ليس دفاعاً عن المطلك ولكن لانصافه

هارون محمد


في عام 1954 جرت في العراق انتخابات نيابية تصدرتها كالعادة قوائم تضم رجال العهد الملكي من نوري السعيد وصالح جبر الي فاضل الجمالي وتوفيق السويدي وعبدالوهاب مرجان وخليل كنه، وكانت المفاجأة التي اذهلت البلاط وطاقمه الرجعي ان يفوز عشرة من الوطنيين والقوميين ويخترقوا اللوائح الحكومية في بغداد والموصل والبصرة والسليمانية من أمثال كامل الجادرجي وعبدالجبار الجومرد وفائق السامرائي وصديق شنشل ومحمد حديد وجعفرالبدر وذنون ايوب وعبدالرزاق الشيخلي ومسعود محمد والرحماني.
ورفض المرحوم نوري السعيد تشكيل الحكومة باعتبار ان حزبه حصل علي اغلبية المقاعد ما دام هؤلاء العشرة (المشاكسين) كما كان يسميهم اعضاء في البرلمان الذي كان يضم حينذاك مئة وعشرة نواب، وكانت حجته غفر الله ذنوبه، انه لا يستطيع ان يشتغل و(ربع) كامل بيك ويقصد الجاردجي وجماعة مهدي كبة ويعني حزب الاستقلال في البرلمان، ورفض جميع المحاولات التي سعي اصدقاؤه وحلفاؤه لاقناعه بتشكيل الحكومة، وذهبوا الي السفير البريطاني ببغداد وكان يومها يتحكم بالعراق كما فعل بريمر ونكروبونتي قبل عامين، ويفعل زلماي خليل زاد حالياً، وناشدوه ان يتدخل ويقنع (الباشا) الذي كان يحب الانكليز خلقاً واخلاقاً علي حد قوله.
وذهب السفير الي نوري السعيد وقال له لماذا تخاف من العشرة المعارضين وانت معك مئة نائب اي عشرة اضعافهم؟!
وضحك نوري باشا وقال يا سعادة السفير، صحيح ان معي مئة نائب وضدي عشرة نواب، ولكن ثق ان هؤلاء العشرة يعادل كل واحد منهم مئة من انصاري، وسيحيلون البرلمان الي ساحة يلعبون بها كرم قدم وسلة وطائرة، وجماعتي سيكونون مجرد متفرجين، وسيخربون علي وعلي حكومتي عملها ومهامها، ويحاصرونني في زاوية واصير عندهم رهينة.. انت لا تعرف هؤلاء العشرة، كلهم من السياسيين الاذكياء واللامعين والمثقفين والناشطين، سيجمعون العراقيين حولهم يتابعون خطبهم وردودهم وتصريحاتهم في البرلمان، وبعد جلسة او جلستين يصبحون اقوي مني ثم يدحرجونني.
ونتيجة لذلك صدرت ارادة ملكية بحل مجلس النواب وقبل ان يعقد جلسته الاولي في اجراء غير مسبوق في كل برلمانات العالم، وجرت انتخابات جديدة منعت الشخصيات الوطنية والقومية من الترشيح وفازت احزاب البلاط والانكليز بجميع المقاعد، عندها تنفس نوري السعيد الصعداء وشكل حكومته.
هذه الحكاية السياسية التأريخية نوردها اليوم وفي ايدينا بيان اصدره مجيد الكعود رئيس حركة او منظمة (وهج العراق) وفيها هجوم علي عدد من السنة العرب ممن رشحوا انفسهم لخوض الانتخابات المقبلة والمثير في البيان انه عرض بالسيد صالح المطلك بطريقة ظالمة والصق به تهماً ما انزل الله بها من سلطان، وكأن هذا الرجل لا تكفيه شتائم جلال طالباني ولا تجريحات الشعوبيين والصفويين والطائفيين فجاء الكعود وكملها، وكان الأجدي بالاخير، ان يلتفت الي ابن عمه محافظ الرمادي السابق الذي سقط في احضان الامريكان وصار واحداً من اتباع طباطبائي ووصل به التهافت والنفاق ان يقف في حفل فيلق بدر الذي يسميه العراقيون غدر، ويلقي كلمة يشيد فيها بما اسماه بتضحيات هذه المنظمة الطائفية الايرانية التأسيس والتدريب والتسليح والتجهيز ويهاجم المقاومة ويكيل اليها الصفات الباطلة دون خجل او حياء، في اساءة بالغة الي آل الكعود وقبيلة الدليم، ودون ان يتذكر سطام الكعود الذي اعتقلته القوات الامريكية منذ عامين ونصف بلا ذنب اوجريمة، وآخر المعلومات عنه ان قوات الاحتلال نقلته الي معتقل (غوانتنامو) زيادة في اضطهاده وتعذيبه.
