بدء العد التنازلي لسقوط حكومة الجعفري
هارون محمد


خلال الاسبوعين الماضيين نشطت طواقم السفارة الامريكية في بغداد للاتصال بشخصيات وقيادات من السنة العرب في العاصمة واقضيتها ونواحيها في ابو غريب والمحمودية واليوسفية واللطيفية والمدائن والراشدية والتاجي، وفي محافظات الانبار وتكريت والموصل وديالي وكركوك والحلة والبصرة ومدينة سوق الشيوخ، ودعوتها الي الاجتماع بوفد امريكي رفيع المستوي يضم اعضاء في الكونغرس واقطابا من الحزبين الجمهوري والديمقراطي ومسؤولين يمثلون البيت الابيض والبنتاغون ومجلس الامن القومي والخارجية ووكالة المخابرات المركزية الـ(سي اي ايه) سيزور العراق نهاية الشهر المقبل كما اعلن الدبلوماسيون والمستشارون الامريكيون الذين تولوا مهمات الاتصال.
والجديد في هذه الاتصالات ان المسؤولين الامريكيين المكلفين بالاتصال والوساطة واللقاء مع الشخصيات السنية العربية والتحضير لزيارة الوفد القادم من واشنطن، بدأوا يتحدثون بلغة ونبرة تصلان احياناً الي درجة التوسل علي عكس الحالات السابقة، التي كانت تتسم بـ(العنفة)كما تسمي في اللهجة العراقية الدارجة، حتي ان المستشار السياسي للسفارة الامريكية في بغداد روبرت فورد الذي يقود هذه الاتصالات السياسية وهو يتحدث بعربية بسيطة تشوبها لكنة مغاربية بسبب قضائه عدة سنوات في الجزائر مستشاراً لسفارة بلاده، انه بعث رسائل شفوية عبر وسطاء الي قادة عسكريين سابقين وشيوخ قبائل وقيادات سياسية ونقابية واجتماعية معارضة، جاء فيها ان ادارة الرئيس بوش ادركت مؤخراً انها علي خطأ في تعاطيها مع الشؤون العراقية بعد الاحتلال، واكتشفت انها وقعت ضحية لكم هائل من الاكاذيب والادعاءات والدراسات والتحريضات من امريكيين وعراقيين، ويعترف فورد في رسائله ان الوفد الامريكي القادم الي بغداد يملك تفويضاً من الرئيس بوش للبت في الوجود الامريكي واقتراح البدائل والسياسات بشأنه بما فيها جدولة الانسحاب، وما (عليكم) بالتصريحات التي تصدر في واشنطن فهي مستلزمات رسمية وحزبية تخص الجمهور الامريكي.
ورغم ان النجاحات التي قطعها فورد وفريقه بهذا الصدد كانت محدودة وما يزال الكثيرون ممن تلقوا رسائله غير متحمسين للقاء الوفد الامريكي، وعدد منهم ابلغ الوسطاء بانهم لا يثقون بالوعود الامريكية وليس لديهم استعداد للاجتماع باي مسؤول امريكي، ادراكاً منهم بان الامريكان يواجهون الان مآزق وهزائم وخسارات يريدون احتواءها عبر زيارة الوفد ولقاءاته المرتقبة، خصوصاً وان بعض الرسائل حملت في مضمونها لهجة تفريقية واضحة مفادها ان السنة العرب رفضوا اي شكل من اشكال التعاون مع الامريكيين مما اضطرهم الي التعاون مع الشيعة والاكراد لملء الفراغ السياسي والحكومي الذي نشأ عقب انهيار النظام السابق، وفي رسالة وصلت الي قائد عسكري كبير شغل مناصب وزارية عديدة في السابق، ان الرئيس بوش يتمني عليه شخصياً ان يكون ايجابياً ويلتقي مع الوفد الامريكي الزائر ويطرح عليه تصوراته وافكاره بحرية كاملة، وان وزير الدفاع رامسفيلد يبلغه تحياته، ورد القائد العسكري والوزير السابق الان تذكرني بوش ويسلم علي رامسفيلد؟!
