يشتمون عرب العراق وينزلون في عاصمتهم
هارون محمد
عندما اتصل بي صديق كردي مستقل، يدعوني الي لقاء مع جلال طالباني في حسينية الخوئي
في لندن، اعتذرت وقلت له لست علي استعداد لحضور مثل هذه الفعاليات التي اعرف ان
المطلوب مني فيها ان استمع فقط، إدراكاً مني ان الرجل المحتفي به يضيق ذرعاً بالرأي
الآخر، خصوصاً اذا جاء مني شخصياً، لانه واتباعه يصنفونني علي طائفة معروفة، رغم
علمهم ومنذ سنوات طويلة، باننـــي جزء من تيار سياسي عرف بتجاوزه للطائفيات
والمذهبيات والعرقيات.
ورفضت الذهاب الي الحفل، وجاءتني تفاصيل الخطبة التي القاها طالباني واجاباته علي
اسئلة واستفسارات الحاضرين المرتبة سلفاً مع حاشيته، وايقنت حينها ان رفضي حضور
اللقاء كان قراراً حكيماً لانني كنت في حال مشاركتي امام أمرين، وانا اسمع من يسمي
برئيس الجمهورية يشتم اهلي في العراق ويتهمهم بشتي النعوت والصفات الظالمة، اما ان
اغادر المكان احتجاجاً علي كلام طالباني وعندئذ سيقولون عني باني هربت، وانا الذي
لا يمكن ـ واقولها باعتزاز وثقة ـ ان اهرب من امام هؤلاء، والامر الثاني ان اقف
واجادل وادافع عن عرب العراق ورموزهم وشخصياتهم، ووقتها سترتفع الاصوات المنافقة
تطالبني بالسكوت والصمت واحترام رئيس البلاد ـ كما يوصف ـ وقد يتدخل حراسه ومرافقوه
من ميليشيات البيش ميركه الذين ظهروا ببدلات (زرق ورق) ارتدوها علي عجالة وكأنها
فصلت لغيرهم وليس لهم، ويعمدون الي ما لا يحمد عقباه، وهم الذين لا يفهمون شيئاً عن
الحوارات والمناقشات السياسية وانما وظيفتهم التي تعلموها ولا يعرفون غيرها هي
كراهية كل شي عربي سواء كان بلداً او مدينة او منطقة او شخصاً.
ولعل أغرب ما جاء في كلام طالباني هو اتهامه للسنة العرب بانهم صداميون بعثيون،
وتكفيريون زرقاويون، حتي الذين يجلس معهم في بغداد لم يسلموا من لسانه، وتصوروا
رئيس جمهورية يقول عن السيد صالح المطلك الناطق الرسمي باسم مجلس الحوار انه بعثي
وكان يعمل مديراً لمزرعة سجودة، ويعني بها السيدة ساجدة خيرالله زوجة الرئيس
السابق.
وحمداً لله اني لم احضر لانني كنت اقف مهما كانت النتائج واقول لجلال بملء الفم، قف
يا هذا.. السنة العرب الذين تشتمهم وتردد الاوصاف الامريكية والصهيونية عنهم، رفعة
رأس كل عراقي شريف ومخلص لبلده وحريص علي وحدته وسيادته، والسنة العرب هم الذين
بنوا العراق قديماً وحديثاً، وهم الذين شادوا الدولة العراقية بالتضحيات الجسام
وجئتم انتم مع المحتلين وقوضتم بناها ومؤسساتها واستوليتم علي مواردها وثرواتها،
وتعملون حالياً كل من موقعه وحزبه علي انهائها وتحويلها الي فيدراليات واقاليم
ومقاطعات ومشيخات، تنفيذاً للمشروع الامريكي الصهيوني الذي يلتقي مع المشروع
الايراني في تفتيت العراق وتقسيمه وتجزئته.
وأقول ايضاً ان السنة العرب ليسوا صداميين والدليل علي ذلك ان جميع الانقلابات التي
قامت ضد سلطته منذ نهاية الستينات ولغاية التسعينات كان وراءها ضباط وسياسيون من
السنة العرب، ولم يبادر غيرهم من الفئات الاخري لتنظيم حركة واحدة ضده، علي العكس
فان الاحزاب الكردية علي سبيل المثال لا الحصر لعبت ادوارا انتهازية في هذا المسار،
وتحول بعض قادتها في احيان كثيرة الي مخبرين وكتبة تقارير وما نشرته صحيفة (هولاتي)
الكردية التي تصدر في السليمانية في مطلع العام الماضي عن اسماء قيادات في حزبي
طالباني وبارزاني بالوثائق والتواريخ يؤكد بان عملية التخابر مع اجهزة وسفارات
النظام السابق مخطط لها من اعلي المستويات في الحزبين، وما يثبت ذلك بان قيادتي
الحزبين لم تتخذا اجراءات صارمة ضد الجواسيس الذين مازالوا يحتلون مواقعهم الحزبية
والسياسية والاعلامية والعسكرية، بل ان واحداً منهم تبين انه ظل يتلقي راتباً
شهرياً من السفارة العراقية في بلجيكا حتي شهر اذار (مارس) 2003 استدعي الي شمال
العراق بعد فضيحة ظهور اسمه في قائمة المخبرين واسندت اليه وظيفة وكيل وزارة في
المنطقة الكردية..
