باسل الكبيسي مناضلاً وشهيداً
امير الحلو
كتب الكثيرون عن الشهيد باسل الكبيسي وسلطوا الاضواء على حياته ومسيرته النضالية، وخصوصاً في المقدمة التي كتبها الدكتور اسعد عبد الرحمن لكتاب (حركة القوميين العرب) وهو اطروحة الدكتوراه للشهيد باسل ، فقد كانت وافية ومعبرة عن حقيقة رجل عاش من اجل قضية واستشهد من اجل القضية نفسها ، لم يحد يوماً عن طريقها ولم يبد أي تنازل عن مبادئها وقيمها التي تمسك بها الى لحظة استشهاده في 6/4/1973 عندما اغتاله الموساد الصهيوني في سلسلة من التصفيات للعناصر القيادية الفاعلة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، فقد جرى اغتيال الشهيدين باسل الكبيسي وغسان كنفاني، وانفجرت طرود وقنابل استهدفتا الاستاذ هاني الهندي من مؤسسي حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية والاستاذ بسام ابو شريف الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيةلتحري فلسطين ، وفي ذكرى استشهاد باسل لا يسعني وقد رافقت جزءاً من مسيرته النضالية وجدت ان من بعض الوفاء الكتابة عن بعض الصور الجهادية وحتى الشخصية عنه لتبقى ذكراه خالدة في قلوب وعقول الاجيال الصاعدة ليواصلوا النضال على الدرب الذي امن به باسل ورفاقه خدمة لوطنهم وامتهم المجيدة .
بعد ثورة 14 تموز 1958 انضممت مع الاخوة عبد الاله النصراوي وعلي منصور وعلي كمونة الى حركة القوميين العرب واصبحنا في قيادتها في النجف واطرافها مع الاخوة المرحومين عزيز الشيخ راضي وعبد الرزاق الحلي وعبد الزهرة الخافوري ، وقد ارتبطنا بتنظيم منطقة الفرات الاوسط الذي كان يقوده المرحوم الدكتور عبد الامير الوكيل المدرس في الحلة ثم كربلاء ، وقد دعينا خلال عام 1958 لحضور اجتماع في بساتين مدينة كربلاء نظمه الدكتور الوكيل وحضرة عدد من اعضاء قيادة حركة القوميين العرب من عراقيين وعرب كان ضمنهم الاستاذ باسل الكبيسي وكانت تلك بداية تعارفنا الشخصي والسياسي ثم انتقلت الى بغداد فزادت علاقتي به بصفته عضواً في قيادة الاقليم وكنت مسؤولاً عن منطقة الكرخ في بغداد ، والملاحظة الاولى التي كانت تلفت نظر الاخرين الى باسل هو تفضيله حالة النضال وحتى المبيت في ( الاوكار السرية) التي لم تكن تتهيئ فيها مستلزمات العيش حتى البسيط في حين ان وضعه العائلي والاجتماعي كان يمكنه من العيش في افضل البيوت وبرفاهية تامة ، وقد كنت ازوره في( وكر) قريب من حديقة النعمان في الاعظمية يسكن فيه السادة نايف حواتمة وعمر فاضل وعبد الحليم حريبي اعضاء القيادة ، كما كنا نلتقي قبل عام 1961 في دار الاستاذ حامد الجبوري عضو القيادة قبل خروجه منها وكان اكثر نشاط الشهيد باسل مركزاً في الجانب العسكري اذ كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع مجموعة كبيرة من الضباط القوميين ، كما كانت له علاقات مع شخصيات سياسية واجتماعية معروفة في بغداد وبالاخص في منطقة الاعظمية ، وقد جعلته هذه العلاقات يقدم مع اعضاء القيادة على فتح ( النادي الثقافي العربي ) في المنطقة المقابلة لثانوية الحريري في الاعظمية اذ كان يتواجد باستمرار ويشرف على تنظيم فعاليات سياسية وثقافية كتكليف بعض الاساتذة بالقاء محاضرات وكذلك تنظيم فعاليات فنية تعرض افلاماً سينمائية هادفة ومعروفة، مع استثمارنا لمبنى النادي لعقد اجتماعات حزبية والالتقاء فيه حتى جرى القاء القبض على الاستاذ نايف حواتمة بعد انكشافه من خلال تردده على النادي ثم تطور توقيفه الى انكشاف مخطط (انقلابي ) كانت حركة القوميين العرب بصدد تنفيذه ، ولم يستطع المحققون انتزاع أي اعتراف من نايف حواتمة حول الموضوع مما جعل اعضاء القيادة بمنجى من الاعتقال ، وكان لباسل علاقات حتى مع بعض رجال الامن من المعارضين للنظام انذاك ، لذلك قام بتحذيري مرات عدة بأن امراً بالقاء القبض قد صدر علي ، ويطلب مني تغيير مكان سكني واللجوء الى (اوكارنا السرية)