وقد لوحظ ان هذه الاتصالات صاحبتها حملة منظمة ادارها مسؤولون كبار في السفارة الامريكية ببغداد تنضح بطرح طائفي يتمثل في ان البيت الابيض اصر علي اختيار زلماي خليل زادة للعمل سفيراً في العراق لانه سني، وان الرئيس بوش نقله من افغانستان رغم الحاجة الامريكية الماسة اليه هناك ليكون عوناً للسنة في مواجهة الفئات والاطراف الاخري، الامر الذي اضحك الكثيرين ممن سمعوا بهذا الرأي وخصوصاً وانه يأتي من باب الخداع والتضليل لان زادة موظف امريكي ينفذ سياسات حكومته، لا علاقة لدينه ومذهبه بعمله ووظيفته، ولكن السياسات الامريكية انحدرت كما يبدو الي مستويات تعكس حجم التخبط ومدي الضياع اللذين يسيطران علي الطبقة الامريكية الحاكمة في واشنطن بسبب الازمة العراقية.
وصحيح ان اتصالات امريكية مع بعض اطراف المقاومة والمعارضة قد حققت نتائج نسبية في بعض المناطق والمحافظات، ولكن الصحيح ايضاً ان هذه النتائج محكومة ومرتبطة بما تسفر عنه اتصالات اخري متلكئة لحد الآن، وخصوصاً مع القيادة البعثية والمقاومة العسكرية، فآخر المعلومات المتسربة من بغداد تشير الي الامريكيين حملوا شيخ قبيلة عربية تنتشر في وسط وجنوب العراق كان في زيارة لعاصمة خليجية مطلع الشهر الحالي رسالة الي عضو القيادة البعثية الميدانية عبدالباقي السعدون مضمونها ان الادارة الامريكية علي استعداد للاجتماع به في اي مكان يختاره او دولة يحددها للبحث والتفاهم معه، وجاء الجواب السعدوني سريعاً ومفاده ان عبدالباقي واحد من القيادة وهي التي تقرر وتقترح. ومع ان الجواب فيه مرونة واحتمالات عدة ولم يسد الباب نهائياً علي الرسالة الامريكية ولكنه اعطي انطباعاً بان القيادة البعثية ترفض الاتصالات الفردية باعضائها، ويعني ايضاً دعوة الامريكيين الي التعامل السياسي مع القيادة وليس مع احد اعضاء القيادة.
وفي هذا السياق ايضاً كشف النقاب مؤخراً ان الامريكيين كلفوا وزيراً كردياً سابقاً يقيم حالياً في اربيل بحماية مسعود بارزاني ومعروف عنه بانه كان مقرباً من الرئيس السابق صدام حسين ونائبه عزة الدوري لسنوات طويلة، بالاتصال مع القياديين البعثيين الذين يعرفهم وله معهم صلات وصداقات ودعوتهم الي اجراء لقاءات سرية وغير رسمية مع مسؤولين امريكيين في المنطقة الكردية، وقد امضي الوزير الكردي السابق ثلاثة اسابيع في بغداد والموصل وكركوك يتنقل بسرية بالغة ويقيم في بيوت الاصدقاء، وعاد بجواب من الذين تمكن في الاتصال بهم عبر رسائل ووسطاء، ومفاده ان القيادة البعثية مصرة علي النقاط التي اوردتها في رسائلها السابقة، وترفض اي اجتماعات سرية وغير رسمية.
وفيما يتعلق بالاتصالات مع المقاومة التي يقودها ضباط وقادة عسكريون سابقون، فقد لوحظ ان الامريكيين مهتمون بها جدا في هذه المرحلة، ويعتقد ان هذا الاهتمام جاء بعد دراسات اجراها خبراء امريكان علي حطام طائرات حربية ومروحية سقطت لهم في اطراف بغداد والمنطقة الغربية والموصل وتكريت وديالي واحتراق دبابات امريكية مصفحة وعربات اخري مدرعة واكتشفوا ان الاعتدة والصواريخ التي استخدمها المقاومون محلية الصنع وغير تقليدية وجديدة في الاستخدام، مما قادهم الي الاستنتاج بان منتسبي الجيش السابق وهيئة التصنيع العسكري الملغاة، نجحوا في تصنيع هذه الاسلحة بجهودهم الذاتية وابداعهم العالي، رغم الظروف الصعبة والملاحقات والمطاردات لهم، وهذا يعني تطوراً مذهلاً في أساليب المقاومة ستكون له نتائج وخيمة علي قوات الاحتلال في المنظور القريب.
