ايها العراقيون.. حذار من خدعة الانتخابات!
هارون
محمد
يخطئ الشيخان الدكتور
عدنان الدليمي رئيس الوقف السني، وابراهيم النعمة العالم الديني الجليل، اذا اعتقدا
ان مقاطعة السنة العرب لانتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي كانت
خطأ، بالعكس فان هذه المقاطعة افرزت معان ودلالات ابرزها ان اي عملية سياسية في
العراق الان ومستقبلاً مصيرها الفشل والاخفاق ما دامت تعتمد المعايير الطائفية
والعرقية والمحاصصات وتهمبش الاخرين، ولعل الازمة التي يعيشها الائتلاف الشيعي
والتحالف الكردي حاليا جاءت نتيجة هذه المقاطعة التي ما تزال تشكل هاجساً يقلق
الادارة الامريكية وقوات الاحتلال، وعبئاً ثقيلاً يجثم علي صدور قادة الاحزاب
الشيعية والكردية المتعاونة مع الامريكان، ولاحظوا هشاشة مواقفهم، وخفة حركاتهم،
وانحطاط مكانتهم، رغم انهم يحتلون مواقع عالية في الهيئات الرئاسية والوزارية
والتشكيلات الحكومية، شعوراً منهم ـ شاءوا أم ابوا ـ انهم لا يمثلون غير انفسهم
واحزابهم ومحازيبهم والمقربين منهم علــي اكثر تقدير.
ولعل الدكتور الدليمي والشيخ النعمة وغيرهما من شخصيات ورموز السنة العرب التي تريد
المشاركة في الانتخابات المقبلة علي اساس ان المشاركة تعني الوجود، علي خطأ أيضاً،
عندما بادروا الي عقد ما يسمي بالمؤتمر العام لاهل السنة والجماعة، كهيئة ذات طابع
ديني وطائفي، في تقليد غير مبرر للمرجعية الشيعية في النجف، دون ان يدركوا ان سر
قوة وحيوية السنة العرب في العراق، وحضورهم الشعبي المؤثر ودورهم الوطني الرصين علي
امتداد التأريخ، يعود الي انهم لا يتبعون مرجعية طائفية منغلقة ومتخلفة في أوامرها
وتعليماتها، تحول من يقلدها الي مريدين عميان يؤمنون بالخرافات، ومتلقين لفتاوي دجل
وترهات، وما حدث في بعض مناطق العراق خلال الايام القليلة التي سبقت الانتخابات
الاخيرة من قصص مضحكة واعمال مخجلة خلطت بين الخاص والعام، والسياسة والدين، يعطي
مؤشراً علي ظهور دكتاتورية دينية وتسلط طائفي، والا كيف نفسر دعوات بائسة لانتخاب
القائمة رقم كذا، لانها تحظي برعاية المرجع الفلاني، وكل من لا ينتخبها يذهب الي
جهنم بلا حساب حتي لو كان من أخيار الخلق، وقد وصل الامر بالملالي الذي انتعشت
تجارتهم الكاسدة الي تسويق مفاهيم محرمة في الاسلام الحق، تهدد الحياة والبيوتات
الزوجية بالخراب، وتدمر العلاقات الاجتماعية وتحدث شرخاًً في المجتمع العراقي.