وعندما يصف طالباني في كلامه صالح المطلك بانه بعثي ومدير مزرعة سجودة، فالسؤال
الذي كنت اوجهه اليه لو كنت حاضراً، هل البعثية جريمة وانت قلت في حزيران (يونيو)
الماضي ان السجلات التي حصلنا عليها عقب انهيار النظام السابق تشير الي ان عدد
البعثيين الرسميين ويقصد الاعضاء العاملين هو مليون ونصف مليون بعثي، واذا اضيف الي
هذا الرقم الانصار والمؤيدون فان العدد يرتفع الي خمسة ملايين بعثي علي اقل تقدير،
واذا جمعنا كل الاحزاب الكردية والشيعية ومعها منظماتها وواجهاتها والمعجبون بها
والمصفقون لها كم سيكون عدد افرادها؟
ثم هل من المنطق ان يلفظ رئيس جمهورية اسم زوجة رئيس سبقه بهذه الطريقة الاستخفافية
مع ان العراقيين يتذكرون جيداً صورة طالباني وهو يحتضن (زوج سجودة) ويقبله في وجهه
وكتفه في اول لقاء يجمع بين الاثنين في منتصف نيسان (ابريل) 1991 عندما جاء جلال
علي رأس وفد من الجبهة الكردستانية للتفاوض مع الحكومة المركزية.
وليس دفاعاً عن صالح المطلك فهذا الرجل معروف لدي الاوساط العراقية انه غادر حزب
البعث منذ عام 1979 وسيرته الوظيفية والعملية نظيفة ونقية، لم يستغل ولم يسرق من
المال العام ولم يسجل عليه في يوم من الايام تجاوزات او انتهاكات، وشركته الزراعية
التي يديرها منذ السبعينات تعرضت الي مضايقات من اتباع النظام السابق ولكنه ظل
صامداً لم يتهافت ولم ينافق او يرتزق، وكان بمقدروه ان يكسب ويستثمر ويصبح من عداد
اصحاب الملايين، ولكنه لم يفعل ذلك احتراماً لنفسه، وحتي لو عمل مديراً لمزرعة زوجة
الرئيس السابق فهل العمل عيب او الوظيفة حرام، وهو رجل اختصاص بالزراعة ومن اسرة
تمتهن الزراعة اباً عن جد، ولكنه الحقد الاعمي علي العرب عموماً وعلي السنة منهم
تحديداً.
أما ما قاله جلال من ان هذه الصيغة السياسية المعمول بها حالياً ستبقي الي الابد،
رئيس جمهورية كردي ورئيس وزراء شيعي ورئيس برلمان سني عربي، فهذا مخالف للديمقراطية
التي يتشدقون بها مع اسيادهم الامريكان، لاننا نعلم بان مفاهيم الديمقراطية الصحيحة
لا تفرق بين الفئات والطوائف والاثنيات، لذلك نحن علي صواب عندما نقول ان ثقافة
(البيش ميركة والروزخونيات) هي السائدة في العراق، ولا وجود للديمقراطية والتعددية
الا في تصريحات بوش وتشيني ورامسفيلد وكوندوليزا رايس وطالباني وبارزاني والجعفري
وصولاغي والشلة اياها.
ومرة اخري نقول لجلال وشركائه ان السنة العرب في العراق هم الرقم الصعب في أي
معادلة او عملية سياسية الان ولاحقاً، ولا تستطيع قوة مهما بلغ حجمها، سواء كانت
امريكية او اسرائيلة او ايرانية او محلية ان تحتويهم او تهمشهم لانهم أصحاب أرض
وأهل وطن، علي عكس الاخرين الذين يتوزعون بين مستوطن جاء اجداده من القوقاز
والقفقاس والاناضول او وافد جاء من ايران والهند واذربيجان، والاحتلال الامريكي
الذي يستقوي به هؤلاء المستوطنون والوافدون له نهاية باتت قريبة، و(راح الكثير وبقي
القليل) كما يقول المثل العربي، وعند ذاك سيعلم الانفصاليون والطائفيون واعداء
العراق والعروبة اي منقلب ينقلبون، وسيأتي يوم يتحتم علي طالباني او بارزاني ومن هم
علي شاكلتهما الي تقديم طلب او عريضة الي المسؤول العربي في بغداد للسماح لهم
بزيارة العاصمة مع بيان اسباب الزيارة، والمسؤول العربي هو الذي سيعطي رخصة لهم
بالزيارة او يحجبها حسب مقتضيات المصلحة العامة..
وانتظروا ذلك اليوم الذي نراه مقبلاً بلا أدني شك، وعندها تتقابل الوجوه ويعرف كل
واحد منا ومنهم حجمه الحقيقي، ولا مجال للعتب والاعتذار او المداهنة بعد ان تكشفت
المواقف وبانت علي حقيقتها عارية بلا ورقة توت تماماً