((لم تحظ حركة 18 تشرين/ 1963، مثل غيرها من التغييرات والحركات والانتفاضات التي قادها الجيش العراقي بالإحاطة الكاملة عن حقائقها او في التحليل والدراسة...

 البعض اعتبرها حركة تصحيحية ضرورية لإنهاء حالة الفوضى التي اغرق نظام  8شباط البلاد فيها، وأخرون ممن كانوا جزءاً من صراع سلطة شباط اعتبروها ردة، وأنضم إليهم بعض ممن اسهم في التخطيط والتحريض على الحركة وتنفيذها، لاسيما بعد 17تموز/1968، وقبل التقييم والتحليل والحكم على هذه الحركة، لابد من التعرف على ما جرى قبيل وأثناء تنفيذ الحركة، ما هي المقدمات ومن هي القوى والعناصر التي خططت ونفذت الحركة؟ وإذا كان الشاهد الرئيس على ما جرى هو الأستاذ صبحي عبد الحميد، الذي كان يشغل منصب مدير الحركات العسكرية في وزارة الدفاع، فأننا حقاً سنكون أمام الحقائق من دون تزيين أو تزييف أو تجاهل)).

 

حركة 18 تشرين ثاني 1963

الاستاذ صبحي عبدالحميد

 

وَلَدَ  تشكيل المجلس الوطني لقيادة الثورة بعد ثورة 14 رمضان تذمراً واستياء واسعاً ومؤثراً لدى قسم كبير من الضباط البعثيين الذين ساهموا فعلاً في تنفيذ الثورة صباح يوم 8 شباط 1963. وكان يعتقد بعضهم انه اجدر للانضمام الى المجلس الوطني من بعض أعضائه فبدءوا يتذمرون وينتقدون هذا البعض وتصرفاتهم السابقة واللاحقة. وكان النقد موجهاً بصورة خاصة ضد العقيد الركن خالد مكي الهاشمي الذي لم تخبره القيادة بموعد الثورة على الرغم من أن كتيبته كانت رأس رمح الثورة والتحق بها بعد سماع بيان الثورة من دار الإذاعة. وكان الانتقاد موجهاً إلى الرائد أنور الحديثي والنقيب منذر الونداوي بدعوى ان رتبهم العسكرية كانت صغيرة لاتوازي  او تقل عن رتب الضباط المتذمرين. وكان يقود المتذمرين الرائد الركن محمد حسين المهداوي الشديد الطموح  وكان يشغل منصب سكرتير وزير الدفاع .  وكان من جملة المتذمرين العميد رشيد مصلح الحاكم العسكري العام والعقيد سعيد صليبي امر الانضباط  العسكري والرائد الركن جميل صبري مدير الأمن العام والرائد علي عريم والرائد صلاح الطبقجلي وكان لهؤلاء تأثير على بعض ضباط الحزب من رتبة نقيب وملازم. ولم يكف الرائد محمد حسين المهداوي من تذمره وطموحه حتى بعد ان عُين ملحقاً  عسكرياً في دمشق ومُنح رتبة عقيد إلا ان رئيس الجمهورية رفض توقيع المرسوم الجمهوري بترفيعه لأنه في اعتقاده لا يستحق ذلك. إلا ان وزير الدفاع سمح له بحمل رتبة عقيد في دمشق أما فرق راتبه ، فكانت الاستخبارات العسكرية تدفعه من مخصصاتها السرية. واستغل المتذمرون تصرفات الحرس القومي غير المسئولة والمستحبة وتدخلهم في شئون  الدوائر المختصة كالشرطة والأمن والتوقيف الكيفي للمواطنين في التأثير على باقي الضباط والمدنيين البعثيين الذين كانوا بدورهم قد لمسوا أخطاء الحرس القومي.

وكان هذا التذمر والحسد عاملين مهمين في تصدع الحزب داخل الجيش. وكان صراع أخر في الجناح المدني للحزب وفي أعلى مستوياته يدور بين قطبي الحزب الكبيرين علي صالح السعدي أمين  سر القطر وحازم جواد الذي كان يعتقد انه اجدر من علي صالح لأمانة السر. وكان يؤيد حازم ويسنده بقوة القطب لثالث طالب شبيب، بينما كان محسن الشيخ راضي وهاني الفكيكي وحمدي عبد المجيد يؤيدون علي صالح. فأنقسم الحزب منذ البداية إلى جناحين. واخذ كل جناح يبحث عن الأنصار في صفوف الحزب المدنيين والعسكريين. ولم يكن طابع هذا الانقسام فكرياً أو أيديولوجيا، بل شخصياً بحتاً.  وان تسمية جناح السعدي  بالجناح اليساري، وجناح حازم بالجناح اليميني كانت خاطئة.  اذ لم يكن بينها أي جدل على أي أمر يمس عقيدة الحزب. وكانت الاتهامات متبادلة بين الجناحين على التصرفات الشخصية وعلى الممارسات الحزبية والرسمية الخاطئة. وقد انتصر جناح حازم في أيار 1963 بتنحي السعدي من منصب وزير الداخلية وعين بدلاً عنه حازم جواد وتسلم هو منصب وزير الإرشاد وسيطر على اجهزة الاعلام.

وتوجه الجناحان إلى الجيش وهما يزمعان كسب الأنصار والمؤيدين منه، وكان كل منهما يسعى الى كسب زير الدفاع صالح عماش القطب المهم الآخر في الحزب. وكان صالح حائراً بين الجناحين، وشعر انه عنصر أساسي يسعى الطرفان الى كسبه. فأراد ان يزيد في رصيده بالإيحاء إليهما بأن القوى القومية في الجيش تسانده وتدعمه. فأخذني معه بدون  مناسبة الى دعوتين أقيمت له. الأولى أقامها علي صالح السعدي ومدير الشرطة العام احمد امين في إحدى بساتين الكاظمية، والأخرى في بيت حازم او طالب. وقد حدست الغرض من اخذي معه بعد ان بين لي الرائد علي عريم سكرتير وزارة الدفاع سعي  الطرفين لكسب صالح. ولقد مال صالح في بداية الأمر الى جناح حازم ولكنه لما عرف أن منافسه  القوي على منصب وزارة الدفاع  المقدم الركن عبد الستار عبد اللطيف  عنصر أساسي في جناح حازم تخلى عنهم واصبح محسوباً على جناح السعدي. وكان عبد الستار منذ البداية يطمح أن يتولى منصب وزير الدفاع، ولكن الحزب فضل صالح عليه لقدمه في الحزب ولأنه قبل الثورة كان مسؤولاً عن المكتب العسكري، ولأنه عضو في القيادتين القطرية والقومية. وكان لعبد الستار تأثير على بعض الضباط البعثيين الذين انظموا إلى الحزب بعد انضمامه إليه في سنة1961، مما كسب حازم قوة. كما مال إليهم ضباط آخرون تعاونوا مع الحزب قبل الثورة وبعدها، كرشيد مصلح الحاكم العسكري العام، وسعيد صليبي أمر الانضباط العسكري وعدة بعثيين بالرغم من انهم لم يفقهوا أسس الحزب وأهدافه، وكانا يعتقدان انه الأقدر على إزاحة عبد الكريم قاسم. وكان لهذين الضابطين تأثير على عدد لا يستهان به من ضباط البعث الذين كان ارتباطهم الحزبي ضعيفاً. وهكذا انعقدت وحدة الحزب. وكانت تصرفات الحرس القومي المحسوب على جماعة علي صالح والمؤيد القوي له، صيداً ثميناً لجماعة حازم، فأخذوا ينتقدونها سراً وعلانية، فكسبوا بذلك عدداً من الحزبيين العقلاء وخاصة المثقفين منهم الذين كانوا بدورهم غير راضين عن هذه التصرفات.

