الفيدراليون والانفصاليون يتسابقون لتقسيم
العراق
هارون محمد
ما يحدث في العراق سياسياً وميدانياً يسير الي التقسيم، وبدأت الاحزاب الكردية
والتنظيمات الشيعية المتعاونة مع الاحتلال حملة واسعة لتسريع تنفيذ اجندتها
واهدافها الانفصالية بوضوح وبلا تردد او تحفظ، كما كان يحصل في السابق، مستبقة في
ذلك انسحاباً امريكياً مفاجئاً ً قد يحدث خلال شهور مقبلة بعد أن تزايدت دعوات
الانسحاب داخل الولايات المتحدة الامريكية وصدمت اصداؤها جدران البيت الابيض وحيطان
البنتاغون، ووصلت الي الكونغرس والصحافة والتلفزة واستطلاعات الرأي والجمهور
الامريكي.
ومن ملامح التقسيم ومعالمه الاجرائية، ان البرلمان الكردي المحلي في اربيل واغلب
اعضائه من حزبي بارزاني وطالباني اصدر قانوناً في الاسبوع الماضي نص فيه علي انه ـ
اي البرلمان ـ هو المرجعية السياسية والدستورية الوحيدة لشؤون وقضايا الكرد في
العراق، والزم القانون اعضاء الجمعية الوطنية الاكراد في بغداد، العودة الي برلمان
الاقليم في أي شي يخص (كردستان). وفي قراءة بسيطة لهذين البندين من القانون يتوصل
المرء بلا تعب او عناء الي ان قيادات الاحزاب الكردية ماضية في تنفيذ مخططها
الانفصالي صفحة صفحة، ترافقها تصريحات استفزازية يطلقها بمناسبة وغير مناسبة جلال
طالباني الذي يقال انه رئيس الجمهورية العراقية، يعلن فيها ويطالب بالاسراع في ضم
كركوك بالقوة والاكراه بالمنطقة الكردية دون مناقشة وبلا استفتاء سكانها.
وفي المقابل الشيعي وجد آل الحكيم الذين وفدوا الي العراق واستوطنوا النجف محتفظين
بجنسياتهم الايرانية اعتزازاً، ان الفرصة مواتية للمباشرة في مشروعهم القديم
الجديد، لاقامة جمهوريتهم الشيعية كولاية من الولايات الايرانية علي غرار بلوشستان
وكردستان وخوزستان وعربستان، ويتردد انهم يناقشون مع مراجعهم وانصارهم اختيار اسم
لكيانهم او اقليمهم الشيعي بعد ان رفضوا اسم (سومر) لانه يرمز الي الحضارة
العراقية، وشطبوا اسم (الجنوب) لانه يعني جنوب العراق، وهم لا يريدون اسماً له
علاقة بالعراق وحضارته وتأريخه.
ففي اجتماع نظمه عمار بن عبدالعزيز من آل الحكيم في النجف في السابع من الشهر
الحالي تحت لافتة (المؤتمر الدستوري لعلماء الحوزة العلمية) دعا الي ان يتضمن
الدستور الدائم الذي يرأس لجنته ملا معمم مهنته قراءة التعازي الحسينية نصاً
قانونياً يقول: ان الشيعة في العراق هم اكبر الطوائف في البلاد، ولهم الحق في اقامة
اقليم شيعي في المحافظات التسع، والمقصود بها (الحلة والديوانية والسماوة وكربلاء
والنجف والكوت والعمارة والناصرية والبصرة)، وان يكون لهذا الاقليم هويته الخاصة
وصلاحياته في تسيير شؤونه التنفيذية والتشريعية والقضائية والإدارية والامنية. ومن
المحزن ان يحظي هذا المؤتمر برعاية اية الله علي السيستاني الذي اناب عنه المدعو
احمد صافي ليتحدث باسمه ويضفي علي الحضور بركاته، وهكذا يكون السيستاني قد كشف عن
نواياه الحقيقية تجاه العراق بعد ان ظل الي امد قريب يمارس (التقية).