وصحيح ان مشاركة السنة العرب في الانتخابات المقبلة حاسمة وضرورية من شأنها ان تفضح
دعاة العددية والمظلومية، وتكشف أكاذيبهم، ولكن الصحيح ايضاً ان تريث السنة العرب
مطلوب في هذا الامر، لمعرفة وفق اي قانون تجري العملية الانتخابية، ومن يشرف عليها
وكيف تكون مساراتها وضوابطها؟ كي لا تتكرر تجربة الانتخابات الاخيرة وما رافقها من
عيوب وثغرات قانونية وسطوات ملائية وتهديدات ميليشياوية حزبية، وتزوير سجلات رسمية
وتأجير مصوتين ونقلهم من منطقة الي اخري ومن دائرة الي ثانية، كما حصل في كركوك علي
سبيل المثال، إضافة الي اهمية التدقيق في عراقية الناخبين والمرشحين، بعد ان ثبت ان
عدداً من اعضاء الجمعية الوطنية الحالية لم يتمكنوا من تقديم وثائق وشهادات تثبت
عراقيتهم، ومن هنا فان المستلزمات المطلوبة في الانتخابات المقبلة يجب توافرها قبل
اجرائها وتتلخص في اصدار تشريع قانوني ينظم العملية الانتخابية ويضمن سلامتها
وحريتها ويحظر علي المرجعيات الدينية والميليشيات الحزبية التدخل فيها ومنع غير
العراقيين من المشاركة فيها والتطفل عليها، فقد تبين خلال متابعة الانتخابات
الايرانية الاخيرة، ان السفارة الايرانية في العراق افتتحت اربعة مراكز انتخابية في
بغداد وكربلاء والبصرة والسليمانية، وان الاف الايرانيين اقترعوا فيها، وتبين ايضا
ان أغلب هؤلاء الناخبين الايرانيين في العراق سبق وصوتوا في انتخابات الثلاثين من
كانون الثاني (يناير) الماضي العراقية لصالح قائمة الائتلاف الشيعي.
ولابد أن يتضمن قانون الانتخابات الجديد فقرة تنص علي اعتماد البطاقة التموينية
الصادرة قبل نيسان (ابريل) 2003 أساساً للتصويت نظراً لقيام السلطات الحكومية التي
تقودها الاحزاب الطائفية في البصرة والعمارة والكوت والنجف وكربلاء والناصرية
والديوانية بمنح الاف الوافدين من الخارج هذه البطاقات، إضافة الي ان حزبي بارزاني
وطالباني استقدما بحدود مئة الف كردي من ايران وتركيا وسوريا وقري حدودية نائية الي
كركوك واسكانهم فيها ومنحهم وثائق رسمية مزورة بما فيها البطاقة التموينية.
وبالنسبة للمرشحين في الانتخابات المقبلة، يجب ان ينص قانون الانتخاب علي ان يكون
المرشح من أبوين عراقيين بالولادة والأصل، ولا يحق لمن حصل علي جنسية غير عراقية ان
يرشح نفسه للانتخابات الا بعد تخليه عن الجنسية الاجنبية علناً ورسمياً علي اعتبار
ان وظيفة النائب سيادية، ويمثل شريحة او قطاعاً من الشعب الذي انتخبه، فهل سمعتم او
قرأتم ان الامريكيين انتخبوا نائباً يحمل جنسية ايطالية او يونانية او لبنانية، او
ان الانكليز سمحوا لنائب يحمل الجنسية الفرنسية او الالمانية بدخول برلمانهم، او ان
سنغالياً او كونغولياً يحمل جنسية بلده الاصلي ان يكون عضواً في الجمعية الوطنية
الفرنسية، علماً بان أغلب هذه البلدان وغيرها تسمح بإزدواج الجنسية ولكنها لا تقبل
ان يتولي هؤلاء المناصب السيادية التي هي رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والوزراء
ووكلائهم والسفراء ومعاونيهم ورؤساء المؤسسات واعضاء المجالس النيابية، الا بعد
تخليهم عن جنسياتهم الاصلية ولاحظنا في مصر كيف ان القضاء ابطل نيابة عدد من
الفائزين في الانتخابات التشريعية الاخيرة لامتناعهم عن التخلي عن جنسياتهم
الفرنسية والامريكية. وهناك نقطة اساسية لابد وان تتصدر القانون الجديد للانتخابات
وهي ان مهمة الاشراف علي الانتخابات يجب ان توكل الي هيئة قضائية عراقية بمعاونة
مندوبي الكتل والقوائم الانتخابية، بعد ان اثبتت مفوضية الانتخابات عجزها وعدم
نزاهتها، اضافة الي انها من مخلفات الملعون بريمر.