كان رئيس الوزراء العميد الركن احمد حسن البكر نفسه ينتقد تصرفات الحرس وغير راضي عنها. كما كان يرغب في الانفتاح على القوى القومية الأخرى، ويحاول كسبها الى جانب الحزب، لأنه كان يعتقد أن الحزب نفسه هو حزب قومي لا يمكنه الابتعاد او الاستغناء عن القوى التي تشاركه في الأهداف نفسها. وكان رئيس أركان الجيش الفريق طاهر يحيي يؤيده في هذه التوجه. أما الرئيس عبد السلام عارف فكان يراقب هذا  الصراع ويشجعه وكان شديد الكره لعلي صالح الذي كان لا يحترم مقامه رئيساً للجمهورية ويحسب نفسه بصفته أمين السر العام للحزب اكبر من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. فتعاون عبد السلام مع جناح حازم الذي كانت تربطه علاقات صداقة معه قبل الثورة وكان يحترمه ويحترم مكانته ومقامه. وكان عبد السلام يقول بعد حركة تشرين انه تعاون مع جناح حازم - طالب أنه كان أهون الشرين. أن هذا الصراع داخل الحزب اضعف الأسس التنظيمية والعقائدية والأخوية في بنية الحزب. ووصلت الحال في ذهن المتصارعين بضرورة حسم الموقف بالقوة. في وسط هذه الأجواء والتناقضات والصراعات عقد المؤتمر القطري الخامس لحزب البعث اجتماعه في مبنى المجلس الوطني في 11/11/1963 لانتخاب قيادة قطرية جديدة.

وقد  أعدت جماعة حازم جواد بالاتفاق مع بعض الضباط الموالين لها خطة لاعتقال مجموعة علي صالح السعدي أثناء الاجتماع وتسفيرهم خارج العراق، وانتخاب قيادة قطرية جديدة يكون اغلبها من جماعة حازم. وهكذا أحاطت سرية من الانضباط العسكري مبنى المجلس الوطني الذي انعقد فيه المؤتمر، ودخلت مجموعة من الضباط قاعة الاجتماع  وأحاطت بالمجتمعين وجردت بعضهم من سلاحه. وكان على رأس المجموعة  الرائد محمد حسين المهداوي الذي جاء من دمشق خصيصاً لهذه الغاية. وكان معه، العقيد سعيد صليبي والمقدم فهد جواد الميرة والرائد علي عريم والرائد جميل صبري والرائد صلاح الطبقجلي والنقيب زكريا السامرائي. وقف محمد حسين المهداوي خطيباً وعدد اخطاء مجموعة علي صالح السعدي، وتصرفات الحرس القومي، وهاجم صالح مهدي عماش.

ثم تلا انتخاب قيادة قطرية جديدة تألفت من:.

احمد حسن البكر- طاهر يحيي- حازم جواد- طالب شبيب - عبد الستار عبد اللطيف- صالح مهدي عماش- محمد حسين المهداوي- كريم شنتاف- طارق عزيز- عدنان القصاب- فؤاد شاكر مصطفى-  فايق البزاز- علي عريم- عبد الستار الدوري- منذر الونداوي- حسن الحاج وادي.

اتخذت هذه القيادة قراراً بإبعاد:.

علي صالح السعدي- هاني الفكيكي- محسن الشيخ راضي- حمدي عبد المجيد أبو طالب الهاشمي إلى خارج العراق.

لم يعترض أنصار علي صالح في القيادة الجديدة على الأبعاد خوفاً من ان يشملهم هم أيضاً، وكان أشدهم هدوءاً منذر الونداوي الذي وافق على القرارات ولكنه كان يدبر في نفسه أمراً لإجهاض هذه القرارات وإعادة الشرعية إلى الحزب حسب رأيه بالقوة كما انتزعها المتآمرون على الحزب كما كان يعتقد بالقوة أيضاً. وأعدت للمبعدين طائرة خاصة نقلتهم في الليلة نفسها إلى أسبانيا. وقررت القيادة الجديدة حل الوزارات  السابقة وتشكيل وزارات جديدة برئاسة احمد حسن البكر تضم عناصر بعثية معتدلة، وبعض العناصر القومية الوحدوية. وبدأ رئيس الجمهورية الذي أبدى فرحه الشديد بهذا النصر ورئيس الوزراء يستعرضان الأسماء لتشكيل الوزارة إلا أن الأحداث تسارعت كما سيتضح في الصفحات التالية وجمدت فكرة التشكيل الوزاري الجديد لحين انجلاء الأمور.

في مساء اليوم نفسه 1963/11/11 وقبيل الاجتماع المذكور استدعاني الفريق طاهر يحيي إلى مكتبه وطلب ألي البقاء في مكتبي في تلك الليلة. ولما سألته عن السبب! قال :

ان قيادة الحزب ستعقد مؤتمراً هاماً هذه الليلة وسيكون جميع المسؤولين والكادر الحزبي المتقدم فيه، ولضمان أمن البلد لابد من أن يبقى بعض المسؤولين في مكاتبهم لاتخاذ تحوطات الأمان إذا ما حدث حادث ما وأنت مدير الحركات العسكرية وتستطيع أن تحرك القطعات العسكرية لمعالجة المواقف في غيابي وغياب وزير الدفاع.

ولم يخطر ببالي أي شك أو شبهة في كلامه، واعتبرت الأمر زيادة في الحذر لا مبرر لها، ولم يتسرب لي أي خبر عما سيجري في هذا المؤتمر. وفوجئت بأحداثه عندما اخبرني به الفريق  طاهر عند عودته إلى وزارة الدفاع في منتصف تلك الليلة.

كان يوم 11 تشرين ثاني سنة 1963 هو البداية الحقيقية لحركة 18 تشرين فقد بدأ الصراع بين جناحين في الحزب وفي هذا اليوم انتهى الى صراع بين الدولة والحزب . وفي هذه الليلة أيضا صدر أمر بوضع الجيش بالإنذار حتى أشعار آخر تحسباً وتحوطاً لأحداث غير متوقعة.

وحال خروج منذر الونداوي من الاجتماع بدأ يتصل بقيادة فرع بغداد للحزب التي كانت موالية لعلي صالح وبالحرس القومي ليعد انقلاباً ضد الانقلاب الذي حصل في مبنى المجلس الوطني. بدأ الحرس القومي في يوم 12/11/963  ينتشر في شوارع بغداد وأزقتها، وأخذ يعترض سيارات الضباط ويفتشها مما زاد في تذمرهم خاصة ذوي الرتب العالية.وحصل اعتداء كلامي على مدير الإدارة العميد مدحت  السيد عبد الله الذي انتمى مؤخرا للحزب.فجاء الى مقر الوزارة يشكو وهو غاضب وفي اشد حالات الهياج والتذمر ويطلب اتخاذ إجراءات فعالة بوقف هذه التصرفات. فطيبت خاطره وقلت له: انهم شباب لا يقدرون عاقبة أفعالهم ويتصرفون تصرفاً ذاتياً.مر يوم 12/11 بسلام، وما كادت شمس صباح يوم 13/11 تبزغ حتى سمعنا ازيز طائرة هنتر تمر من فوق مبنى وزارة الدفاع، وبعد لحظات سمعنا دوي الانفجارات، حيث قصفت مبنى الانضباط العسكري فلم تصبه، وكان الهدف تدمير القوة الرئيسية التي لم يكن لحزب البعث( جماعة علي صالح السعد) نفوذ فيها.

ثم علمنا ان الطيار سبق له ان قصف مطار معسكر الرشيد ودمر أربع طائرات ميك19، ثم قصف مبنى القصر الجمهوري فلم يصبه.وكان الطيار هو المقدم منذر الونداوي الذي اتفق مع قيادة فرع بغداد للحزب وقيادة الحرس القومي( دون علم قائده الجديد)على السيطرة على بغداد، وذهب الى الحبانية حيث كان يشغل منصب قائد الجحفل الجوي التعبوي بعد ان أُبعد من منصبه قائداً للحرس القومي. وأتفق مع أمر القاعدة الجوية فيها وطار بطائرة هنتر ونفذ عملية القصف. لم تكن في الحبانية سوى طائرات الباجر القاصفة حيث كانت طائرة الهنتر في الموصل تشترك في قمع عصيان الملا مصطفى البارزاني. ولقد أمر حردان امر القاعدة الجوية في الموصل بأرسال طائرتي هنتر الى الحبانية لتكون جاهزة للاستخدام عند الضرورة. وصلت الطائرتان يوم 12 تشرين الى مطار الهضبة في الحبانية وذهب طياراها الى داريهما في الحبانية حيث كانا أصلا من سكنة الحبانية. وهما الرائد حميد شعبان والنقيب عادل سليمان وتركا طائرتيهما مسلحتين في مطار الهضبة.