وقد تزامن صدور القانون الكردي وانعقاد مؤتمر النجف، ظهور اصوات وتنظيم ندوات في
اربيل والسليمانية والنجف والناصرية والعمارة والبصرة وكربلاء ركزت علي عدم امكانية
اقامة الفيدراليتين الكردية في شمال العراق والشيعية في جنوبه، ما دام السنة العرب
يقفون بالضد من هذه المشاريع وقادرون علي اجهاضها لانهم يمتلكون القوة والنفوذ
والحضور والفعالية، ويزدادون تمسكاً بالعروبة هوية وتأريخاً ومستقبلاً، وتتسع
مقاومتهم للاحتلال، لذا فان الحل الوحيد للتخلص من هذا الكابوس الذي يقض مضاجع
الانفصاليين والطائفيين هو (كل واحد يروح بطريقه) بمعني ان لكل طرف او طائفة ان
تختار الطريق الذي يناسبها، في حين ان بعض المتهافتين خلقاً واخلاقاً تجاوز الخطوط
الحمر في شتم السنة العرب الي درجة ان احد العملاء المزدوجين لطهران وواشنطن وهو
عريف هارب من الجيش العراقي ومحكوم عليه بالاعدام لثبوت تخابره وتجسسه لحساب ايران
واغتياله لجنود عراقيين من الخلف في اهوار الحويزة ينشر في صحيفته البائسة التي
يمولها من الاموال والارصدة التي سرقها من مصرفي الرافدين والرشيد في العمارة
واقضيتها عشية احتلال العراق: ان علي السنة العرب ان يعودوا الي صحرائهم يقتادون
علي رمالها.
ولان القوات الامريكية المحتلة تواجه مازقاً حاداً في العراق، وتتعرض الي هزائم
وخسارات متلاحقة وخصوصاً في مناطق السنة العرب، وعدم قدرتها علي بسط سيطرتها عليها،
حسب دراسة الجنرال المتقاعد باري مكافري الذي اوفده الحزب الديمقراطي الي العراق
لمدة شهر للاستطلاع، ويقول فيها: ان القوات الامريكية تخسر في الشهر الواحد كتيبة
واحدة بين قتيل وجريح ومعوق وخارج الخدمة العسكرية، جراء مواجهات مباشرة وهجمات
مسلحة وعبوات ناسفة واخري مفخخة، في الوقت الذي يعترف وزير الدفاع رامسفيلد ان
المواجهة مع من يسميهم بالمتمردين تستغرق اكثر من عشر سنوات، فانها اي قوات
الاحتلال بدأت تشجع القيادات الحزبية والكردية والشيعية من طرف خفي ولكنه واضح، علي
التعجيل في تنفيذ مشاريعها في الفدرلة والاقلمة، واستغلال حالة الفوضي وغياب الامن
والاستقرار لبلورة تلك المشاريع لتكون امراً واقعاً عند انسحاب القوات الامريكية في
المرحلة المقبلة، وثمة آراء تتناقلها اوساط الرئاسة الكردية والحكومة الجعفرية
ببغداد في معرض تخفيفها من وقع وردود فعل دعوات الانسحاب الامريكي من العراق التي
انتشرت في امريكا مؤخراً، بان الانسحاب اذا تم فانه سيقتصرعلي العاصمة بغداد
ومحافظات الانبار والموصل وصلاح الدين وديالي واجزاء من محافظات كركوك والحلة
والكوت، وما يؤكد هذه التكهنات ان مؤتمر النجف حدد في قراراته تسع محافظات في
منطقتي الجنوب والفرات الاوسط التي اشرنا اليها انفاً لاقامة الفيدرالية الشيعية،
فيما تعمل الاحزاب الكردية باستبعاد اقضية كركوك مثل الحويجة والرياض ودبس والطوز
وسليمان بك وعشرات القري والقصبات العربية والتركمانية من محافظة كركوك، وهناك حديث
يتردد في الاوساط الكردية مفاده بان طالباني وبارزاني اتفقا خلال خلوتهما في منتجع
بحيرة دوكان في الاسبوع الماضي ان يتولي البرلمان الكردي ارسال خطاب رسمي الي
الادارة الامريكية يتضمن ابقاء القوات الامريكية في المنطقة الكردية لعشر سنوات
مقبلة واستعداد مسعود باعتباره رئيس اقليم كردستان توقيع اتفاقية او معاهدة مع
الامريكيين بهذا الشأن، نظراً للصلاحيات الممنوحة له من البرلمان الكردي. وفي هذا
السياق نفسه تأتي مناشدة رئيس الحكومة الانتقالية ابراهيم الجعفري الذي هو احد
اقطاب الائتلاف الشيعي للرئيس الامريكي بضرورة استمرار قواته في العراق وعدم سحبها
او جدولة انسحابها.