واذا كان من المعروف عن باسل صلابته وجديته في العمل وتمسكه باصول العمل الحزبي وكان ذلك يسبب بعض الخلافات مع رفاقه الا انه كان يحمل في داخله قلباً رقيقاً ومحباً لكل العاملين معه في الحركة وانسى انني قد سجنت في سجن بعقوبة عام 1961 بعد احداث البنزين المشهورة ، فكان باسل يمر بسيارته على والدتي ووالدي ليصطحبهما الىا السجن في بعقوبة لزيارتي ويحمل معه (تموينا) من الغداء المعلب ما كان يكفيني لمدة من الزمن ، وكانت والدتي التي لا تعرف علاقتي به تدعوا له دائماً وتذكره بالخير وتقول لي اين تجد في هذا الزمان رجلاً يكلف نفسه اصطحابنا بسيارته هذه المسافة كلها لنزور ولدنا السجين فاجيبها بانه رجل مناضل وصديق عزيز فلا تستكثري ذلك عليه .
ولا انسى للرجل انه جاء الى داري في احدى المناسبات السياسية الحاسمة التي كانت تتطلب تدخل الحركة الفوري، واصطحبني الى حيث كنا نخزن الاسلحة في دار السيد عبد الحسين الربيعي في منطقة الرحمانية في الكرخ اذ اخرجناها من تحت الارض والتنور واشرف على توزيعها على الاعضاء لاداء واجب قتالي فعلي، ولم يتركنا الا بعد ان اطمأن الى سيطرتنا على المنطقة بأكملها وانصرف الى اداء واجب آخر.
وكان تواضعه وحبه للعمل يدفعه الى المرور عليّ بسيارته (الفولكس واغن) الصغيرة وكانت يسوقها النقيب الركن آنذاك شهاب احمد الاعظمي ليسهل علينا عدم التفتيش في الطريق اذ جلست في الخلف مخفيا آلة طباعة ورونيو لايصالها الى قيادة الحركة في النجف، وقد خرجنا في احد الصباحات الحارة من عام 1962 باتجاه النجف واجتزنا الحواجز العديدة حتى وصلنا الى النجف وقمنا بتسليم الاجهزة الطباعية الى الاخ عبد الاله النصراوي عضو القيادة وعدنا في اليوم نفسه الى بغداد، وكان باسل سعيدا لانجاز هذه المهمة.
وفي شهر آذار 1963 اصدرت حركة القوميين العرب جريدتها السرية (الوحدة) بنحو علني واصبح باسل الكبيسي رئيسا لتحريرها وكنت اكتب فيها واعاونه في العمل ولكننا احتجنا الى خبرة صحفية حقيقية فطلبنا من المركز في بيروت مساعدتنا فارسل لنا الشهيد غسان كنفاني والاستاذ محمد كشلي اذ (تتلمذت) علي ايديهما اصول العمل الصحفي، وهنا لابد ان اشير الى حادثة وقعت من خلال عملنا في الجريدة فمن المعروف ان حركة القوميين العرب التي تنتمي اليها كانت ترفع شعار عودة الجمهورية العربية المتحدة باقليمها المصري والسوري ثم الدخول مع العراق لمفاوضات حول الوحدة في حين كان البعثيون يريدون افشال الوحدة كما ثبت ذلك من خلال المباحثات الثلاثية في القاهرة والاحداث التي اعقبتها، لذلك كانت الكتابات والتحليلات في الجريدة تدور حول هذا الموضوع، وقام الاستاذ نايف حواتمة بكتابة افتتاحية بهذا المعنى فأخذتها الى الرقيب في وزارة الاعلام انذاك (وكان المرحوم شفيق الكمالي ) فقرأها واعادها لي بعد ان كتب عليها بالقلم الاحمر (لا تنشر) وعندما عدت الى مقر الجريدة في السنك اخبرت الاستاذ نايف حواتمة برفض الافتتاحية فقام من مكانه وجمع ما موجود في الغرفة من صحف ومجلات وكتب ، واخذ ينقل من كل واحدة سطرين او اكثر وجمعها في مقالة لا معنى لها ولا يربط بين سطورها أي رابط وطلب مني ارسالها الى المطبعة فوراً باعتبارها افتتاحية وعندما صدرت الجريدة في اليوم التالي اجتمع (المجلس الوطني لقيادة الثورة) لبحث (المعاني الكامنة ) في الافتتاحية وبعد ان عجزوا عن فك طلاسمها القوا القبض على باسل الكبيسي بصفته رئيساً للتحرير واستخدموا معه وسائل التعذيب والضرب كلها (ليعترف) على خفايا الافتتاحية ، وقد كاد باسل ان يلقي حتفه تحت ايدي الجلادين ، فقاموا بعد ذلك باغلاق الجريدة والقاء القبض على نايف حواتمة ووضعه في موقف التسفيرات في كورنيش الاعظمية ، اذ قام بعض الاصدقاء في الحركة بترتيب موضوع تسفيره الى الخارج على اساس انه قد دخل العراق بصورة غير قانونية واذكر انني والاستاذ عبد الاله النصراوي قمنا باصطحابه الى مطار بغداد القديم اذ جرى تسفيره الى القاهرة وقمنا بتوديعه ..على امل اللقاء .
