مؤتمر الوفاق بالقاهرة والحقائق المغلوطة
هارون محمد


من حق الاطراف والقوي والشخصيات الوطنية والقومية والدينية المقاومة والمناهضة للاحتلال في العراق، ان تبدي رأيها كما تراه في الاجتماع التحضيري لمؤتمر التوافق الوطني الذي اختتم بالقاهرة في الاسبوع الماضي، وان تعلن رفضها لبيانه الختامي وما تضمنه من بنود وفقرات تجد انها ليست بالمستوي المطلوب، ولكن ليس من حقها ان تغمز في انتقاداتها الي شخصيات وطنية مناضلة ومجاهدة شاركت في الاجتماع دون ان تتنازل عن مبدئيتها او تغير مواقفها، وخصوصاً الشيخين الجليلين حارث الضاري وجواد الخالصي اللذين اثبتا أنهما شوكتان في خاصرة الاحتلال وسدان مانعان تصطدم بهما مؤامرات الانفصاليين والطائفيين ومخططاتهم الخبيثة.
ونعم.. فان اجتماع القاهرة وما أسفر عنه ليس انجازاً وطنياً كاملاً، ولكنه محطة في طريق طويل يستدعي مزيداً من الصلابة في مواجهة المحتلين وأزلامهم ووكلائهم ووقفة كانت ضرورية لكشف انتهازية الاطراف الحكومية وتذبذب مواقفها، ولعل ابرز ما في الاجتماع انه اوضح للعرب وللعالم علي الاقل، ان العراق لا يمثله ذلك النفر الموزع علي الرئاسات والوزارات، وانما هناك قوي وهيئات وشخصيات مقاومة للاحتلال ومعارضة لتشكيلاته هي الرقم الصعب في اي معادلة او عملية سياسية في العراق راهناً ومستقبلاً، بمعني ان اولئك الذين صدعوا رؤوسنا بادعاء انهم جاؤوا بالانتخابات والشرعية الي آخره، اثبتوا انهم غير جديرين بشغل المواقع التي احتلوها، وضحكوا علي المصوتين لهم، وضللوا من انتخبهم، واثبتوا اكثر من ذلك انهم ليسوا رجال دولة ولا يصلحون لموقع سياسي او وظيفة سيادية، ونورد هنا حكايتين جرتا في القاهرة تؤكد ان أهل السلطة يفتقرون الي ابسط مواصفات المسؤولية الوطنية والسياسية، أولاهما عندما يقسم الجعفري بالله والاسلام والعقيدة انه لم يعلم بحادثة مقتل ثلاثة عشر مواطناً عراقياً بالاختناق في سيارة شرطة (بوكس) حشروا فيها من امام مستشفي منطقة الشعلة في تموز (يوليو) الماضي، رغم ان خبر الجريمة الصولاغية انتشرفي بغداد وجميع انحاء العراق واذاعته محطات تلفزة وفضائيات وصدرت بيانات ادانة واستنكار من هيئات ومنظمات عدة.
والحادثة الثانية حصلت عندما اصر الشيخ حارث الضاري ان يتضمن البيان الختامي فقرة اساسية تتضمن جدولة الانحساب الامريكي من العراق فقد فزع وفدا حزب الدعوة والمجلس الاعلي من فكرة الانسحاب، وراح نوري كاملي سابقاً وجواد مالكي حالياً وهو الرجل الثاني في حزب الدعوة بعد الجعفري يتساءل بقلق عن الجدولة وهل انها خلال شهرين او ثلاثة يعني، ثم يلتفت الي زملائه في المجلس الاعلي والاحزاب الكردية ويقول لهم ماذا سنقول للامريكان اذا وافقنا علي جدولة انسحابهم وحكومتنا طلبت من الامم المتحدة قبل اسبوعين تمديد وجود قواتهم واستمرارعملها في العراق، لاحظوا الاداء المرتبك لوفد الحكومة الذي حوصر اعضاؤه من قبل وفد المعارضة بقيادة الشيخين الضاري والخالصي، اللذين اكدا باعتراف الجميع، الخصوم قبل الاصدقاء، انهما قائدان سياسيان من طراز الزعماء الذين يلفتون الانظار ويستقطبون الاهتمام بادائهم الراقي وثباتهم الوطني والتعامل مع الاخرين بحزم ورصانة بلا استعلاء مفتعل.