ولعلها ليست من المصادفات استمرار الهجمات الامريكية وتواصلها في محافظات الانبار
والموصل وديالي وتكريت وكركوك ونظيرتها الصولاغية في العاصمة بغداد، فهذه الحملات
العسكرية القاسية والصاخبة في آن، لا تهدف الي التنكيل والتقتيل بسكانها واعتقال
الالاف من ابنائها فحسب، وانما ترمي الي هدف شيطاني اخر يتمثل في عزل بغداد
والمحافظات ذات الطابع والكثافة السنية ورسم خطوط عسكرية وحدود جغرافية تفصلها عن
الشمال العراق وجنوبه، خاصة وان تقولات صاحبت هذه الحملات من قيادات كردية وشيعية،
تشير علناً الي ان السنة العرب تعودوا علي السلطة والانقلابات ولا يستسيغون او
يقبلون حكم الشيعة والاكراد، وان موقفهم الرافض للاشتراك في العملية السياسية
والانتخابات الاخيرة يؤكد انهم لن يسمحوا باقامة فيدراليات كردية وشيعية، حتي ان
احد اعضاء الجمعية الوطنية من الائتلاف الشيعي ظهر في ندوة تلفزيونية تناولت قرار
موضوع حل الجيش العراق قال بالفم المليان ان اعادة الجيش السابق او بعض قطاعاته
يعني ان انقلاباً سيحدث وبيانات رقم واحد ستصدر، لان منتسبي ذلك الجيش ينحدرون من
مناطق معروفة، دون ان يدرك هذا الوافد من خلف الحدود ان ثلاثة ارباع الجيش العراقي
السابق ضباطاً وجنوداً ومراتب من اصول ومناطق شيعية ولكنها شيعية عربية وليست
ايرانية او هندية او اذربيجانية.
ويبدو ان الكاتب والسفير حسن العلوي، التقط انزلاق قيادات الاحزاب والتنظيمات
والمرجعيات الشيعية الي التقسيم، ففي فصل نشر مؤخراً علي المواقع الالكترونية من
كتاب جديد له صدر حديثاً عنوانه (العراق الامريكي) يحذر العلوي الشيعة من مغبة
القبول بتقسيم العراق وانشاء دولة شيعية في الجنوب، ويتساءل ما دام الشيعة هم
الاكثرية في العراق، فلماذا التطلع الي دولة شيعية في بلد هم اغلبية سكانه؟!
ويلمح العلوي بان دولة السنة العرب اذا ظهرت بعد تقسيم العراق، وهي تمتد من محافظة
ديالي شرقاً مروراً بالعاصمة بغداد في القلب وانتهاء بالرطبة غرباً صعوداً الي
الموصل شمالاً، فانها هي التي ستجسد العراق فعلياً، وتمثل الدولة العراقية عربياً
واقليمياً ودولياً، خصوصاً وان المحيط العربي وتركيا سيكونان حتماً مع هذه الدولة.
ولكن تحذيرات العلوي المتهم في الاوساط الشيعية الطائفية بـ(شيعيته القلقة) ذهبت
ادراج الرياح لان صاحبها معجب بالخليفة عمر بن الخطاب والامام ابو حنيفة النعمان.
ومن جانبه نشط احمد الجلبي وهو يشاهد حلفاؤه الحكيم والجعفري وطالباني وبارزاني
يحثون الخطي علي طريق الفدرلة والانفصال، فجمع حوله نفر من المغمورين والانتهازيين
يتقدمهم مخبر سابق في المخابرات السورية بدرجة (عضو قيادة قومية) ومولهم لتشكيل
منظمة صورية تدعو الي انشاء اقليم الجنوب يضم المحافظات الثلاث (البصرة والعمارة
والناصرية) عقدت مؤتمراً لها الاحد في البصرة كانت قراراته هزيلة كالعادة.
ويعتقد الجلبي بان اقليم الجنوب الشيعي يجب ان يقتصر علي المحافظات الثلاث لسهولة
السيطرة عليها ووجود النفط فيها، ويري في دعوة ال الحكيم بشمول تسع محافظات في
مشروعهم مسألة غير عملية وتستنزف جهوداً واموالاً طائلة.
تبقي ثمة ملاحظة لابد من الاشارة اليها وتتعلق بجهود الفيدراليين ومساعي اصحاب
دعوات الانفصال المحمومة التي تصاعدت خلال الايام والاسابيع الماضية وخاصة بعد
انباء الاتصالات الامريكية مع اطراف في المقاومة العراقية التي يقودها السنة العرب،
وهو امر يبدو انه اثار مخاوف الجماعات الكردية والشيعية علي مستقبلها السياسي، رغم
ان هذه الاتصالات ما تزال في بداياتها، ولا يمكن التكهن بنتائجها منذ الان وامامها
طريق شاق وطويل.
وختاماً.. لا بد من التأكيد علي قضية فاتت علي دعاة جمهوريات الخرافات والاقاليم
والفيدراليات وهي: ان المشاريع التي تولد من ارحام عرقية وطائفية وغير وطنية، تظل
غير طبيعية، ولن تعمر طويلاً، هكذا علمنا التأريخ قديماً وحديثاً.