البلقنة . . و اللبننة . . و الفتنمة
د. عبدالكريم هاني
أعلنت دولة االعدوان عندما كانت تهيئ لغزو العراق أنها ستخلص العالم من أسلحة الدمار الشامل التي يختزنها و التي تهدد البشرية بالفناء , و حين افتضحت الكذبة التي روجتها عن تلك الترسانة غيرت أهدافها فقالت انها تريد القضاء على الدكتاتورية و أنها ستقيم فيه حكما ديموقراطيا يكون مثالا يحتذى في المنطقة و العالم , و الحق يقال انها صدقت ببعض مما وعدت به فجعلت العراق أمثولة لكل من تسول له نفسه شق عصا الطاعة و المروق عن خط السياسة التي تريد رسمها للعالم . و استعادت في تنفيذ هذه الخطط جميع التجارب الاستعمارية طيلة القرون من عمر البشرية , فبدأت بالتمهيد لبلقنة العراق و تحويله الى كانتونات على وفق التقسيم العرقي و الديني و المذهبي فبدأنا نسمع عن فدرالية في الشمال و أخرى في الجنوب و ثالثة في الغرب , و ربما اكتشف أصحاب هذه الدعوات أنها لا تكفي لأنها لا تأخذ بنظر الاعتبار الخريطة البشرية و لا تتعامل معها بالدقة المطلوبة , فالأكراد على سبيل المثال ينقسمون مثلا , إضافة الى السوراني و البهدناني , الى مسلمين و مسيحيين و يضع بعضهم الأيزديين معهم و مسلموهم ينقسمون الى شيعة و سنة و شبك و هكذا . هل المطلوب اقامة كانتون منفصل ( فدراليا ) لكل فئة من هذه الفئات لتحقيق شخصيتها الثقافية و القومية ؟ و نفس الأمر ينطبق على ( فدرالية ) الجنوب و الشرق و الغرب .. الخ
و نقلت لنا هذه الإدارة التجربة التي ما زال يعاني منها لبنان منذ أكثر من ستين عاما فقرر مندوبها السامي تقسيم أبناء البلد الى طوائف ثلاث و وضع النسب التي ما أنزل الله بها من سلطان لهذه الفئات , و هو يعلم و ( أولياؤه ) يعلمون ان هذا البلد لم يجر فيه إحصاء طائفي طوال تاريخه , ثم بدأ بتقسيم الحصص بين الطوائف على وفق الأرقام التي ابتدعها . و عهد لكل فئة بمسؤولية منصب يصبح حكرا على أبنائها بصورة ليس لها مثيل في العالم إلا في لبنان المبتلى بها , و كل دول العالم يختلط انتماء أبنائها فليس على وجه البسيطة مطلقا شعب نقي سواء دينيا أم عرقيا و يشترك أبناؤهم في مسؤولية بلدانهم دون محاصصة أو احتكار. لقد كانت خيبة أمل كبيرة أن نسمع بعض من كان الناس يتوسمون فيهم بعض الخير يتحدثون عن حصة الشيعة و حقوق السنة و يطالبون بقسمة تراعي تلك الحقوق و الحصص المزعومة .
ثم كان الفصل الأخير ( حتى الآن ) و هي التجربة الأميركية في فيتنام و التي دخلت القاموس السياسي تحت عنوان ( الفتنمة ) , فبعد أن وصلت القوات الأميركية في حربها العدوانية على فيتنام الى أوضاع موحلة , و عندما بلغت الخسائر البشرية بين جنودها الى أرقام لم يعد سهلا هضمها من قبل الشعب الأميركي , و تبينت القيادة استحالة المضي على نفس المسار , وجد المخططون الحل الذي يضمن لهم تنفيذ خططهم و المحافظة على الدم الأميركي الغالي . كان الحل تجنيد أبناء فيتنام الجنوبية لمحاربة أشقائهم أبناء فيتنام الشمالية بعد أن غسلوا أدمغتهم بالحديث عن مخاطر الشيوعية و حسنات الديموقراطية التي تريد أميركا زرعها بينهم لتحقيق الرفاهية إضافة الى دعايات سمعنا أمثالها في العراق ايضا عن اتجاه الشماليين الشيوعيين الى اغتصاب النساء الجنوبيات و غير ذلك . و كانت القيادة الأميركية رابحة بعد ذلك في كل معركة مهما كانت الخسائر البشرية بغض النظر عن أي فريق أصابته . لقد أصبح الفيتناميون الجنوبيون يقاتلون أشقاءهم بالوكالة عن الولايات المتحدة !
هنا بدأت اللعبة العراقية , فاكتشفت سلطة الاحتلال أهمية تشكيل وحدات مقاتلة عراقية لتقاتل من سمتهم ( الارهابيين ) بالنيابة عنها . و اعتنى المشرفون على جمع ( المتطوعين ) لهذه القوات باختيارهم من ( نوعيات ) معينة مع التركيز على أعضاء المليشيات التي صاحبت قوات الغزو , فمنحوا الرتب المغرية و المظاهر البراقة و جرى توزيعهم على المناطق بكل عناية لتأدية الغرض المطلوب . و إذا كانت الولايات المتحدة و عملاؤها من الجنوبيين قد لاقت صعوبة في إقناع الفلاح الجنوبي بخطر الشماليين و تحريضه على القتال ضدهم , فإن بعض ( اللحى ) العراقية تستطيع بسهولة أن تقنع ( المتطوعين ) العراقيين و تثير حماسهم لمقاتلة من ستسميهم (أعداء الدين و الأمة ) و ( الدخلاء ) . و كان ذلك بعبارة أخرى صورة جديدة من الحرب الأهلية التي راهنت عليها أميركا و عملاؤها و هي الحرب التي عمل جميع المخلصين على تجنبها و شرح مخاطرها على وحدة الشعب التي يستمر عمل الجهات المعادية على تفتيتها .
ان العراقيين مدعوون جميعا , و في كل حين , الى الوقوف بحزم أمام ما تخطط له الجهات المعادية لتفتيت وحدة العراق , أرضا و شعبا , و العمل بجد على بناء العراق الموحد القوي الذي يضمن العيش الكريم لكل أبنائه و يضمن حق الجميع في خيراته لا تمييز بينهم بسبب العرق او الدين أو الانتماء الى الريف أو المدينة أو الجبل أو الأهوار . و هم مطالبون جميعا أن يعملوا بجد و إخلاص بكل السبل على إنهاء الاحتلال و استعادة العراق لمكانته بين أشقائه العرب ليعود منارا للحرية و التقدم .