التسونامي. . و الطوفان الحضاري

د. عبدالكريم هاني

 

 

كنت قد اخترت التسونامي موضوعا لكلمتي هذا الأسبوع لمقارنة ما جرى و يجري في العراق بالمد الهائل الذي جرف الجزر و المدن و عشرات آلاف البشر . لكنني فوجئت عندما جلست الى الكومبيوتر بما كتبه العديد من الكتاب الأوروبيين و الأميركان و إجماعهم على تشبيه ذلك المد بالطوفان الذي تعرض له العراق و ما يزال بهدف زرع ( الديموقراطية و الأمن و الإستقرار ) في ربوعه و لذلك فقد قررت أن أنقل للقراء الأعزاء بعض ما كتب هؤلاء و ليس لي فضل إلا في الاختيار و ترجمة ما اخترته .

قالت مارجوري لاسكي تحت عنوان ( عن التسونامي و العراق ) :" انتبه كثير من المراقبين بسبب التخريب الذي أحدثه التسونامي الى التطابق بين المصيبتين بالرغم من أن إحداهما وقعت بفعل البشر و الأخرى بفعل طبيعي و استغربوا أن آخر التقديرات لضحايا كل منهما حوالي 100000 – 125000 ( راجع التقدير المتحفظ الذي أوردته مجلة اللانست الطبية اليريطانية عن عدد الضحايا  المدنيين في الفلوجة .) "

وتحت عنوان (  سونتاغ و تسونامي ) كتبت ريبيكا سولنت :" تستطيع أن تصف ماحصل في العراق بشكل ما هو تسونامي تحرك عشرة آلاف ميل من مركز الزلزال في واشنطن , زلزال في السيباسة و المبادئ افنى عددا لا يحصى من الأرواح و المدن و الأجواء البعيدة , كما يلف الحزن قرب المركز عوائل الجنود القتلى و أصدقاءهم و عشرات الآلاف من الصبية الذين دُفع بهم بعيدا لينفذوا سياسة خارجية فاسدة انتهت بتشويههم بدنيا و نفسيا . و تذكرنا سولنت بأفكار سونتاغ عن دور التصوير في تحقيق استجابة المتلقي عند عرض الأخبار فقد عُرض علينا التسونامي لنرى و نشعر ونتعرف على أكثر ما يمكن حوله , بينما كانت الحرب في العراق حربا غير مرئية – كثير من الصور عنا و قلة عنهم , صورا عن عربات عسكرية محترقة و خرائب عراقية مهجورة و لكن لم نر هنا صور القتلى و الجرحى من المدنييبن كما شاهدنا ضحايا التسونامي ."

و يكتب جورج كاباتشيو تحت عنوان ( أهوال الفانتوم : التسونامي يضرب العراق ) فيصف ما حدث في العراق :" تحركت فجأة طبقات تكتونية سياسية ضخمة في أعماق ضبابية قديمة فسلطت آلاف الأطنان من الضغط المتراكم طيلة عقود من التوتر الداخلي فأرسلت موجات هائلة نحو العراق , و انهارت المقاومة القديمة بسرعة تاركة الناس تحت رحمة قوات أكبر من طاقتهم , و بعد اثني عشر عاما من الحصار و حربين و جور نظام كريه, يعاني أبناء العراق من جرائم ضد الإنسانية  كما يسميها البعض فقد سويت مدن كاملة بالأرض و ترك عشرات الآلاف بدون مأوى بينما تقوم موجات الدبابات و قذائف الهلفاير و الهليكوبتر و الأيف 16 بسحق الكل من الموصل الى البصرة ."

الناشطة هيذر ووكوش كتبت تحت عنوان ( بخيل ؟ ليس لأسلحة الدمار الشامل و للحرب ) :" كتب الكثير عن استجابة الرئيس الاميركي الأولى البخيلة للدمار الذي سببه التسونامي و قيل الكثير عن التناقض بين استجابة بوش هذه و إسراف الولايات المتحدة يوميا في مصروفات الاحتلال . . . من غير الإنصاف أن نتهم الإدارة الأميركية بالبخل لأن لها أسبقيات مختلفة , فقد سبق للبيت الأبيض أن طلب حتى الآن حوالي 100 مليار دولار لمصروفات احتلال العراق عام 2005 أي أكثر من 270 مليون دولار يوميا ( أي أكثر من التبرع الأول لمساعدة ضحايا التسونامي بثماني عشرة مرة ) ."

