مسرحية جديدة في المنطقة الخضراء ببغداد
هارون محمد

ما حدث بين جلال طالباني وابراهيم الجعفري خلال الايام القليلة الماضية من مماحكات ومشاحنات حول قضايا صغيرة، يؤكد مرة أخري ما ذهبنا اليه في مقالات سابقة، بأن الذين يتصدرون المشهد السياسي والسلطوي في العراق علي هشاشته، ليسوا رجال دولة ولا يصلحون لقيادة او إدارة بلد مثل العراق، لانهم يفتقرون الي ابسط مقومات المواطنة والمسؤولية الوطنية، ويقدمون مصالحهم الذاتية والفئوية والحزبية والعرقية والطائفية علي مصالح الوطن.
ولاحظوا تصريحات طالباني الذي يتهم فيها الجعفري بانه يقود الحكومة الانتقالية بطريقة حزبية وهذا صحيح تماماً، ولكنه يتغافل عن نفسه وسلوكه في الموقع الذي نصب فيه كرئيس انتقالي للعراق، كل العراق كما يفترض، فهو ما يزال يتصرف كرئيس لحزب كردي في محافظة السليمانية، وليس في بغداد عاصمة العراق، فالرجل بطبيعته الميليشياوية وأفكاره الشوفينية، لا يستطيع التكيف مع وظيفة سماتها النزاهة والحيدة والتواضع واحترام الذات والاخر وملء المكان الذي وضع فيه، وعدم استغلاله لمآرب شخصية وعائلية وعشائرية وحزبية، وإلا لماذا يتهمون صدام حسين بانه فردي ودكتاتوري وعشائري وهو علي علاته واخطائه ودكتاتوريته، كان رجل دولة حفظ للعراق مكانته الدولية ودوره البارز بين الامم حتي في اضعف حالاته، إضافة الي انه لم يكن طائفياً او عنصرياً كما يصفه اليوم من جاء بهم الامريكان بعده، نقول هذا ليس دفاعاً عنه ونحن الذين قارعناه وعارضناه منذ البداية، وكان بمقدرونا وببساطة شديدة ان نحصل منه علي ما نريد ونشتهي لو غيرنا مواقفنا وصفقنا له ووقفنا علي ابواب مكتبه في المجلس الوطني عندما كان نائباً، وديوانه عندما صار رئيساً، كما فعل الذين يتشدقون بالنضال والوطنية ممن يحتلون الرئاسات والوزارات والسفارات اليوم، وجميعهم انتفعوا منه اموالاً ووظائف وتسهيلات وامتيازات وتجارات ومقاولات وبعثات الي الخارج.
وبالمناسبة.. فقد كشف النقاب الآن عن مسألة في غاية الاهمية، ومفادها ان الحاكم الامريكي السابق بول بريمرعندما طرح قانون اجتثاث البعث في نسخته الاولي، كان يتضمن اضافة الي طرد البعثيين من عضو عامل فما فوق من وظائفهم وحرمانهم من حقوقهم السياسية، محاسبة كل من تعاون مع النظام السابق وخدم في مؤسساته او تعامل معه باي شكل من الاشكال، او استفاد منه مالياً او دراسياً او طبياً.. الخ، فهرع اليه عشرون عضواً من اعضاء مجلس الحكم الانتقالي المنقرض من اصل خمسة وعشرين وقابلوه كل علي انفراد وابلغوه بصريح العبارة ان تطبيق القانون بهذه الطريقة يعني انهم سيكونون اول من يشمل ويطاح بهم، لان كل واحد منهم مر في السابق بمرحلة تعاون او تحالف مع النظام السابق او تلقي مساعدة منه بطريقة ما، مباشرة او غير مباشرة، ويقال ان افصحهم في هذا الشأن كان عز الدين سليم رحمه الله الذي اخبر الحاكم الامريكي بانه نقل اليه وهو في طهران، ان صدام كان يشكر الله صباح مساء، لان المعارضة له، يقودها بعض الناس، أكبر واحد فيهم تلقي منه مساعدة ما في يوم من الايام، موثقة بالأوامر والتواريخ، وقال له ايضاً، أنا اقول ذلك ليس دفاعاً عن نفسي فانا والحمدلله (صاغ سليم) من هذه الناحية وتستطيع ان تحقق في ذلك، ولكن ثق لو طبقت قانونك هذا دون تعديل أو تغيير، فانكم ونحن معكم سنكون (مسخرة) أمام العالم، وسيطلع صدام بطل الابطال، ويبدو ان بريمر هز رأسه واقتنع بتلك الطروحات فاحال القانون الي لجنة لصياغته من جديد، مؤكداً بالاقتصار علي القيادات التنظيمية البعثية (عضو قيادة شعبة) فما فوق، واهمال البنود الخاصة بالتعاون السياسي والاستخباري والتجاري والنفطي مع النظام السابق وتجاوز مسائل المساعدات والانتفاع.