وصل منذر الى الحبانية في الساعة الثانية من ليلة12/13 تشرين واجتمع مع امر القاعدة الرائد الطيار يونس محمد صالح وشرح له الموقف ثم جمع الضباط والمراتب البعثيين في القاعدة وشرح لهم الموقف وطلب مساعدتهم فاتفقوا جميعاً معه. ثم امر بتسليح طائرة باجر لقصف مقر رئاسة الجمهورية في بغداد. إلا ان امر القاعدة نصحه باستخدام إحدى طائرتي الهنتر. وهكذا كان. وبعد الاتفاق مع رئيس أركان الجيش اتصلت بوكيل قائد الفرقة الثالثة في الحبانية العقيد الركن حسن عبد اللطيف وطلبت منه السيطرة على القاعدة الجوية فيها واعتقال منذر الونداوي ومنْ ساعده على الطيران. ومنعه من الطيران ولو ادى ذلك الى استخدام القوة.

ومن خلال حديثي مع القائد وجدته متردداً، فطلبت من المقدم الركن علي حسين جاسم مدير الشعبة الاولى في مديرية الحركات العسكرية الذهاب الى الحبانية ومساعدة وكيل القائد والسيطرة على الحبانية وقاعدتها الجوية.فذهب وقام بواجبه بصورة جيدة، وبقى فيها حتى يوم 19 تشرين. امر حردان فوراً آمر القاعدة الجوية في كركوك بإرسال طائرتي ميك الى الحبانية لتدمير طائرتي الهنتر.فطار كل من الرائد نعمة الدليمي والنقيب محمد جسام ودمرا طائرتي الهنتر وهما جاثمتين على مطار الهضبة وهكذا وفي يوم واحد خسرنا ست طائرات نتيجة هذا الصراع الحزبي.لم تكن في الحبانية وحدات مدرعة يستخدمها وكيل القائد لغلق المطار. لذلك أمرت كتيبة المدرعات السورية الموجودة في الحبانية بتنفيذ هذا  الواجب. ولقد اطاع امر الكتيبة السوري البعثي هذا الامر بعد ان عرف من منذر الونداوي ان هناك صراعاً داخل الحزب، ولما لم يتلق أي أوامر من مراجعه في سورية فضل ان يقف مع السلطة الشرعية مادامت هي طرف في هذا الصراع، فارسل مدرعاته فأحاطت بالمطار ووقف قسم منها على مدرج المطار لمنع الطائرات من الطيران.ولما رأى منذر الونداوي ان الموقف تطور واصبح في غير صالحه هرب مع امر القاعدة وضابط اخر بسيارة امر القاعدة الى سورية. وبعد قيام منذر الونداوي بقصف بغداد أخذت الأخبار ترد إلينا من مختلف المصادر. فعرفنا بأن الحرس القومي سيطر على دار الإذاعة في الصالحية ومراكز الشرطة ودوائر البرق والبريد وبعض دوائر الدولة الحساسة.فتداولت مع رئيس اركان الجيش في هذا الشأن، واتفقنا على الاتصال برئيس الوزراء لاخذ رأيه بما يجري واخباره بالإجراءات التي اتفقنا على القيام بها، فأتصل به الفريق طاهر يحيي، فوافق على إصدار بيان بحل الحرس القومي ووضع الجيش بحالة إنذار قصوى، واذا اضطر الموقف نستخدم بعض وحداته لاستعادة المراكز والدوائر المحتلة، وإصدار بيان لمنع التجول.

وبينما نحن ننفذ هذا الاتفاق، دخل علينا صالح مهدي عماش وزير الدفاع حيث كان في تلك الليلة نائماً في داره، وتهجم على منذر الونداوي وسأل عن الإجراءات، ولما اخبره الفريق طاهر  بأن رئيس الوزراء يعد بياناً بحل الحرس القومي، قال:

هذا خطأ.واخذ التلفون وتكلم مع العميد احمد حسن البكر وأقنعه بالعدول عن فكرة إصدار مثل هذا البيان في الوقت الحاضر. ولقد فهمت من مجرى المكالمة ان صالح كان مجمداً حزبياً منذ ليلة أمس كوزير للدفاع لانه قال لأحمد حسن: (هل أستطيع الان ان أمارس واجباتي كوزير للدفاع، وهل اعتبر قرار التجميد ملغياً). ثم ناول السماعة للفريق طاهر يحيي الذي أخبر رئيس الوزراء بأن قرار تجميد صالح قد ألغيَّ  وهو الان يمارس صلاحياته كافة.

وبعد انتهاء المكالمة اخذ صالح يصدر الأوامر. ثم ذهب الى مكتبه واتصل مرة ثانية بأحمد حسن البكر وأتفق معه على إصدار بيان مشترك بأسميهما موجهاً للحزب. وذهبا فعلا الى دار الإذاعة، إلا ان الحرس القومي اعتقلهما ووجه لبعضهم كلاماً قاسياً وغير لائق للبكر، فتدخل بعض الضباط وأطلقوا سراحيهما وصدر البيان الذي سميَّ ببيان (الأخوين) يتكلم عن وحدة الحزب وانتهاء الأزمة.

اعتبرت قيادة فرع بغداد للحزب نفسها القيادة القطرية الشرعية للحزب وأخذت تمارس واجباتها، ولم تعترف بالقيادة الجديدة التي انتخبت يوم 11/11/963، وطلبت كحل للمشكلة تسفير طالب شبيب وحازم جواد ومحمد حسين المهداوي الى خارج العراق أسوة بتسفير علي صالح ومجموعته. وتم تسفيرهما في اليوم نفسه. وفي يوم 14 تشرين ثاني أصر عبد الستار عبد اللطيف على السفر، فسافر ومعه جميل صبري مدير الأمن العام ومحي محمود مدير الاستخبارات العسكرية ووجهتهم جميعاً كانت بيروت.وكان سفر عبد الستار ورفيقه سببه الخوف بعد أن تأكد لديهم سيطرة فرع بغداد والحرس القومي على الوضع وان العقاب سينالهم لأنهم كانوا من أبطال حركة يوم 11/11/963.

وصل الى بغداد يوم 13/11/963 بعض أعضاء القيادة القومية لحزب البعث قادمين من دمشق بناءاً على طلب صالح والبكر وهم ميشيل عفلق- أمين الحافظ- صلاح جديد-جبران مجدلاتي- عبد الخالق النقشبندي وكان الهدف من استدعائهم هو المساهمة في معالجة الموقف المتأزم في الحزب والذي بات يهدد مصير الحزب والحكم معاً.

وكانت معالجة القيادة القومية للأمور خاطئة حيث التزمت جانب مجموعة علي صالح. فأصدرت في يوم 15 تشرين ثان بياناً تدين فيه الاعتداء على الشرعية الحزبية، واعتبرت ما حصل في المؤتمر القطري الذي عُقد يوم 11/11 غير شرعي ومنافياً للتقاليد الحزبية،  وانه انقلاب على القيادة الشرعية للحزب، وحلت القيادة القطرية المنبثقة عنه، كما حلت القيادة القطرية القديمة،  وقررت ان تتولى القيادة القومية مسؤوليات القيادة القطرية في العراق، والتحقيق في كافة الأخطاء التي حدثت منذ تسلم الحزب مسؤولية الحكم. وقررت القيادة القومية حصر صلاحية اتخاذ العقوبات بحق الحزبيين التابعين للتنظيم في العراق بالقيادة القومية، كما قررت إجراء الانتخابات الحزبية في القطر العراقي بمراحلها كافة، وعقد مؤتمر قطري لانتخاب قيادة قطرية جديدة في مدة لا تتعدى اربعة اشهر. كما أجلت في الوقت الحاضر عودة المبعدين الخمسة الذين ابعدوا الى أسبانيا بصورة غير شرعية. وكان اهم قرار يجب ان تتخذه هو حل الحرس القومي لانه المسؤول الأول عن كل أخطاء الحزب وبسبب تذمر الشعب والحزبيين المعتدلين معاً.