وقد وضحت من خلال اجتماع القاهرة عدة حقائق لايقدر احد علي اغفالها او القفز عليها، أولي هذه الحقائق ان العراق عربي وجزء لا يتجزأ من الامة العربية، علي عكس ما كان تردده القيادات الانعزالية والانفصالية والطائفية وتتمني عزله عن اسرته العربية، فالاجتماع عقد في بيت العرب وفي عاصمة عربية وبمبادرة من الدول العربية، وهذه وحدها تكفي لتعزيز عروبة العراق، والمسألة الثانية ان الرأي العام في كل مكان اكتشف بالملموس ان الاطراف الحكومية المتعاونة مع الاحتلال لا تمثل غير نفسها واحزابها، اما الشعب العراقي وخصوصاً عرب العراق فان ممثليه الحقيقيين هم من يدافع عن حقه في مقاومة الاحتلال ويفرق بينها وبين الارهاب الذي تتبناه الحكومة الانتقالية عبر وزارتها وقواتها واجهزتها، والمسألة الثالثة التي جسدها اجتماع القاهرة هي تكريس زعامة الشيخ حارث كأبرز وجه وطني وقومي واسلامي في العراق وقد شكل مع زميله الشيخ جواد الخالصي ثنائياً عراقياً لا يمكن تجاوزه باي حال من الاحوال، سواء من قوات الاحتلال او ممن يسمون بالرؤساء والوزراء ومن لف لفهم، هذه الحقيقة باتت معروفة وراسخة والدليل علي ذلك ان صولاغي اضطر مرغماً علي الغاء عملية عسكرية وامنية جديدة كان قد اعلن عنها في الاسبوع الماضي وحشد لها عشرة الاف شرطي وميليشياوي كانوا علي أهبة الاستعداد للهجوم علي ضواحي بغداد ومحافظة ديالي بعد ان انذر الشيخ حارث الجامعة العربية بانه سيكون في حل من التزامه ببيان الاجتماع التحضيري اذا نفذت العملية. وعلي هذا الاساس فان حضور الشيخ الضاري ورفاقه اجتماع القاهرة دليل علي ان قوي المعارضة هي الاقوي والاصلب وهي باقية ومستمرة، بينما الاطراف الحكومية هشة وقلقة ومستقبلها محفوف بالزوال، واغلب اعضائها راح يلملم حاجياته ليغادر مواقعه بلا رجعة.
وامام قوي المعارضة العراقية ومعها المقاومة الوطنية مهمة اخري خلال المرحلة المقبلة، تتمثل في ملاحقة المسؤولين الحاليين والسابقين منذ الاحتلال ولغاية الان، وتقديمهم الي المحاكم لينالوا عقابهم العادل جراء ما اقترفوه من جرائم القتل والاغتيال والاعتقال والاختلاس والفساد. فخلال الاشهر السبعة المنصرمة ومنذ مباشرة حكومة الاحتلال الثالثة برئاسة ابراهيم اشقري الجعفري لاعمالها شهد العراق وخصوصاً محافظاته العربية اسوأ موجة من الانتهاكات والجرائم ضد الانسانية من اعتقالات منظمة واغتيالات مبرمجة طالت الالاف من المواطنين الابرياء في الوقت الذي انتشرت السجون غير الشرعية بشكل فاق التصور، بحيث تحولت حسينيات ومساجد ومقرات حزبية يشرف عليها مسؤولون كبار من المجلس الاعلي وحزب الدعوة بشقيه ومنظمات طائفية مثل بدر وشهيد المحراب وثار الله وبقيت (هكذا تكتب) الله، وجند الحسين وقائمة الاسماء تطول، الي أماكن تحقيق ومراكز تعذيب وقتل تحت نظر وموافقة السلطات الحكومية. ومما فاقم في اتساع نطاق الجرائم والانتهاكات المخطط لها مسبقاً ان وزارتي الداخلية والدفاع اللتين يقودهما باقر صولاغي وسعدان الدليمي قد تحولتا الي منظمتين للميليشيات المسلحة، وتعملان خارج القانون الذي يحكم العراق ويطلق عليه (قانون ادارة الدولة الانتقالي) الذي اصدره الحاكم الامريكي السابق بول بريمر ووافق عليه الجعفري والحكيم والطالباني وبازراني وبقية شلة مجلس الحكم الملغي.