وعندما تصل المشاكسات بين طالباني والجعفري الي درجة العراك بينهما علي قصر في المنطقة الخضراء، كل واحد منهم يرسل حراسه للسيطرة عليه، وعندما يأمر الاول مفرزة من البيشميركة تقتحم مبني صحيفة الصباح تحمل محمد عبدالجبار رئيس تحريرها السابق الذي فصله الجعفري من موقعه في وقت سابق وتعيده الي مكانه بعد طرد رئيس التحرير الذي خلفه جمعة الحلفي، فان ذلك يؤكد ان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة منشغلان بقضايا صغيرة وكل واحد منهم مهتم بما يكسب ويتربح اكثر من الاخر، في الوقت الذي يحترق العراق ويخرب ويدمر دون ان يلتفت اليه احد منهما.
وقد وضح تماماً ان طالباني وبارزاني والجعغري والحكيم والجلبي وبقية المجموعة اياها، ما زالوا يفكرون بعقلية المعارضة الرثة السابقة، وما تنطوي عليه من مشاغبات ومزايدات فيما بينهم، ورغم مرورعامين ونصف علي احتلالهم للمواقع القيادية والرئاسية والوزارية، فانهم ما يزالون لايصدقون انهم قادة ومسؤولون، ويدركون في قرارات انفسهم انهم غيرباقين في مناصبهم، لذلك فان كلاً منهم يحرص ان يأخذ اكثر ويكسب اكثر، علي طريقة (شاطر من يعبي الدكان رقي) كما يقول المثل الشعبي العراقي، ولاحظوا المطالب التي تضمنتها المذكرة الكردية الي الائتلاف الشيعي والجعفري، فهي تركز علي موضوعات ابرزها ضرورة اشراك الوزراء الاكراد في القرارات السياسية والاقتصادية والادارية، ومراعاة التوازن في الوفود الرسمية الي الخارج، والمشاركة في تعيين كبار الموظفين، والاعتراض علي تعيين ليث كبة ناطقاً باسم الحكومة، والتحفظ علي تعيين جاسم خضير وزير الصحة في وزارة مجلس الحكم الانتقالي السابق اميناً عاماً لمجلس الوزراء وموضوعات هامشية اخري، ولكن البند الخطير في المذكرة الذي حشر فيها حشرا هو دعوة الجعفري الي تكريد مدينة كركوك وطرد العرب منها، رغم ان القيادات الكردية تعرف جيدا، ان لا رئيس الحكومة الحالي ولا غيره في المستقبل، قادرا علي الاقتراب منها وفق الطريقة التي يريد فرضها بارزاني وطالباني، والاخير يدرك تماماً ان المليون عربي والتركماني في كركوك لو بقي واحد منهم علي قيد الحياة فلن يتنازل عن هذه المدينة العراقية العريقة التي جاء اليها الاكراد في الثلاثينات من القرن الماضي بحثاً عن لقمة العيش والاشتغال كعمال ومستخدمين في حقول وآبار النفط عند اكتشافها.
وللمعلومات التي لم تعد سراً، فان الالاف من العرب والتركمان في محافظة كركوك ينتظمون الان في سرايا وكتائب وفصائل عسكرية تستعد لملْ الفراغ الامني والاداري في حالات الطوارئ المتمثلة في انسحاب امريكي مفاجئ من المحافظة، او صدور قرار بالحاقها بالمنطقة الكردية كما يريد بارزاني وطالباني، وقد نجحت هذه السرايا والكتائب التي تضم مقاتلين مخلصين واستخبارات كفوءة واتصالات متقدمة مع اطراف في المقاومة العراقية الباسلة من مسح المنطقة وتشخيص الغرباء من عناصر البيشميركة والاكراد الذين جيء بهم من الكهوف والجبال والمغارات في السليمانية وجمجمال وكلار وراوندوز والعمادية وميركه سور، وكذلك اكراد من ايران وتركيا وسورية اسكنوا في المقرات المهجورة للفيلق الاول ومعسكر خالد والمباني الحكومية التي تم الاستحواذ عليها ومصادرتها، والمخيمات الجديدة علي طريقي كركوك السليمانية وكركوك اربيل.