ثم أخذت القيادة القومية تدرس مع قيادة فرع بغداد تشكيل وزارة جديدة برئاسة السيد احمد حسن البكر، إلا ان قيادة فرع بغداد التي كانت تسيطر على الحرس القومي ويتبعها معظم الجهاز الحزبي في بغداد أصرت أولاً على تنحية عبد السلام عارف من رئاسة الجمهورية وتنحية كل الذين شاركوا أو تعاونوا ضد الشرعية الحزبية في يوم 1963/11/11. واستخدمت قيادة فرع بغداد أجهزة الإعلام التي كانت تسيطر عليها من صحف وإذاعة وتلفزيون في استفزاز الطرف الحزبي الآخر وكيل الشتائم والاتهامات لهم. واعتبرت ما حدث يوم 13 تشرين ثاني انتفاضة بطولية قادها الحزب لإعادة الشرعية وان عمل منذر الونداوي المتفق معها عملاً بطولياً. أغاضت هذه البيانات والاستفزازات الضباط الذين شاركوا في أحداث يوم 11/11 وخشوا من ان اتفاق القيادة القومية مع قيادة فرع بغداد سيؤدي الى عودة علي صالح السعدي ومجموعته فينالوا العقاب ولربما يؤدي ذلك إلى إعدامهم، وهذا الاحتمال دفعهم الى العمل بسرعة لإنهاء الوضع لصالحهم ، وكان هذا دافعاً أساسياً لاقتناع كثير من ضباط البعث بالاشتراك في حركة 18 تشرين.

شكلت القيادة القومية مكتباً عسكرياً مؤلفاً من: صالح مهدي عماش- طاهر يحيي- ذياب العلكاوي- علي عريم- حردان التكريتي- منذر الونداوي- سامي سلطان- عبد اللطيف الحديثي. ويلاحظ ان هذا المكتب يضم أعضاء من الجناحين المتنافسين وبالأخص يضم منذر الونداوي الذي قصف بغداد وكان هذا بمثابة مكافأة له وتثمين جديد لعمله. زارني في مكتبي صباح يوم 14 تشرين ثاني 963 العميد رشيد مصلح والعقيد سعيد صليبي ، وشرحا لي الموقف بكل تفاصيله، وطلبا مني ان أساعدهم بإنقاذ البلاد من الفوضى ومن الأزمة التي أخذت تتطور. وقالا انهما اتفقا مع حردان التكريتي قائد القوة الجوية ومع آمري كتائب الدبابات في بغداد  في طلب المساعدة مني ومن الضباط القوميين للقيام بعمل مشترك والتخلص من هذه الفوضى ومسببيها. واتصل سعيد هاتفياً مع حردان وأخبره بأنه يحدثه من مكتبي. فطلب منه حردان ان يحدثني شخصياً. وعندما بدأت أكلمه شعرت ان في صوته بحة وألماً وهو يقول:-

( أخي صبحي... البلد في خطر ولابد من تضافر جهودنا وجهودكم لإنقاذه، واني مع كل ما قاله لك رشيد وسعيد، فأرجو ان تعاوننا بصفتك القومية وبصفتك مديراً للحركات). وفي هذا الحديث تأكد لي ان الجماعة يطلبون العون مني بصفتي الرسمية وبصفتي الشخصية كضابط له نفوذ كبير في أوساط الضباط القوميين في الجيش، حيث كانوا يعولون على اشتراكهم  في أية عملية تهدف الى التخلص من الحرس القومي ومن الجناح المساند لعلي صالح السعدي الذي كان لا يزال له نفوذ كبير في صفوف البعثيين في الجيش والحزب.

وبعد انتهاء المكالمة ألتفت إلى رشيد وسعيد وقلت لهما: ( ان الخلاف بينكم انتم الحزبيين، فعليكم وحدكم حلّ مشاكلكم، ولا تزجوا الجيش في هذا الصراع الحزبي. وأني لست مستعداً ان أيزج بنفسي بهذا الصراع، ولكني سأنفذ أوامر السلطة الشرعية المتمثلة برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء على ان أتسلم هذه الأوامر من رئيس أركان الجيش مرجعي المباشر).

وكنت اهدف من ذلك أن ألفت نظرهم بأن الصراع تحول من صراع بين جناحي الحزب الى صراع بين الحزب والسلطة الشرعية. بين الحزب والدولة خاصة بعد سيطر الحرس القومي عل معظم مرافق الدولة ومن ضمنها الإذاعة والتلفزيون ودوائر البرق والبريد وبعض مراكز الشرطة، فيكون مبرراً  لزج الجيش بأكمله وخاصة القوى القومية فيه في الحركة. ولقد تحول الصراع فعلاً بعد يوم 11/13 عندما قام منذر الونداوي بقصف مراكز الدولة الحساسة، وسيطر الحرس القومي على النقاط الهامة الى صراع بين الحزب والدولة، وبلغ اوجه في يوم 18 تشرين ثاني 963 وستثبت الأحداث التالية ذلك.

بعد هذا النقاش تركني رشيد وسعيد وذهبا الى مكتب رئيس أركان الجيش، ويبدو انهما أقنعاه بالمشاركة، لأنه هو نفسه كان مشاركاً في أحداث يوم 11/11،  فطلبني الى مكتبه وقال لي بحضورهما: ( لابد من إنقاذ البلاد من الفوضى وتصحيح الانحراف ولقد كلمت رئيس الوزراء في الأمر فوافق  عل تدخل الجيش فأرجو ان تستعين برشيد وسعيد  وتضع خطة لإعادة السيطرة على بغداد) . فقلت له:

(هذا معناه ان الصراع تحول من صراع بين أجنحة الحزب الى صراع بين الحزب والسلطة الشرعية للدولة فإذا اتفقتم معي على ذلك فسيكون من السهولة زج الجيش دفاعاً عن الشرعية) فأتفق الثلاثة معي ، واتصل برئيس الوزراء وقال له ( بجانبي مدير الحركات ولقد طلبت منه وضع خطة لزج الجيش وإعادة النظام والقضاء على الفوضى)

فسمعت رئيس وزراء يقول له أريد ان يشرف بنفسه على تنفيذ الخطة. ولما سألته بعد النجاح عن سبب تكليفي بالإشراف على التنفيذ قال لي ( لأنك عاقل وتحسن التصرف ولا تحب سفك الدماء).

ولقد اخبر الفريق طاهر رئيس الجمهورية عبد السلام عارف بالتفاصيل عندما زاره بعد ظهر 16 تشرين ثاني 1963 استهوته الفكرة لأنه وجدها الطريقة المثلى لتحيق أحلامه بالتخلص من حزب البعث والانفراد بالسلطة. وهذا عزز اقتناعه بالتعاون مع القوى القومية في الجيش لأنه كان وحيداً يفتقر الى قوة مؤثرة تسنده في الجيش.

خرجت من مكتب رئيس أركان الجيش مع رشيد وسعيد وذهبنا الى مكتبي وأخذت منهم المعلومات المطلوبة عن الوحدات التي يمكن الاعتماد عليها وأسماء الضباط البعثيين الموالين فيها ، وفي ضوء معلوماتهم ومعلوماتي وضعت خطة تعتمد على الوحدات التالية:-

1. كتيبة الدبابات الأولى وكان آمرها النقيب زكريا السامرائي وكانت موزعة كما يلي:-

سرية في مرسلات الإذاعة في أبى غريب يقودها قصي صبري

سرية في دار الإذاعة في الصالحية والقصر الجمهوري.

سرية في معسكر الرشيد. ومن هذه السرية قاد  حسن النقيب رعيلاً الى مقر القوة الجوية حيث أسس مقره. وقاد محمد يوسف طه رعيلاً الى الاعظمية وهاجم مقر الحرس القومي فيها.

2. كتيبة الدبابات الثالثة وكان امرها النقيب احمد الجبوري ولقد نزلت منها سرية الى جانب الرصافة توزعت في شارع غازي وشارع الشيخ عمر والسفارات المهمة والجسور المهمة ووضعت بأمره حسن النقيب الذي كان مسؤولاً عن جانب الرصافة.

3.مدرسة الدروع وكان آمرها الرائد  حاتم حسن الياسين حيث أرسل 22 دبابة توزعت في جانب الكرخ وأصبحت بآمرة العقيد محمود عريم الذي فتح مقره في الإذاعة.

4. الفوج الآلي الثاني الذي كان آمره المقدم داود عبد المجيد ولقد اخذ على عاتقي تبليغه قبل التنفيذ بساعة واحدة. ولقد طلبت منه ان يرسل سرية الى ملعب الإدارة المحلية في الكرخ وأخرى الى الإذاعة وثالثة إلى منطقة الجعيفر وان يكون بآمرة محمود عريم.

5. الانضباط العسكري.

6. سرية من كتيبة الدبابات الرابعة.

