وعندما تعجز هذه اللجان من حل المشاكل وتفشل في التوصل الي نتائح مقبولة للاطراف كافة، تبدأ في اجراءات احالة الملفات الي محكمة العدل الدولية باجماع من الدولتين المتنازعتين او الدول المختلفة علي حدودها المشتركة، وتحسم المحكمة الخلافات بقرارات ملزمة بعد ان تستمع بالطبع الي طروحات الدول والمحامين لكلا الاطراف وتطلع علي وثائقها ودفوعاتها.
ولأن صولاغ لا يفهم في تاريخ العراق وليست له معرفة بحدوده وامتداداته، فانه اطلق تصريحاته المعادية للعراق انسجاماً مع موقفه العدائي اصلاً للعراق وتوافقاً مع توجهات حكومته التي كثيراً ما تتجاوز سقف صلاحياتها باعتبارها حكومة انتقالية لا يحق لرئيسها ووزرائها بحث واقرار سياسات تتعلق بالسيادة الوطنية، وانما هي حكومة تصريف اعمال مؤقتة تنتهي مدتها منتصف الشهر الحالي عند اجراء الانتخابات النيابية، كما ينص قانونهم الذي شرعه لهم سيدهم السابق المستر بريمر.
وتتوهم أسرة آل صباح والحكومة الكويتية اذا اعتقدتا بان تصريحات صولاغ المؤيدة لهما والمناهضة للشعب العراقي يمكن الركون اليها واعتبارها في اطارموافقة رسمية علي الحدود، او اقرار شرعي بسلب نصف مدينة وميناء ام قصر، او اعتراف عراقي باحقية الكويت في الاستحواذ علي نفط الرميلة، فهذا الوزير غير مؤهل رسميا وقانونيا لبحث مثل هذه القضايا الخطيرة، اضافة الي انه يواجه اجراءات قضائية ومحاكمات متوقعة لضلوعه في عمليات الخطف والقتل التي طالت الآلاف من العراقيين وقيامه بانشاء سجون ومعتقلات سرية زج فيها المئات من الابرياء، منها سجن الجادرية السري الذي افتضح أمره مؤخراً، وهناك سبعة معتقلات في بغداد وحدها يعرفها العراقيون واحداً واحداً، ويعرفون اماكنها والمسؤولين عنها، سيأتي موعد كشفها قريباً، ومساءلة صولاغ لا تسقط بالتقادم الزمني او بسبب اشغاله وظيفة نيابية او وزارية في المستقبل، فالقانون قانون يسري علي الجميع ولا يستثني احداً ما دامت الادلة موجودة والمستندات والوثائق التي تدينه متوفرة، وبالتالي فان ادراج اسمه ضمن مرشحي قائمة الائتلاف الشيعي لا يعفيه من التهم المسندة اليه حتي لو اصبح نائباً او عاد وزيراً مرة اخري، والاحتمال الاخير بعيد جداً، فالائتلاف الشيعي سقط وانتهي مفعوله، ولا تنفع عشرات الفتاوي والتعليمات من السيستاني او غيره من مراجع الشيعة لانعاشه، او اعادته الي سابق عهده، وبات مؤكداً ان اداء صولاغ في وزارة الداخلية والخروقات التي قام بها والانتهاكات التي انتهجها، كانت من الاسباب الاساسية لانحدار الائتلاف نحو الهاوية، وعلي الحكومة الكويتية واسرة ال صباح ان يعيا بان حكومات الاحتلال في العراق سواء كانت مؤقتة او انتقالية او متحركة او ثابتة، لاتملك الشرعية في البت بقضايا تمس الاستقلال الوطني والسيادة العراقية، وغير مؤهلة لمناقشة مثل هذه الموضوعات وابرام الاتفاقيات بشأنها، لان هذه القضايا ومقوماتها ومستلزماتها وآليات التعاقد والاتفاق عليها من صلاحية الشعب العراقي وحده، عندما يتحرر من الاحتلال ويتخلص من الغزاة، ويشكل حكومة وطنية تتولي علي عاتقها حماية حقوقه والدفاع عنها واسترداد ما سلب منها، والا فعلي الكويتيين ان ينتظروا أكثر من 2 آب (اغسطس)، مستقبلا، وما ضاع حق وراءه مطالب، واللبيب من الاشارة يفهم، ويستجيب الي التنبيه الشفوي، قبل ان يحل التنفيذ التحريري.