ولم يعد سراً ان اولويات اجهزة وزارتي صولاغي والدليمي كانت في استهداف السنة العرب الذين يرزحون تحت احتلال مزدوج، امريكي كردي عنصري كما هو الحال في محافظات كركوك وديالي والموصل، وامريكي شيعي طائفي في بغداد العاصمة وضواحيها وبقية المحافظات العربية، وبات واضحاً ان السني العربي في عهد حكومة الجعفري اصبح مطارداً ومشتبهاً به حتي لو كان يعيش في خيمة وحيدة معزولة في الصحراء، يطارد ويضرب ويقتل لمجرد انه سني فهذه جريمة لا ينفع صاحبها انه رجل آمن وبسيط او امرأة بريئة، ويتحدث اهالي مدينة الخالدية عن سيدة احتجزت في نقطة تفتيش وتعرضت للاهانة والسب والتجريح بطريقة فجة لان اسمها (زوبعة) واعتقد ضباط وجنود النقطة وكلهم من اتباع صولاغي انها زوبعية اي من قبيلة (زوبع) العراقية والعربية المشهورة بامجادها الوطنية ومفاخرها القومية، ولما وجدت السيدة ان الشتم الذي تعرضت له جاء نتيجة اشتباه اخرق بعشيرتها ومذهبها، وقفت تلملم حاجياتها المتواضعة التي بعثرها الاوغاد وصاحب بهم (أنتم يا ملة الكفر.. اسمعوا انا تميمية - من تميم - وشيعية أباً عن جد، لكن من هذا اليوم انا زوبعية تميمية، وسنية رديت لاصلي) في اشارة الي ان قبيلة تميم كانت سنية قبل تشيعها قبل قرن ونصف، ومن تميم خرج الشيخ محمد بن عبدالوهاب مؤسس المدرسة الوهابية كما هو معروف.
ان تصريحات رئيس الحكومة المؤقتة السابقة اياد علاوي بان انتهاكات حقوق الانسان في عهد حكومة الجعفري فاقت انتهاكات نظام صدام السابق، رغم انها اعترافات متأخرة ومن شخص مسؤول داخل السلطة الجديدة، وما يزال يرأس كتلة نيابية في الجمعية الوطنية، تعطي صورة عن حجم الجرائم التي اقترفتها وزارة الجعفري وقوات حكومته، ولابد من هيئة قانونية مستقلة تتولي متابعة قضايا المعتقلين والمقتولين وفضح الجهات التي انتهكت الحرمات والكرامات ومحاكمة كل من اصدر وحرض ونفذ قرارات الخطف والقتل والتوقيف مهما كانت مكانته السياسية ووظيفته الحكومية، فلا يعقل علي سبيل المثال ان يقتل في مدينة البصرة وحدها (1300) عراقي خلال شهور سبعة، حسب احصاءات شرطة المدينة، دون ملاحقة المجرمين المعروفين بالاسم والعنوان والوظيفة، ولا يعقل ان يتم اعتقال الاف الاشخاص في احياء معينة ببغداد ولا يعرف مصيرهم لحد الان في الوقت الذي تؤكد المعلومات الميدانية ان وزارة الداخلية ما زالت تدير سبعة معتقلات سرية في العاصمة وحدها، ولم يتم الكشف الا عن واحد منها في حي الجادرية، بينما مازالت السجون الاخري قائمة وتستقبل المئات يومياً وتتوزع في احياء الدورة في بناية الفرقة الحزبية السابقة والكندي في مستودع حكومي مهجور، والحبيبية في مخازن قوات الحدود، والاسكان في ملجأ سابق وسط الحي، والعطيفية في بناية كانت مستخدمة لحفظ الوثائق الرسمية تطل علي نهر دجلة، والعامرية في بناية كانت للاتصالات مجاورة لملجأ العامرية الشهير، والاعظمية في ملحق بالقصر الرئاسي السابق الذي تتخذه القوات الامريكية واحداً من مقراتها، اضافة الي السجون في مراكز الشرطة والامن وعددها في بغداد مئة وثمانين مركزاً ومخفراً.
ان اطراف المعارضة العراقية والمقاومة الوطنية ملزمة بعد الاعتراف بها في اجتماع القاهرة ان تبادر الي اعداد جداول باسماء الشهداء والمعتقلين وحصر الاضرار التي لحقت ببيوت وممتلكات المواطنين وتسجيل شهادات الذين ابتزتهم اجهزة حكومة الجعفري وتلقفت منهم ملايين الدولارات بالاكراه والتهديد، والاستعداد لعقد محاكمة قانونية لكل من ساهم في ايذاء العراقيين، ليلقي جزاءه وهذه مسؤولية كل عراقي وعراقية حتي لا تظهر بعد ذلك نماذج صولاغية وعامرية وطباطبائية وأشقرية، وأصحاب وجوه كالحة ونكرات ولصوص، ووافدون علي العراق ومستوطنون فيه.