7. فوجين مشاة من الفرقتين الاولى والثانية تنقل بالطائرات من الموصل و كركوك الى بغداد صباح يوم الحركة. ولقد اتفقت مع قائدي الفرقتين الأولى والثانية على تهيئة الفوجين. كما اتفقت مع حردان على إرسال طائرات النقل صباح يوم الحركة لنقلها الى بغداد.

8. الكلية العسكرية وبقيت احتياطاً عاماً ولم تشترك في الحركة لانتفاء الحاجة إليها. لم تحسن القيادة القومية للحزب التصرف في قراراتها. فكان عليها ان تدرس جذور المشكلة وسبب التصدع والخلاف والتناحر داخل الحزب دون ان تنحاز لجهة من الجهات، وكان عليها ان تجمد عضوية كل الأطراف التي ساهمت في هذا التصدع وتشكيل قيادة قطرية جديدة محايدة من أعضاء لم ينحازوا الى طرفي النزاع تأخذ على عاتقها إعادة وحدة الحزب.

فهي في قراراتها لم ترض قيادة فرع بغداد ولم ترض الجانب الاخر الذي شارك في أحداث 1963/11/11، واستمر الجناحان يعدان عدتهما للجولة القادمة ضاربين بقرارات القيادة القومية عرض الحائط، وكل طرف عازم على حسم الموقف لصالحه بالقوة.

وعلى سبيل المثال، اتصل بيَّ العميد الركن عبد الجبار عبد الرزاق آمر كلية الاحتياط في صباح يوم 11/16 وقال لي:

(علمت من ضباط الصف ان بعض طلبة الكلية  وكلهم من منتسبي حزب البعث قد جلبوا معهم الغدارات ووضعوها تحت فراشهم فكيف أتصرف؟)

فقلت له: سأذهب لأخذ رأي  رئيس اركان الجيش وبعد ذلك اتصل بك لأبلغك بالحل. ذهبت الى مكتب رئيس أركان الجيش فلم أجده، وقيل لي انه في مكتب وزير الدفاع فذهبت الى مكتب سكرتير الوزير الرائد علي عريم الذي اخبرني بوجود بعض إعشاء القيادة القومية في مكتب الوزير فشرحت له الموقف واتفقنا على ان ادخل عليهم دون استئذان وعند دخولي وجدت رئيس الوزراء احمد حسن البكر وميشيل عفلق والفريق أمين الحافظ ورئيس الأركان وحردان التكريتي قائد القوة الجوية وجعفر قاسم حمودي ممثل قيادة فرع بغداد للحزب. فوجهت كلامي الى رئيس الأركان، وأخبرته بما قاله لي أمر كلية الاحتياط، ولما سمع رئيس الوزراء هذا ألتفت إلى الفريق أمين الحافظ وقال له:

( اسمع واستحلفك بالله ما فعله الطلاب الحزبيين آمراً صحيحاً؟ وهل تقبل بمثل هذا الوضع؟)

فأجابه أمين الحافظ لا هذا خطأ. فألتفت رئيس الوزراء إلى الفريق طاهر يحيي وقال:

اسمع يا رئيس أركان الجيش وأنت يا قائد القوة الجوية وأنت يا مدير الحركات العسكرية أني اترك مقدرات البلاد بين أيديكم وترك الغرفة غاضباً. وهذا تخويل رسمي من السلطة الشرعية الى قادة الجيش لكي يعيدوا النظام الى البلاد باسمها.

فرجا صالح كلاً من الأستاذ ميشيل عفلق وأمين الحافظ ان يلحقاه ويقنعاه بالعودة. وألتفت نحوي قائلاً: كيف تقترح حل هذا الموضوع؟

فقلت له: ( نسحب الأسلحة من التلاميذ ونمنحهم إجازة لمدة أسبوع ونصرفهم الى بيوتهم).

فقال لي:

طيب اذهب ونفذ ذلك.

وقبل خروجي اعترض جعفر قاسم حمودي على هذا القرار، وقال اتركوا آلام لنا فأننا سنسحب الأسلحة من الطلاب. فلم يلتفت أحد الى اعتراضه، وذهبت إلى مكتبي وطلبت آمر كلية الاحتياط وقلت له( اسحب الأسلحة وامنح التلاميذ إجازة لمدة سبعة أيام واصرفهم من الكلية).فجمع الأمر التلاميذ في ساحة العرض وأرسل ضباط صف وجمعوا أل أسلحة من تحت أسرتهم ثم صرفهم الى بيوتهم يتمتعون بالإجازة المقررة.

وعلمت بعد ذلك ان قيادة فرع بغداد هي التي وزعت الأسلحة على التلاميذ حيث كان في نيتها السيطرة بواسطتهم وبواسطة غيرهم على معسكر الرشيد في تلك الليلة. وكان في نيتهم الاستيلاء على مشاجب الكلية واستخدام أسلحتها.  اثبت لي هذا الحادث، كما اثبت لي اتصال رشيد مصلح وسعيد صليبي بيّ ان كلا طرفي النزاع كان يعد الخطط للاستحواذ على السلطة، وان القيادة القومية تجهل ما يدبره الطرفان.

وزاد تشكيل المكتب العسكري الجديد من صغار الضباط الذين هم أساس التنظيم العسكري العقائدي في الجيش، حيث إثارتهم أسماء بعض أعضاء المكتب لأنهم لم يمضي على انتمائهم الى الحزب سوى أشهر قليلة ولم يتدرجوا في سلم العضوية المتعارف عليه حزبياً. وبنظر هؤلاء ان هؤلاء الضباط الكبار لم تتغلغل فيهم الروح الحزبية بصورة صحيحة. كان ضباط الوحدات الفعالة  في بغداد كلهم  من البعثيين ولم يكن فيهم أي ضابط قومي يمكن الاستعانة به. وكان ضباط البعث الكبار يعرفون هذه الحقيقة،لذلك لما اتصلوا بيَّ لم يطلبوا مني معرفة الضباط أو الوحدات التي اعتمد عليها. وكانوا يعتقدون بأن بالإمكان الإفادة من تنظيمنا السابق كأفراد في بغداد او باقي وحدات الجيش بالرغم من ان أغلبهم يعلم بأننا قررنا حل هذا التنظيم في الأسبوع الثاني من ثورة 14 رمضان. وكان يهمهم أيضاً استغلال المنصب الخطير الذي اشغله( مدير الحركات العسكرية)للتأثير على قطعات الجيش في بغداد وباقي المعسكرات بصفتي الرسمية،  حيث اعتادت هذه الوحدات ان تتلقى أوامر الحركات العسكرية وتنفذها دون مناقشة.اتصلت بعدد قليل من أخواني الضباط في تنظيمنا السابق، وحرصت مع الآخرين على ان تأخذ الأمور مجراها الرسمي والشرعي، وخاصة بعد ان اخبرني الفريق طاهر  بموافقة رئيس الوزراء على العملية، وذكرني بما قاله ونحن في مكتب وزير الدفاع.

اتصلت مساء يوم 16/11/963 بكل من قائد الفرقة الأولى العميد الركن عبد الكريم فرحان وقائد الفرقة الثانية العميد الركن إبراهيم فيصل بواسطة الهاتف الخاص وأخبرتهما بسوء الأوضاع في بغداد وطلبت إليهما ان يهيئ كل واحد منهما فوج مشاة يكون مستعداً للحضور إلى بغداد عند الطلب للمساعدة إذا اقتضت الحاجة.

كنا نجهل ما يدور في فكر الرئيس عبد السلام عارف رئيس الجمهورية وهو قابع في القصر الجمهوري لم غادر ولم يحاول الاتصال بأي ضابط في وزارة الدفاع. حتى رئيس أركان الجيش كان يجهل موقفه. وبعد ظهر يوم 16/11 قال لي الفريق طاهر بصريح العبارة، ان موقف رئيس الوزراء أصبح واضحاً، فهو شديد التحمس لحسم الموقف وإيقاف قيادة بغداد والحرس القومي عند حدهما، وإعادة الشرعية للسلطة الرسمية، وان أدى ذلك الى استخدام القوة، وعلينا ألان ان نعرف موقف رئيس الجمهورية،  وسأذهب إليه الآن لا عرف ذلك. ثم طلب مني خطة تحرك قطعات الجيش نحو أهدافها في بغداد وواجباتها للسيطرة على الموقف.