وللتأريخ اقول ان باسم وبعد كل التعذيب الذي تعرض له لم يعتب على نايف ولا على علي لعدم عرض الافتتاحية عليه بصفته رئيساً للتحرير فقد كان قيادياً متفتحاً ومحباً لرفاقه في العمل والنضال ، ثم قام البعثيون باقتحام المركز الثقافي العربي في الاعظمية اذ القوا القبض علينا واغلقوا المركز ، ذلك كله قبل اعتقالنا في اواخر شهر نيسان 1963 بعد ان اعلن البعثيون اكتشاف مؤامرة (حركية ) لقلب نظام حكمهم ، وكان باسل في اجازة دراسية وذهب الى القاهرة ومع ذلك فقد اصدروا امر بالقاء القبض عليه ولكنهم لم يتمكنوا الا اعتقالي والاستاذ سلام احمد من قيادة الحركة ، في حين اختفى الاستاذ عبد الاله النصراوي والمرحوم هاشم علي محسن وسافر وليد قزيها اعضاء القيادة انذاك .
سافر الشهيد باسل للحصول على شهادة الدكتوراه وبعد ان انجز دراسته وحصل على الشهادة ، اذكر انني التقيت به عام 1970 في دار الدكتور غسان عطية في المنصور وتحدثنا عن المستقبل وكان يعرف مدى كراهية الحاكمين له واحتمال اغتياله من قبلهم لذلك قال لنا انه يفكر بالذهاب الى الجزائر للتدريس في جامعتها ، ولكنني سمعت بعد مدة انه ( وتلك هي عادته في عدم الركون الى السكينة والهدوء السياسي ) التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفي اخطر اجنحتها في تلك الفترة مما جعل الموساد الصهيوني يلاحقه في مكانه حتى استطاع الوصول اليه في احدى زياراته الى باريس اذ جرى اطلاق النار عليه في احد شوارع باريس فاستشهد فوراً ..وعندما سمعنا النبأ اصبنا بالحزن الشديد على رفيق درب وعلى مناضل عنيد اختار طريق مقارعة العدو حتى الشهادة ، وعندما وصل جسده الطاهر الى بغداد حرصنا على جمع اكبر قدر من المعارف والاصدقاء والمناضلين لنقيم تشييعاً مهيباً للشهيد وجرى قطع الشوارع بسبب زحام المشيعيين وصولاً الى مقبرة الشيخ معروف في الكرخ اذ دفن هناك .
لقد كانت رحلة باسل الكبيسي مع الحياة قصيرة ولكنها طويلة مع النضال الحافل بالاعمال النضالية الجسورة والتضحيات ، واذا كان لنا ان نذكر شيئاً في ذكرى استشهاده ، لقلنا ان سيرته هي قبس لكل المناضلين وعلينا ( في زحمة الاحداث ) والتحديات الا ننسى ذلك المناضل العنيد الذي ضحى بحياته دفاعاً عن العراق والامة العربية والمبادئ التي امنا بها طريقاً لبناء الحياة والمستقبل الحر المستقبل المتقدم .. رحم الله شهيد حركتنا ونضالنا باسل الكبيسي .