وعودة الي مشاركة السنة العرب في الانتخابات المقبلة، فان من أولويات هذه المشاركة
تجنب الطائفية والابتعاد عنها والتركيز علي الوطنية العراقية والقومية العربية، ومن
الضروري ان تضم القوائم الانتخابية في المناطق والمحافظات السنية، مرشحين من أصول
وقبائل وعشائر وشخصيات من الشيعة العرب، لحشر الطائفيين الشيعة في زوايا خانقة
وتبديد مزاعمهم التفريقية وكشفهم علي حقيقتهم كأتباع وموالين للتشيع الصفوي وليس
العربي، وقد بات واضحاً ان اكثر ما يوجع دعاة الطائفية من امثال عبدالعزيز الحكيم
وابراهيم الجعفري واحمد الجلبي وباقر صولاغي وعلي علاوي وموفق ربيعي وهادي عامري
والمراجع الايرانيين والافغان والهنود والاذربيجانيين الذين استضافهم العراق العربي
وآواهم واطعمهم وأكرم وفادتهم، تضامن عرب العراق وتآخيهم وتماسكهم وترفعهم علي
المذهبية والطائفية، فهؤلاء العجم باصولهم وافكارهم وتوجهاتهم واهدافهم يحملون
مشاريع لتقسيم العراق وفدرلة مناطقه واقلمة محافظاته العربية، والرد المناسب عليهم
لحصرهم في جحورهم وسراديبهم ودهاليزهم، هو اعلان قوائم انتخابية فيها السني والشيعي
والمسيحي والصابئي بلا استثناء بمعني ان تكون كل قائمة هي عبارة عن اسرة عربية
صغيرة او بيت عربي مصغر يجسد تلاوين واطياف عرب العراق.
ان مقاطعة السنة العرب ومعهم غالبية النخب الشيعية الفكرية والثقافية والاجتماعية
لانتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، حققت اهدافها الوطنية في خلخلة
الائتلاف الشيعي وارباك قوات الاحتلال، واثبتت ان السنة العرب هم الرقم الصعب في اي
معادلة سياسية راهناً ومستقبلاً، وبالتالي فان الازمات التي يعيشها العملاء
والمتعاونون مع الاحتلال حاليا، جاءت نتيجة هذه المقاطعة التي شكلت وثبة وطنية
اعادت الي الاذهان وثبات الشعب العراقي في عشرينات واربعينات وخمسينات القرن
الماضي.اما الذين يتقولون بان مقاطعة السنة العرب للانتخابات الاخيرة كانت خطأ، فهم
في الحقيقة أما سذج لا يفهمون في السياسة وينخدعون بالمظاهر والشعارات المزيفة، او
اصحاب اغراض معينة يخفون وراءها اجندة مستترة ليست لديهم الشجاعة لاعلانها، وقد ثبت
بما لا يقبل الشك ان المقاطعة الشعبية لتلك الانتخابات والمقاومة الوطنية للاحتلال
فرضتا استحقاقات علي الغزاة وأدواتهم ووكلائهم، لا يستطيعون التهرب منها، فليس من
اجل سواد عيون السنة العرب، ولا حباً بمقاومتهم الباسلة ان تتنازل كوندوليزا رايس
عن عنجهيتها وتطالب باشراكهم في العملية السياسية، وليس عطفاً من رامسفيلد ان يرضخ
ويعترف بان الحوار مع المسلحين بات ضرورياً، في الوقت الذي راح مندوبو واشنطن
ومستشاروها وموفدوها في بغداد يتوسلون بالاوساط المقربة من المقاومة والقيادات
السنية للاجتماع والتفاوض واجراء المباحثات معها.
وفي الختام.. الحذر الحذر من الاعيب الامريكان ومحاولاتهم المستميتة لاحداث اختراق
في الصف السني العربي، بعد نجاحهم في اختراق المرجعية وبعض الجماعات والتنظيمات
الشيعية، ونظيرتها الاحزاب الكردية، ومرة اخري مطلوب من الرموز والشخصيات والقيادات
والشيوخ والمثقفين والعسكريين والاكاديميين السنة العرب، ان يظلوا محتفظين بزخمهم
الوطني والقومي والديني، ولا يفرطوا بنتائج مقاطعتهم الجريئة السابقة، ولا يتخلوا
عن مقاومتهم الشجاعة، لانهما السلاح الوحيد المتوفر حالياً لمواجهة المحتلين
ودحرهم، ومنازلة الطائفيين والفيدراليين والانفصاليين وهزيمتهم.