ناولته الخطة وذهب الى القصر الجمهوري وعاد قبيل المساء وقال لي:-( لقد ذهب في الوقت المناسب لان رئيس الجمهورية كان ينوي السفر خلسة الى كركوك ويدبر من هناك قوة يزحف بها نحو بغداد لاستعادة السيطرة عليها وحسم الموقف. ولما أخبرته بموافقة أمري كتائب الدبابات الأولى والثالثة بالمشاركة في خطة حسم الموقف، وأطلع على الخطة، أطمئن وسيتولى بنفسه إعداد البيان وأذاعته، واحتفظ بالخطة لديه لدراستها).

ويبدو ان عبد السلام كان يعتمد على بعض عناصر الجيش في الشمال وأكثرها غير بعثية ففكر بالذهاب إليهم.

اصبح الآن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس اركان الجيش على رأس الحركة لاستعادة الشرعية. ولم يخبر أي منهم صالح مهدي عماش وزير الدفاع لانه كان يميل الى كتلة علي صالح أولا، ولانه يريد التوفيق والموازنة بين الجيش والحرس القومي ثانياً. ولقد طلب مساء يوم 11/16 من رئيس أركان الجيش اذاعة بيان من دار الإذاعة والتلفزيون يؤكد فيه وحدة الجيش والحرس القومي  واعد الفريق طاهر البيان المذكور، وعندما كان يقرؤه عليَّ، دخل الرائد علي عريم وسمع بعض عباراته، فأمتعض منها وسحب الورقة من يد الفريق طاهر فتمزقت. وأخذ يدعكها بيديه وهو يصيح ( كيف تلقي مثل هذا البيان وانك ستتزعم حركة عسكرية ضد الحرس القومي؟ وخرج والبيان بيده وهو يسب ويشتم في الممر المؤدي من مكتب رئيس اركان الجيش حتى مكتبه الملاصق لمكتب وزير الدفاع.

والمعروف عن علي عريم انه يؤمن بالمثل والقيم ويميل الى عمل الخير وهو ضد الظلم والانحراف، وكان من اشد البعثيين اسياءًا من تصرفات الحرس القومي، وكان له دور في احداث 11/11 وماتلاها، وله دور ايضاً في احداث 17و18 تشرين ثاني 963. الا انه عاد الى صفوف الحزب بعد نجاح الحركة . في صباح يوم 11/17 حضر الى مكتبي العميد حردان التكريتي وناولني ورقتين الأولى هي الخطة التي سلمها الفريق طاهر في اليوم السابق الى رئيس الجمهورية، والثانية أمر تعيينات بخط وتوقيع الرئيس عبد السلام عارف وقال لي: ( لقد ارسل لك الرئيس هاتين الورقتين بعد ان وافق على خطة الحركة واتفقت معه على التنفيذ غداً 1963/11/18 وساعة الشروع وهي الساعة السادسة صباحاً).

ناقشنا انا وحردان خطة التنفيذ التي سبق ان وضعتها وقلت اننا بحاجة لطائرات نقل تنقل فوجين من المشاة من كركوك والموصل على جناح السرعة لاننا نفتقر الى عنصر المشاة في بغداد. فوعدني بارسال الطائرات لنقل المشاة في الصباح الباكر من يوم 18/11. وغادر مكتبي مودعاً بعد ان قال لي انه قد اخبر طاهر يحيي وسعيد صليبي ورشيد مصلح بساعة الصفر، وقال لي ايضاً ان معظم الضباط البعثيين معنا في هذه الليلة . كان الامر الذي ارسله عبدالسلام اليَّ يتضمن مايلي:-

1. يقوم المقدم الركن صبحي عبد الحميد بواجبات معاون رئيس اركان الجيش اضافة الى منصبه.

2. يكون العقيد الركن محمود عريم مسؤولاً عن القطعات العسكرية في جانب الكرخ ويفتح مقره في دار الاذاعة .

3. يكون المقدم الركن حسن النقيب مسؤولاً عن جانب الرصافة.

4. يكون المقدم الركن محمد يوسف طه مسؤولاً عن قطاع الاعظمية ويحتل مقر الحرس القومي فيها.

5. يكون العقيد الركن  محمد مجيد مسؤولاً عن السيطرة على معسكر الرشيد.

6. يكون المقدم الركن عرفان عبد القادر وجدي مسؤولاً عن معسكر الرستمية( كلية الاركان والكلية العسكرية).

7. يرافقني العميد رشيد مصلح الى مرسلات الاذاعة في ابي غريب.

8. يرافقني المقدم الركن فاروق صبري الى مرسلات ابي غريب او ينتظرني فيها.

المشير الركن عبد السلام عارف

القائد العام للقوات المسلحة

 

 ويبدو من الامر المرسل ان الاسماء التي اختارها عبدالسلام لقيادة الحركة والسيطرة على المعسكرات والوحدات  والمراكز المهمة في العاصمة كلها قومية الاتجاه وبضمنها خمسة عناصر مهمة من تنظيمنا السابق وهم صبحي- محمد مجيد- محمد يوسف- عرفان- فاروق وكان محمود عريم على علاقة قوية به وبنا، واما حسن النقيب فكان بعثياً مبعداً من وحدته ومن الحزب ومتذمراً وناقماً على الحزب،  واصبح يتقرب مني بعد ان ساعدته على تمزيق المرسوم الجمهوري الذي كان معداً لاحالته على التقاعد كما شرحت ذلك في فصل اخر.

لم تكن لعبد السلام كتلة يعتمد عليها في الجيش لانه كان قبل 14 رمضان يعيش بشبه عزلة ولاتتصل به من الفئات القومية سوى حزب البعث لذلك عندما تسلم رئلسة الجمهورية ووجد نفسه رئيساً بدون سلطة، وامور الدولة يسيرها الحزب دون اخذ رأيه او استشارته، ثار غاضباً واخذ يتحين الفرص لاثبات وجوده  وانتزاع السلطة من الحزب، فبات يتقرب من الضباط غير الحزبيين في زياراته لوحدات الشمال او التقائه بالضباط في مقره او في الحفلات والمناسبات دون ان يفاتحهم بنواياه.

وعندما اخبره طاهر يحيي بوجهة نظري بتحويل الصراع الى صراع بين الحزب والدولة وسلمه الخطة التي وضعتها لتنفيذ الحركة تأكد لديه بأني سأبذل كل جهدي لانجاح الحركة سواء مديراً للحركات او عضواً مهماً في مجموعة قومية لها ثقلها ووزنها في الجيش وانني سأستعين بكل افراد هذه المجموعة وفعلاً اتصلت بعبدالكريم فرحان قائد الفرقة الاولى وطلبت منه التأييد والاشتراك. ولقد ارسل فوجاً صباح يوم 18 ت2 بالطائرات الى بغداد بقيادة المقدم الركن رشيد محسن وهو احد افراد مجموعتنا. كما اتصلت بخالد حسن فريد امر اللواء المدرع السادس في معسكر الرشيد وطلبت اليه التعاون مع محمد مجيد في السيطرة على معسكر الرشيد. وسبق ان ارسلت المقدم الركن علي حسين جاسم الى الحبانية للسيطرة عليها. كما كلفت المقدم الركن هادي خماس مدير الشعبة الثالثة في مديرية الحركات العسكرية الذهاب ليلة 17/18 تشرين 2 الى القصر الجمهوري ليكون ممثلاً لمديرية الحركات فيه ويرافق عبدالسلام الى مرسلات ابوغريب. وفعلاً ذهب هادي واذاع كافة البيانات عدا البيان الاول الذي اذاعه عبدالسلام بنفسه وكرره هادي عدة مرات بعده. كما اتصلت بضباط اخرين من مجموعتنا السابقة وشاركوا فعلاً بالحركة.سلمت الامر الى المقدم الركن هادي خماس وطلبت اليه تبليغ ذوي العلاقة، واوجزت له الخطة وواجب كل واحد منهم، واخبرته بساعة الصفر.وبلغت المقدم الركن محمد يوسف طه بواجبه وكان يشغل منصب مدير الشعبة الرابعة( الخطط) في مديرية الحركات. استدعيت المقدم الركن خالد حسن فريد الى المديرية وناقشت معه الخطة وكانت كتائب دبابات لوائه مجحفلة مع الفرق في الشمال. اما كتيبتا الدبابات الاولى والثالثة فوضعتها بامرته صباح يوم 18ت2.