وليس دفاعاً عن صالح المطلك الذي يتعرض الي حملة شرسة لتطويق وشل نشاطه مع زملائه الصامدين في مجلس الحوار الوطني الذين لم يفلح زلماي خليل زاد من احتوائهم واجتذابهم الي جانبه، رغم ان الدفاع عن صوت وطني وعروبي في هذا الوقت قضية مشروعة ومسألة مطلوبة، ونحن نري اصوات الآخرين من الانفصاليين والفيدراليين والطائفيين صاخبة تستند في ضجيجها علي دعم امريكي سياسي ومالي واعلامي، مع انها تفتقر الي الحس الوطني وتعتمد الخطاب الفتنوي والتفريقي كأبرز سماتها، ولكن من الضروري حشد التأييد لشخصية مثل المطلك ورفاقه الانقياء في المجلس الذين اشاحوا بوجوههم عن اغراءات السفارة الامريكية، ورفضوا ضغوطها واملاءاتها، ولاحظوا القائمة الانتخابية التي قدمها المطلك لخوض الانتخابات القادمة، فهي تكاد تكون الوحيدة التي ضمت عروبيين من السنة والشيعة والمسيحيين، وبذلك تكون قد فوتت علي المشروع الطائفي والعرقي المحموم اغراضه في تقسيم عرب العراق وتفتيت نسيجهم الواحد وتفكيك الصلات والعلاقات التي تجمعهم منذ قرون.
ونعرف مسبقاً ان قوات الاحتلال والمتعاونين معها يستعدون لتزوير الانتخابات المقبلة، كما فعلوا في نتائج الاستفتاء الاخير في العاصمة بغداد ومحافظات الموصل وديالي وكركوك والبصرة والديوانية والحلة والسماوة تحديداً، ونعي ايضاً ان الانتخابات في ظل الاحتلال ليست شرعية تماما مهما قيل فيها، وندرك ان الامريكيين سيقاتلون من اجل انجاح عملائهم وذيولهم للفوز باعلي المقاعد، هذه قضايا معلومة سلفاً، ولكن رغم ذلك لابد من مقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة، ومواجهة وجوده ومخططاته ومشاريعه عبر جميع الوسائل والآليات المتوفرة، وفي كل مكان وميدان، فالمعركة مع الاستعمار الامريكي الجديد طويلة وقاسية، وهي تستلزم تعبئة الجهود والطاقات الوطنية والقومية والدينية والعشائرية والثقافية والاجتماعية، وهي تتطلب ايضاً شد أزر المقاومة ضد الاحتلال من خلال العراك السياسي والاعلامي وفضح قراراته واجراءاته، وعلي هذا الاساس فان وجود واحد او خمسة او عشرة مثل صالح المطلك في الجمعية الوطنية الجديدة، هو مكسب وطني وسط مئتين وخمسين عضوا من المغمورين وطلاب الوجاهات وملالي الفتن والحروب، فالصوت الوطني والعروبي الواحد يبدد اصوات مئات الانعزاليين ومزدوجي الولاءات، ويطلع الرأي العام في امريكا علي الاقل بان الرئيس بوش يكذب عندما يقول ان جميع العراقيين يؤيدون احتلاله ويرغبون في بقاء قواته، ويحبذون الديقراطية التي جاء بها المارينز والاباتشي، وصحيح ان الجمهور الامريكي اكتشف خديعة المحافظين الجدد ومؤامراتهم الكارثية علي العراق ومستقبل امريكا، ولكن الصحيح ايضاً ان وجود صوت واحد يقول (لا) لامريكا وفي برلمان نظمته امريكا بنفسها شيء جيد وافضل بكثير من برلمان يبصم اعضاؤه علي ما يقدم لهم او يفرض عليهم دون معارضة ويوافق بلا نقاشات او جدالات علي طريقة الشيخ محمد العريبي رحمه الله في برلمانات العهد الملكي عندما كان يقول (موافج) اي موافق، علي كل قرار او توجيه او قانون يعرض عليه.
