نعم . . .

كان العراق بحاجة الى 14 تموز ! !

د.عبدالكريم هاني

 

كان العنوان  الذي اختاره الأستاذ أبوغالب في المعالجة القيمة التي كتبها في الأعداد الأخيرة من هذه الجريدة سؤالا يبدو استنكاريا " هل كان العراق بحاجة الى 14 تموز ؟" و الذي يبدو أنه بني تساؤله هذا على ما آلت اليه أوضاع العراق بعد 14 تموز و التقلبات التي مر بها  , و المآسي التي كان الناس في غنى عنها , و النهاية المفجعة التي آل اليها الوطن بعد كل تلك التقلبات و الانقلابات . و لا شك أنه من السهل الحكم على الأحداث بعد وقوعها و تقييمها بدقة متناهية , لكن الحكمة كل الحكمة مطلوبة في تقييم مدى الحاجة الى التغيير قبل وقوعه لتجنب الزلل و الخطأ و قديما قال الشاعر " قدر لرجلك قبل الخطو موقعها ." و جوابا على تساؤل الأستاذ الفاضل أقول نعم , كان العراق بحاجة الى14 تموز .

التقيت قبل سنوات بأحد أقطاب جبهة الاتحاد الوطني التي كان قيامها ذا أثر حاسم في نجاح الثورة التي قادها أبطال من الضباط الأحرار و تلقاها الشعب بالمساندة و التأييد . و قد جرنا الحديث حينئذ من المصائب التي كان الناس يتجرعونها على أيدي السلطة حينذاك الى إجراء بعض المقارنات , فسألني رحمه الله بلهجة امتزجت فيها الحسرة بالندم و الأسى ألم يكن من الأحسن لو أننا تركنا الأمور تسير في طريق التطور التدريجي الطبيعي ؟ و بالرغم من أنني كنت أشاركه نفس المشاعر التي دفعته الى سؤاله إلا أنني رفضت مجاراته في فرضيته فقلت له انني أولا أرفض الأحكام البعدية , و المثل الانكليزي يقول بعد الحادث يصبح الجميع حكماء ! ثم هل كان يجرؤ أن يسأل هذا السؤال يوم 13 تموز ؟ ضحك و قال بل لم أكن أقبل أن يمر هذا السؤال بخاطري . قلت نحن متفقان إذا , و الحكم الصحيح هو أن نزن الأمر بميزان الأحوال يوم 13 تموز , و بكل المعطيات فقد كانت الثورة ضرورية في ذلك اليوم .

كان الحكم الملكي , أو ما اصطلح على تسميته بـ "العهد البائد " قبل أن تتكاثر " العهود البائدة ", قد أصدر أمر موته قبل تموز بسنين يوم ارتضى أن يبتعد عما يريده الناس و ضاق صدره فلم يعد يتحمل صوتا يعترض و ابتعد عن العروبة التي هي الخبز اليومي للعراقيين , أما حكم الإعدام على ذلك العهد فقد أصدره نوري السعيد نفسه إبان العدوان الثلاثي على مصر حين انزوى في إيران انتظارا لسقوط النظام العربي في مصر تحت وطأة الغارات الكثيفة تشنها الطائرات البريطانية و الفرنسية على المدن المصرية بينما تزحف القوات الصهيونية نحو القناة , و بينما كانت الجماهير في العراق تغلي غضبا و هي تستمع الى أنباء الغارات التي سحقت مدن القناة و قتلت الآلاف , كانت الإذاعة في بغداد تتغنى بحقد غبي بأغنية " الليلة الليلة الليلة سهرتنا حلوة الليلة ." و أظن أن تلك الليلة كانت ليلة الحكم بإعدام ذلك العهد و أركانه و بقي التنفيذ ينتظر الى 14 تموز .

البريد الألكتروني : ahani@ maktoob.com

2/8/2005

نشر في العدد268  من جريدة الوطن في  4/8/2005