تولى سعيد صليبي وحردان ورشيد مصلح تبليغ الضباط البعثيين بالخطة والواجبات. وتركت تبليغ المقدم داود عبدالمجيد امر الفوج الآلي  صباح يوم 18ت2. لان كنت واثقاً انه  انتمي الى حزب البعث بتأثير من  صالح وخالد مكي وليس عن عقيدة، وبالتالي سينفذ الاوامر الرسمية التي تصدر اليه.

عند ظهر يوم 17 حضر الى مكتبي المقدم حسن النقيب ومعه العميد شاكر السعود. وابدى العميد شاكر استعداده للمساهمة حيث قد اخبره حسن بالتفاصيل التي تولى هادي ابلاغه بها. وعن طريق الصدفة علمت منهما ان حسن قد فهم ان التنفيذ سيكون الساعة السادسة من مساء يوم 17. فأخبرته بخطأه وصححت له ساعة التنفيذ ويومه. ولو لم يحضر الى مكتبي في تلك الساعة لكُشف الامر وانهارت الخطة مساء يوم 17ت2.

شكرت الاخ شاكر وقلت له من الافضل ان ينتظر في داره، وسأتصل به اذا احتجنا اليه، وكان يشغل في ذلك الوقت رئيس المجلس العرفي العسكري. وهو ضابط شريف وشهم ولكن ليس هناك أي واجب يعهد اليه. اخبرني هادي بأنه بلغ الجميع الا فاروق صبري الذي اتصل به مراراً فلم يجده. وفي صباح يوم 18/11 ذهب الى المطار وسافر الى يوغسلافيا مقر عمله الجديد حيث سبق ان عين ملحقاً عسكرياً فيها بعد ان اطلق سراحه من التوقيف( لقد قبض عليه لمشاركته في حركة هادي الراوي- جابر حسن حداد).واتصلت مساءً يوم 17/11 بقائدي الفرقتين الاولى والثانية في الموصل وكركوك ولخصت لهما الموقف وطلبت اليهما اعداد الفوجين اللذين سبق ان طلبت منهما اعدادهما للمجيء الى بغداد حال وصول الطائرات اليهم صباح يوم 18تشرين والتي سيبعثها قائد القوة الجوية.

استدعاني رئيس اركان الجيش في الساعة الحادية عشرة من مساء يوم 17/11 وقال لي: ( حضر الى مكتبي قبل لحظات رئيس الوزراء ورجاني تأجيل التنفيذ لمدة يومين لانه يحاول ان يحل المشكلة سلمياً، وان عجز عن ذلك فلامفر من تنفيذ الحركة). فما هو رأيك؟

فقلت له: هذا غير ممكن لاني والاخرين بلغنا الوحدات كافة بواجباتها سواء التي في بغداداو خارجها ومن الصعوبة الان تبليغها بالتأجيل.وفي هذه الاثناء دخل العميد حردان وسمع طرفاً من الحديث، فأستفسر عن الموضوع. فأخبره الفريق طاهر برجاء احمد حسن البكر فقال : هذا غير ممكن، وان أي تراجع سيكشف الامر بعد ان تم تبليغ الضباط جميعاً. واصر حردان على التنفيذ في الوقت المحدد وقال: اترك امر رئيس الوزراء لي سأذهب لاقنعه. وترك المكتب وعاد الينا بعد نصف ساعة وقال: ( وجدت رئيس الوزراء في مكتب وزير الدفاع واخذته جانباً وكلمته واخبرته بأستحالة التأجيل لان الامر بالتنفيذ وصل الى القطعات كلها ولامجال للتراجع.

وقال لي ( ابوهيثم) رئيس الوزراء، انا غير مسؤول عن أي دم يُسال غداً، لذلك ساترك الامر واذهب الى بيتي ولن اشارك ولن اتحمل مسؤولية الحركة. وفعلاً ترك المبنى وذهب الى بيته.كان انسحاب رئيس الوزراء من المشاركة في التنفيذ خطأ كبيراً بالنسبة اليه والى حزب البعث. ذلك لاني اعتقد ان انسحابه أكد تحول الحركة من حركة تصحيحية داخل الحزب الى حركة هزت كيان الحزب وعصفت به، لانه كان على رأس الحركة التصحيحية وانسحابه منها في اخر لحظة فسح المجال للرئيس عبدالسلام ان يصبح على رأسها، وكانت حجة تمسك بها عبدالسلام وحردان لابعاده عن رئاسة الوزراء بعد نجاح عملية التنفيذ، وقلل دوره في فرص فرض ارادته. حتى لم يحتج أي ضابط بعثي على استبعاده من منصب رئاسة الوزراء بعدئذ. وصل المقدم الركن هادي خماس الى القصر الجمهوري في الساعة التاسعة من مساء 17/18 تشرين وسلم البيانات التي اعددناها سوية الى عبدالسلام عارف فقرأها ووافق عليها عدا البيان الاول فقد اعده بنفسه وسلمه الى هادي وطلب اليه قراءته وابداء ملحوظاته عليه.وكان في البيان فقرة تنص على اعلان الجمهورية الرئاسية، وتعني ان يجمع عبدالسلام بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء. فأعترض هادي على هذه الفقرة، وبعد نقاش منطقي اقتنع الرئيس عبدالسلام بوجهة نظر هادي وشطب هذه الفقرة.وعند منتصف الليل وكما اخبرني هادي حضر حردان التكريتي الى القصر واخبرهما بأنسحاب احمد حسن البكر من مسؤولية المشاركة في الحركة. وبعد ان اطلع حردان على البيان الاول اختلى بعبدالسلام، واقنعه بان ينص البيان على تعيينه نائباً للقائد العام للقوات المسلحة. فوافق عبدالسلام لانه لم يكن امامه خيار وهو يعرف قوة حردان العسكرية والحزبية في ذلك الوقت.

ثم انفقنا ان يكون طاهر يحيي رئيساً للوزراء ورشيد مصلح وزيراً للداخلية وأصر حردان كما اخبرني بعدئذٍ ان اكون انا رئيساً لاركان الجيش. وازاء اصراره وافق عبدالسلام مضطراً في الوقت الذي كان يرغب ان يتولى هذا المنصب شقيقه العميد عبدالرحمن عارف.

وهكذا ثبتت في الساعات الاولى من صباح يوم 18 ت2  اسماء من يشغل مناصب رئيس الوزراء ووزير الداخلية ووزير الدفاع ورئيس اركان الجيش.

كانت نصيحة هادي لعبدالسلام بشطب فقرة اعلان الجمهورية الرئاسية  ذات قيمة كبيرة له، لانها جنبته الاصطدام بحزب البعث واركانه القائمين بحركة التصحيح في اليوم الاول للثورة. وفي الصباح الباكر وصل رشيد مصلح الى  القصر ليصحب عبدالسلام الى المرسلات.

منح عبدالسلام عارف نفسه في البيان الاول صلاحيات المجلس الوطني لقيادة الثورة جميعها وبذلك اصبح يملك كل الصلاحيات حتى في حالة تشكيل مجلس وطني حيث جاء في المادة(5) من البيان الاول مايلي:

( منح رئيس الجمهورية المشير الركن عبد السلام عارف صلاحيات استثنائية تتضمن جميع الصلاحيات المخول بها المجلس الوطني لقيادة الثورة بموجب القانون رقم(9) لسنة 1963 وتعديلاته لمدة عام تتجدد تلقائياً كلما تطلب الامر ذلك وبتقدير منه).

وبذلك اثار غضب الضباط المشاركين في الحركة وخاصة ضباط الكتل القومية وكنت احد الغاضبين. وازعجنا انفراده في الحكم.

كما عين نفسه رئيساً لمجلس قيادة الثورة. وقائداً عاماً للقوات المسلحة هذا المنصب الذي الغيَّ ليلة 8/9 شباط 1963. (1)

في الساعة الرابعة من صباح يوم 18ت2 دخل كل من العقيد سعيد صليبي والرائد علي عريم الى مكتب وزير الدفاع الفريق صالح مهدي عماش وابلغاه بانه معتقل في مكتبه. ثم اعتقلوا مرافقه الملازم سامي سلطان ووضعاه في  غرفة مدير الحركات العسكرية بحراسة من الانضباط العسكري. وفي الوقت نفسه انطلق الضباط الذين عينهم عبدالسلام لقيادة القطعات وتنفيذ الواجبات الى المحلات التي نسبوا اليها. عدا محمود عريم فقد دخل مبنى الاذاعة في الساعة الخامسة والنصف. في الساعة الخامسة من يوم 18ت2 اتصلت هاتفياً بالمقدم داوود عبد المجيد امر الفوج الآلي الثاني، وكان مقره في معسكر الوشاش، وأمرته بأرسال سرية مشاة الى ملعب الادارة المحلية في الكرخ واخرى الى دار الاذاعة على ان تتلقى الاوامر من العقيد محمود عريم.