وحتي لو عمد الامريكان واتباعهم وعملوا علي افشال قائمة المطلك ومنع اعضائها من الوصول الي البرلمان المقبل، وهذا احتمال كبير خشية قوات الاحتلال من المتاعب والمضايقات التي سيحدثها نوابها لها، فان الخسارة في مثل هذه الحالات ربح وفائدة، ويستطيع المطلك ان يساجل الاخرين بانه قدم قائمة وطنية عروبية تجاوزت المحاصصات الطائفية والعرقية والنسب الفئوية، ولم يتبع توجيهات زلماي الذي طلب منه ان يقدم قائمة سنية بالكامل مثل الاخوان المسلمين وحزبهم العتيد وبعض الموظفين المحسوبين علي السنة العرب. وعندما يصف جلال طالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردي، السيد المطلك بانه مدير مزرعة سجودة ويقصد بها السيدة الفاضلة ساجدة خيرالله طلفاح زوجة الرئيس السابق، فانه يتوهم بانه ينال من سمعة الرجل الذي يفخر بانه مزارع يحتضن الارض العراقية ولا يخونها كما يفعل الاخرون، فهو اكاديمي في تخصصه ويدير شركة زراعية مع زميلين له من اساتذة كلية الزراعة سابقاً، ويعيش بكده وعرقه ويعيل اسرته بالحلال، وليس كما يفعل قادة الأحزاب والدكاكين والجماعات اياها، الذين يحتلون مواقع الرئاسات والوزارات والسفارات والمؤسسات الحكومية، وكل واحد منهم صار مليارديراً من الصفقات المشبوهة والمقاولات الوهمية والتجارات المريبة، ولم يكتفوا بما استولوا عليه من مصانع ومعامل ومعسكرات فككوا معداتها وصادروا اسلحتها وهربوها الي الخارج وباعوها بالعملات الصعبة وانما توجهوا مؤخراً الي البطاقة التموينية وراحوا يقتطعون الاموال المخصصة لها، وتصورا ان النظام السابق الذي يصفونه بانه سارق كان قد حدد مفرداتها من (14 - 16) مادة كل شهر تشمل الطحين والشاي والرز والسكر والزيوت والبقوليات والدجاج وحليب الاطفال والصوابين والمنظفات، ثم جاء (الديمقراطيون الجدد) وجعلوا البطاقة بثلاث أو أربع مواد فقط، واما البقية فتذهب اثمانها وهي بملايين الدولارات الي الجيوب، واخر اختراعاتهم انهم حددوا بيع وقود التدفئة من نفط وغاز علي المواطنين ببطاقة تموينية جديدة ايضا وباسعار عالية، بينما يتم استخراج ملايين البراميل من النفط وبلا عدادات وبيعها عبر موانئ غير شرعية الي مافيات وشركات ولا احد يعرف حجم المستخرج من النفط ومن المشتري وكم السعر واين تذهب ايرادات بيعه؟ وبعد ذلك يأتون ويعيرون صالح المطلك بانه مدير مزرعة وهو الذي يعمل ويكدح بشرف. وهذا هو الفرق بين العراقي الاصيل والمستعرق، بين الوطني الصح و(الوتني) الطارئ.
وروح.. يا صالح المطلك في طريقك مع صحبك ورفاقك، ولا تلتفت الي الفحيح والاصوات المنكرة والاتهامات الجائرة، العراقيون يقرأون (الممحي) ويعرفون كل شيء عنك وعنهم، والتأريخ ينصف من خدم العراق ودافع عن سيادته وحريته وعروبته، ويسّود وجوه من تعالوا عليه واشاعوا الفتنة فيه، ونهبوا موارده وثرواته الوطنية ومازالوا يسرقون.