ان الشهور الثلاثة المقبلة حاسمة في تأريخ العراق بعد ان تأكد ان الامريكان واتباعهم في الاحزاب الكردية الانفصالية والتنظيمات الشيعية الصفوية مصرون علي تمرير مسودة الدستور دون إدخال تعديلات جوهرية عليها كان ممثلو السنة العرب قد اقترحوها في وقت سابق، ولم يؤخذ بها لاعتبارات عرقية وطائفية، وقد اتضح من خلال اجتماعات لجنة الدستور المنبثقة عن الجمعية الوطنية، ان ثمة تواطؤا بين التحالف الكردي والائتلاف الشيعي علي تقسيم العراق وفدرلته وتقاسم ثرواته النفطية وموارده المائية بين الطرفين، وقد تجسد هذا التواطؤ المفضوح في الهجوم علي (تلعفر) عندما شاركت ميلشيات البيش ميركة الكردية مع نظيرتها ميليشيات بدر الايرانية التأسيس والتسليح وعاونتا قوات الاحتلال في ضرب مواطني هذه البلدة التي عاش فيها العرب والتركمان بمودة واخاء منذ قرون عدة، والمعلومات الموثقة وشهادات شهود العيان تؤكد حصول انتهاكات فظيعة لممتلكات وحرمات خمسة الاف عائلة تلعفرية وتشريد تسعين الفا من سكانها، مما اضطر قوات الاحتلال وشركاءها من الميلشيات الكردية والايرانية الي منع المصورين ومندوبي وسائل الاعلان من الدخول اليها ونقل ما جري لهذه المدينة المنكوبة.
وقد اتضح ايضاً من خلال متابعة مواقف التحالف الكردي والائتلاف الشيعي ان الطرفين يتوافقان بسرعة متناهية حول قضايا ثنائية تخدمهما ولكنهما يتخذان مواقف متحفظة عندما يشعر طرف منهما ان الطرف الاخر حصل علي مكسب او امتياز اكثر منه، لذلك فان تفسيرات طالباني بان السلطة التنفيذية تعني الحكومة وهيئة الرئاسة والجمعية الوطنية ومجلس القضاء تعني انه يريد ان يحوز علي النفوذ والغنائم مثل رئيس الوزراء الذي انصرف الي شؤونه الخاصة والحزبية والطائفية، وترك حكومته تغرق في الفساد والاختلاسات، علماً بان مطالبات طالباني وتفسيراته للحكومة ليست صحيحة علي الاطلاق، وهي تخلط بين مهمات السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، التي يتمشدق مستخدمو الادارة الامريكية ومعاونو قوات الاحتلال بان هذه السلطات مستقلة ومفصولة عن بعضها، في وصفهم لتجربة العراق الجديد علي حد زعمهم.
ولأن الجعفري حائر في كيفية التوفيق بين ضغوطات اقطاب كتلته، الحكيم ونجليه عمار ومحسن، والجلبي ومالكي وعنزي ومامي وعامري، ومطالبات حلفائه الاكراد في الحكومة، فانه تاه في مسالك شائكة وفقد القدرة علي ادارة حكومته الانتقالية بطريقة معقولة علي الاقل، وهو ما جعل طالباني يستأسد عليه ويوجه له سيلا من الاتهامات الصحيحة وغير الصحيحة، ويطالبه بالتنحي عن رئاسة الحكومة في اجراء غير مسبوق، مع العلم ان قانون ادارة الدولة الانتقالي المعمول به حالياً يعطي حق اقالة رئيس الوزراء الي الجمعية الوطنية وليس الي رئيس الجمهورية الذي يخضع هو الاخر في تثبيته بموقعه وعزله عنه للجمعية ذاتها، الامر الذي يؤكد ان اهل الحكم لا يحكمهم حتي قانونهم، وانما علي قوة كل واحد منهم وما يستند اليه من ميلشيات وانصار ومؤيدين ومدي قربه من السفارة الامريكية وصلاته مع قوات الاحتلال، والتوقعات تفيد بان الطروحات الجلالية بتنحية الحكومة الجعفرية (طرقة) ليس إلا، الغرض منها اجبار ابراهيم علي الرضوخ لما يريده طالباني، وهذا ما سيحصل علي الارجح، فليس من المعقول ان يأتي عادل عبدالمهدي رئيساً لحكومة عمرها شهران، والمعلومات في الكواليس الامريكية تشير الي انه مرشح واشنطن لرئاسة الوزارة في مرحلة ما بعد الانتخابات المقبلة، الا اذا كان القرار الامريكي ينص علي ان تكون فترة الشهرين عملية تأهيل وتدريب له، وكل شيء ممكن ومحتمل ما دام الامريكان هم الذين يحكمون بالفعل.