فأعترض في بداية الامر مدعياً بأن معاون رئيس اركان الجيش العقيد الركن خالد مكي الهاشمي قد اتصل به صباح يوم 17ت2 وبلغه بعدم تنفيذ أي امر يصدر له من مديرية الحركات العسكرية او من اية جهة اخرى، وان يتلقى الاوامر منه مباشرة. فقلت له (عليك تنفيذ الاوامر الرسمية التي تصدر اليك من المراجع المختصة وانا آمرك بصفتي مدير الحركات العسكرية وستكون مسؤولاً في حالة عصيانك تنفيذ الاوامر الرسمية).

فقال لي امرك مطاع سيدي.

وفعلاً نفذ الاوامر بدقة وقاد بنفسه السرية المتوجهة الى ملعب الادارة المحلية  حيث كانت المقاومة شديدة من قبل الحرس القومي المتجمع فيها. واصيب داوود في رأسه،  وضمد نفسه وابى الاخلاء. وفي الوقت نفسه انطلقت الوحدات من معسكر الرشيد الى اهدافها، واحتلتها في تمام الساعة السابعة. وبقيت بؤر للمقاومة في دائرة البريد والبرق في السنك وفي البناية الكائنة امام بناية وزارة الدفاع وفي ملعب الادارة المحلية في الكرخ، انتهت جميعها عند الساعة الحادية عشر في صباح يوم 18تشرين. تأخر الرئيس عبدالسلام بالذهاب الى ابي غريب حيث رفض المقدم فهد جواد الميرة امر كتيبة الدبابات الرابعة التعاون معه مع العلم انه كان من المنفذين في يوم 11/11، فاضطر الى اعتقاله واعتقال الضباط المؤيدين لعلي صالح السعدي في الكتيبة، ثم ذهب الى ابي غريب حيث كان ينتظره امر رعيل الدبابات المكلف بحراسة المرسلات الملازم قصي صبري شقيق فاروق صبري والملازم عدنان خيرالله وهما من الضباط البعثيين العقائديين ولكنهما كانا ضد علي صالح السعدي ووافقا على الاشتراك في الحركة التصحيحية كما كان ضباط البعث يسمونها.اذاع عبدالسلام بنفسه البيان الاول في الساعة السابعة( وتجد نص البيان في اخر الفصل) ثم اعقبه المقدم  الركن هادي خماس بأعادة اذاعة البيان وباقي البيانات التي تتعلق بغلق المطارات ومنع التجوال وحماية الاجانب..الخ.

الااني لم انتظر وصوله حتى السابعة لان المفروض كان ان تذاع البيانات في الساعة السادسة.  ولما اخبرني قصي هاتفياً بتأخر وصول رئيس الجمهورية، اتصلت بالعقيد علي عريم في دار الاذاعة وطلبت منه اذاعة بيان منع التجوال. فأذيع البيان  في الساعة السادسة والنصف. وكان هدفي التبكير في منع الناس من الخروج من دورهم خشية على ارواحهم. لقد استسلم معظم افراد الحرس القومي دون مقاومة تذكر، وسلم القسم الاعظم سلاحه الى مراكز الشرطة طبقاً للبيانات التي كانت تصدر عن  دار الاذاعة. ورمى بعضهم اسلحته في الشوارع ولم تقع خسائر تذكر عدا هجوم بعض ابناء الفلوجة على مراكز الحزب فيها وقتلوا بعض افراد الحرس فيه،  وكان عملاً مؤسفاً دفعهم اليه حقدهم وتهورهم انتقاماً من الحرس الذين عاملوهم بقسوه سابقاً. ولقد قصف حردان ملعب الادارة المحلية في الكرخ والمبنى الكائن امام وزارة الدفاع. فأتصلت به هاتفياً ورجوته ايقاف القصف الجوي، اذ لاداعي له لان الامور حسمت، وهذه مقاومة بسيطة ستنتهي، ولا بد من انهائها باقل خسارة ممكنة.

 حاول الفريق صالح مهدي عماش استخدام الهاتف للاتصال بالوحدات واصدار اوامره اليها واقناع امريها بتبديل موقفهم، فشعر به الرائد علي عريم فدخل الى مكتبه وقطع الاتصال التلفوني وقال له:-

اننا قدمنا لك كل الاحترام، فلا تضطرنا ان نحجزك في غرفة اخرى ونقفل عليك بابها). وفي مساء يوم 20تشرين ثاني تم تسفيره مبعداً الى القاهرة بطائرة عسكرية وذهب بعضنا لتوديعه. استأذن العقيد خالد مكي في ليلة 17/18 تشرين من  رئيس اركان الجيش ان يذهب الى بيته، فأذن له واتصل به صباح يوم 18 تشرين طالباً منه الحضور الى مكتبه، فحضر واحتجز فيه حتى صباح يوم 20/11. ولقد اتصل بي طالباً التوسط له ليذهب الى داره فهيأت له سيارة ركبها معززاً مكرماً، واحيل على التقاعد بعد يوم او يومين، ووسطني فيما بعد وانا وزير للخارجية بالسماح له بمغادرة العراق مع عائلته، فسافر الى لبنان وعاش في طرابلس. وعاد الى العراق بعد وفاة  الرئيس عبدالسلام.

اما الضباط البعثيون الذين اعتقلوا ليله 17/18 تشرين في كتائب الدبابات فلم يتجاوز عددهم(30) ضابطاً محسوبين على مجموعة علي صالح السعدي، أُطلق سراحهم مساء يوم 20/11 وبُلغوا بمراجعة مديرية الادارة لمعرفة الوحدات التي نُقلوا اليها حيث نقلوا جميعاً خارج بغداد. وصل الفوجان القادمان من كركوك والموصل بالطائرات الى بغداد في حدود الساعة الحادية عشرة من صباح يوم 18/11 وعسكر فوج الفرقة الثانية في معسكر الرشيد اما فوج الفرقة الاولى فعسكر في معسكر الوشاش واعتبر الفوجان قوة احتياطية ولم يشتركا في تنفيذ الخطة لان المعركة حسمت في وقت وصولهما.

كما وصل الى بغداد  مساء يوم 18/11فوج بشير الطالب قادماً من قاطع الفرقة الثانية بالنقلية الآ لية حيث ارسله قائد الفرقة الثانية بناءً على طلب مباشر من رئيس الجمهورية ليلة 17/18 دون علمي او علم رئيس اركان الجيش وعسكر في معسكر الوشاش. ادارت الشعبة الاولى( شعبة الحركات) حركة الوحدات بصورة جيدة وكان اتصالها بالوحدات المشتركة منتظماً وقام بهذا الواجب الرائد الركن صبحي عبدالله الذي كان يزودني بموقف الوحدات وتطورات الاحداث فوراً وكان التنسيق بيني وبين قائد القوة الجوية ومع امر الانضباط العسكري( سعيد صليبي) ورشيد مصلح الحاكم العسكري العام ممتازاً.

كما اتصلت عدة مرات برئيس الجمهورية في محطة ارسال ابو غريب لاطلاعه على الموقف. اما رئيس اركان الجيش فبقي في مكتبه وكنت اتصل به بين الحين والاخر واشرح له الموقف.وهكذا انتهت حركة 18 تشرين الثاني التي انهت حكم حزب البعث وحل محله حكمً قوميُ وحدويً كان هدفه الاول فرض سيادة القانون وإنهاء وجود الحرس القومي الذي اساء التصرف ومارس اعمالاً خارج واجباته وصلاحياته. واعادة الهيبة للحكم والدولة. فشعر الشعب بالأمان والاستقرار. ونال كل ذي حق حقه في التوظف والدرجة والترفيع. واعيد الذين أسندت إليهم وظائف كبيرة دون استحقاق الى درجاتهم الاصلية.

راية العرب