أبرا كادابرا و المتنبي الجديد
د.عبدالكريم هاني
لا بد قبل كل شيء أن أوضح المقصود من هذا العنوان قبل أن يتهمني أحد بالخرف في زمان لا يستطيع فيه العقلاء أن يجدوا دربهم فكيف بمن خرف ؟ هذا التعبير يستعمله الحواة و ممارسو الألعاب السحرية على المسارح لإيهام المشاهدين أنهم يخاطبون الجن بلغتهم فينفذون ما يطلبون منهم من خوارق , و كان أمثال هؤلاء الذين يمارسون هذه الألعاب في العراق على المسارح و الشوارع أيام زمان يرددون كلمات " كوتي كلموتي . . . الخ " التي يبدو أنها لغة الجن في العراق . و اليوم نرى خوارق السحر الحديث في العراق و على شاشات الفضائيات يقوم بها أساتذة متخصصون نجحوا في تنويم الناس مغناطيسيا و الإيحاء لهم بالصورة التي يريدون بدل الصورة الحقيقية و إقناع العالم ودفعه الى تصديق الخيال الذي يسوقون و لذلك أردنا أن نذكرهم بهذه اللازمة ليعلم الكل أنهم من الحواة .
طالبت الكثير من الحركات و التجمعات الوطنية منذ أكثر من ثمانية عشر شهرا بالانتخابات و كتب الكثيرون في تفصيل الضوابط السليمة لإجرائها و كانت الوعود أول الأمر تحدثنا عن إحصاء سليم للسكان تعهد مسؤولو الوزارة المختصة بإنجازه في الوقت المناسب قبل أن يصرخ بهم صاحب اللعبة ليمنعهم من هذا الكلام . وتحدث الكثيرون عن الشرعية السحرية لقوانين بريمر التي يطلب إجراء الإنتخابات على هديها و التوقيع على احترامها و صيانتها قبل أن يحق للمرشح أن يدخل اسمه الى القائمة , يعني لا يحق لمن يعارض هذه القوانين الترشيح و بعد ذلك يقولون ادخلوا الإنتخابات و عدلوا أو ارفضوا ما لا يعجبكم ! منتهى الشفافية .
و أعلن الكثيرون اعتراضاتهم بالتفصيل بالإضافة الى اعتراضهم على مرجعية هذه القوانين التي أسبغت عليها قدسية فاقت قدسية الدساتير حتى أن المجلس المنتخب ( إذا انتخب ) لا يستطيع تعديلها إلا بأكثرية الثلاثة أرباع و إجماع أعضاء الرئاسة و هم يفترض أنهم منتخبون بينما القانون المقدس لم يحظ حتى بتصديق المجلس المعين ! لكن كل تلك الاعتراضات ليس لها من تفسير على المسرح اليوم إلا على الأساس الطائفي فقد استطاع الحواة اليوم تغطية المسرح بدخان و ضجيج و استطاعوا بسحرهم تحويل الانتخابات من وسيلة لاستعادة الشرعية الى هدف مجرد و أبدلوا تفسير القضية من الصراع بين الشرعية الوطنية و الاحتلال الى الصراع المذهبي متجاهلين أن أبناء العراق يتوزعون على الطرفين في هذا الاختلاف .
و على عادة برامج السيرك لا بد من قيام أحدهم بتقديم ألعاب سحرية أخرى , و أشهرها قراءة الأفكار و التنبؤ بالمستقبل , و قد برز على المسرح العراقي متنبئ جديد فقد " أكد باول . . . أن الحكومة المقبلة في العراق ستكون ذات أغلبية شيعية و أنها ستحترم حقوق الأقليات " . و لسنا نريد أن نحرج باول فنسأله عن معطياته لهذا التأكيد الذي يدل على قابلية خارقة في قراءة أفكار الناخبين و التنبؤ بفرص النجاح للمرشحين الذين لم يعرف العراقيون أسماءهم حتى الآن , و التنبؤ بكيفية تعاملهم مع الآخرين فالرجل يعرف الكواليس و ما أمامها و ما خلفها .