كذلك يحسب جورج مونبيوت ما صرفته كل من أميركا و حليفها الرئيسي في " تحالف الراغبين " على الحرب طيلة 656 يوما منذ بدئها فيقول تحت عنوان ( ضحايا التسونامي يتحملون ثمن الحرب في العراق ):" أعلنت أميركا تبرعها ب 350 مليون دولار و بريطانيا 96 مليونا لضحايا التسونامي أي ان أميركا تبرعت بما يعادل مصروفها ليوم و نصف يوم , و بريطانيا بما يعادل تكاليف خمسة أيام و نصف من اشتراكها في الحرب . و يزداد الأمر سوءا عندما نقارن ذلك بالمبالغ المخصصة للمساعدات الخارجية فقد صرفت بريطانيا لصنع الكوارث في العراق حوالي ضعفي المبالغ التني تدفعها لمعالجتها في أماكن أخرى بينما تدفع اميركا أكثر قليلا من 16 مليارا للمساعدات الخارجية أي 11% مما أحرقت من أموال في العراق حتى الآن ."

و تحت عنوان الحرب و التسونامي يعزو كريستوفر ديليسو عدم اهتمام أميركا بالكارثة الى " أن سببها كان نتيجة عشوائية لنشاط طبيعي فلم يكن هنالك عامل بشري يوجه إليه اللوم فالقوي لا ينتبه لأفعال الطبيعة لأنها لا تسمح له برد فعل يؤدي الى تغيير النظام أو قصف ( الصدمة و الهلع ) ."

 وقد اتخذ الكثيرون موقفا قويا معارضا – أن الأميركان و ليست الإدارة بالضرورة يستطيعون بسهولة أن يصطفوا ليؤكدوا تعاطفهم مع ضحايا الكوارث الطبيعية التي يبدو أنها بعيدة عن العوامل البشرية أكثر من موقفهم من الحرب حيث تتصادم القوى المزعومة للخير ( الديموقراطية ) وللشر ( المقاومة الإرهابية ) . و تتجنب هذه النظرة طبعا الأسباب الجذرية للكثير من نتائج كارثة التسونامي – الفقر المستديم بين بنية تحتية ضئيلة و منتجعات سياحية و غيرها .

و يلوم إثنان من الكتاب أجهزة الإعلام على ما يظهر من إزدواجيتها تجاه المأساة , فيلاحظ مايك ويتني أن عدسات ( الميديا ) تدقق مجهريا كل جوانب المعاناة فازدحمت الصحف و شاشات التلفزيون بالجثث التي تجرفها الأمواج و الأجسام الممزقة على الساحل و صفوف جثث الأطفال و يتساءل في مقاله ( ازدواجية الأجهزة – العراق أمام التسونامي ) " ألم يعلق تيد كوبل قبل أيام أن ( الميديا ) كانت تحدد تغطيتها لأحداث العراق احتراما لمشاعر المشاهدين الحساسة بما تثيره صور الضحايا ؟ فأعاد كوبل ترديد مقولة أن عرض صور الموتى من العراقيين  ينافي الذوق و يسبب نفور المشاهدين الأميركان ." بينما كتب بيتر فيلبس أستاذ الاقتصاد البريطاني ( مأساة التسونامي تفضح نفاق أجهزة الأعلام .)

و تحت عنوان ( اخرجوا من العراق و ساعدوا ضحايا الزلزال ) كتب ديفد مورس : تحتاج الولايات المتحدة للخروج من العراق حيث لا يريدها أحد و أن تذهب " حيث يريدوننا , حيث تستطيع القوات العاملة على الأرض و الإمكانات اللوجستية الضخمة أن تنقذ حياة الأبرياء . نستطيع أن ننصب أجهزة تنقية المياه الضخمة و المطابخ المتنقلة و مولدات الكهرباء و الجسور و نعاون في المحافظة على النظام ."