وصحيح ان وزير الكهرباء السابق ايهم السامرائي قد نجح في عقد اجتماعات بين مقربين للمقاومة تنشط في محافظة صلاح الدين (تكريت والشرقاط وبيجي وبلد والدور وسامراء) مع مسؤولين امريكيين عسكريين وسياسيين، غير ان هذه الاجتماعات لم تسفر عن نتائج ملموسة بسبب ان السامرائي تحرك متأخراً معتمداً علي اقارب له باعتباره من مدينة سامراء وصهراً لقياديين بعثيين حاليين وسابقين من ضمنهم امين السر العام لمجلس قيادة الثورة وعضو القيادة القطرية المرحوم محي الشمري، إضافة الي ان الحساسية ازاء وزير الكهرباء السابق لتعاونه مع قوات الاحتلال واشغاله الوزارة في حكومتي المجلس الانتقالي واياد علاوي، ما تزال سارية وقائمة، ولم يستطع تبديدها في الاوساط السنية رغم ما تعرض له من متاعب ومضايقات من التنظيمات والقيادات الشيعية التي ما تزال تنظر اليه كبعثي سابق وسني المذهب.
والمثير في الاتصالات الامريكية مع البعثيين واطراف المقاومة انها تتم بمعزل عن ابراهيم الجعفري وائتلافه الشيعي، مما دعا هيئة اجتثاث البعث الي اصدار بيان تقول فيه انها لا تعترف باي اتصالات مع البعثيين لا تتم عن طريق حكومة الجعفري، مع ان الهيئة انهارت وهرب معظم أعضائها من العراق بعد ان سحبت منهم الدور الحكومية المحصنة في المنطقة الخضراء.
والمعلومات التي يتم يتداولها في بغداد والنجف الان تشير الي ان حكومة الجعفري علي ابواب الانهيار، ومما زاد في تسريع انهيارها الفشل الذي صادف رئيسها في مؤتمر بروكسل، حيث أبلغه ممثلو الدول الاوربية بصريح العبارة انهم لا يدعمون حكومة يرأسها اسلامي شيعي متشدد ومنهجها طائفي وترتبط مع ايران، رغم ان الجعفري جادل بان نوابه الثلاثة علمانيون ويقصد بهم احمد الجلبي وروش شاويس وعبدمطلك الجبوري، وان رئيس الجمهورية جلال طالباني علماني ايضاً، ولكن الموقف الاوروبي كان حازماً ولم تخرج من خزينته غير (130) مليون دولار، هو مبلغ يعادل ايرادات تصدير النفط العراقي الي الخارج ليومين فقط.
ويبدو ان الجلبي كان اول من التقط اشارات الفشل الجعفري وبدأ يشتغل بهمة ونشاط علي اكثر من جبهة وطرف، في محاولة منه ليكون رئيساً للحكومة وقيادتها في المرحلة القادمة، وقد زار في الاسبوع الماضي امين عام هيئة علماء المسلمين الشيخ الدكتور حارث الضاري في مقره بجامع ام القري، وكرر الضاري علي مسامعه ملاحظات واعتراضات وطروحات الهيئة وتشخيصاتها الدقيقة للحكومة الانتقالية، وينقل عن الجلبي انه اعترف للشيخ الضاري ان الجعفري ضعيف ويفتقر الي مواصفات رجل الدولة، وانه اي الجلبي يسعي الي تصحيح مسار الحكومة، مؤكداً في الوقت نفسه انه مستعد لتحمل المسؤولية شرط ان توافق عليه هيئة علماء المسلمين مسبقاً، ومعلناً انه هو من كان وراء دعوة 82 عضواً في الجمعية الوطنية لجدولة انسحاب قوات الاحتلال، ومما قاله بهذ الصدد ان الهيئة كانت اول جهة عراقية تنادي بجدولة الانسحاب وقد سجل باسمها تأريخياً ووطنياً وسياسياً ونحن نمشي خلفها ولنا الفخر في ذلك.. وبركاتك يا شيخ حارث!
وقد ابلغ الضاري الجلبي ان الهيئة لا تتوقف ازاء الاسماء والاشخاص ولا يعنيها ذلك بشيء، المهم عندها المواقف والسياسات والاجراءات علي الارض.
وانتظروا مفاجآت مثيرة علي الطريق وفي القريب.