عدلت فأمنت فنمت
د.عبدالكريم هاني
هذا القول عمره أكثر من ألف و اربعمائة عام , و إذا كان قائله مندوب قيصر قصد بخطابه الخليفة عمر بن الخطاب حين وجده نائما في الفلاة بدون حرس أو حشم فإن الحكمة العفوية التي انطلقت بقوله هذا تبقى نبراسا يضيء لأصحاب السلطان , أفرادا أو هيئات , فينير لهم و لمجتمعاتهم دروب الأمان , و إذا كان مندوب قيصر ذلك العصر قد أطلق هذه الحكمة فإننا نوجهها اليوم الى قيصر العصر الحديث , لكننا سنستعير أقوال بعض الباحثين و المفكرين من بلد القيصر لعلهم ينيرون لنا و للبشرية دروب الأمان .
تشغل الولايات المتحدة نفسها , و ترغم العالم على مسايرتها في حربها الدونكيشوتية على ما تدعوه الإرهاب . و هي تبررلمواطنيها , و للعالم أجمع أنها مستهدفة دائما مما دعته ( الإرهاب الإسلامي ) . و قد اتفق كل من بوش الأب ثم كلنتون و بعده بوش الإبن حسب رواية مايكل شوير خبير الـ CIA السابق على أن التطرف الإسلامي ضد الولايات المتحدة ناجم عن كراهية المتطرفين للحرية و للديموقراطية الغربية , و تقول أبواق الدعاية الأميركية " انهم يحسدوننا " بينما الواضح ان هذا يخالف الحقيقة فمن المؤكد أنهم لا يحبون طريقة الحياة الأميركية لكن القليل منهم يفكر في الموت لأن الأميركان يتمتعون بحرية الصحافة أو بسبب الانتخابات الأولية. وكما يعبر أحد المراقبين عن حقيقة هذا الادعاء فيقول ( لست أرى أحدا يطير بالطائرة لينسف برج ايفل أو ساعة بغ بن ) .
وقد تحدث الجنرال الأميركي كارتر هام المسؤول السابق عن قسم مكافحة الإرهاب في مؤتمر خصص للأمن الداخلي فشرح مثالا لتبرير مخاوفه قائلا " الفلوجة كان يسكنها حوالي 250 ألف شخص و نحن دمرناها كليا , و إذا التزم واحد في المائة من هؤلاء بتكريس حياته لكره أميركا فسيكون الأمر كافيا ليشكل تهديدا كبيرا للولايات المتحدة ." و كان بات بوكانان الوحيد الذي حذر من أن ( بربرية ) السياسة الخارجية الأميركية الحديثة ستؤدي حتما الى كارثة إرهابية على الأرض الأميركية , و كانت ملاحظاته قبل سنتين و نصف " ان أميركا هي البلد الوحيد على وجه الأرض الذي يدعي الحق بالتدخل العسكري في كل بقاع العالم ."
و يقول ويليم بولك و هو عضو سابق في مجلس تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية ان الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون الشرطي العالمي , و العالم الذي تعيش فيه عالم تعددي , و قد كانت في أمان عموما عندما اعترفت بهاتين الحقيقتين لكنها وقعت في الخطر عندما تجاهلتهما . لا توجد علاجات سريعة و لكن " الضوء الوحيد في نهاية النفق هو احترام آراء البشر عموما " حسبما قال توماس جفرسون . و الغريب أن جورج بوش فال قبل زيارة روسيا انه يريد أن ينبه الرئيس الروسي بوتين الى حقيقة أن الديموقراطية تقوم على حكم القانون و احترام حقوق الانسان و كرامته فما كان أجدر به ان ينبه نفسه و أزلامه في غوانتانامو و أبوغريب و باغرام و بولكا و كروبر و غيرها من أرخبيل ( الغولاغ الديموقراطي الجديد ) , و قديما قال الحكماء : ابدأ بنفسك فانهها عن غيها .