بازار سادة بغداد وتعويضات  طهران !

                                         د. عبدالكريم هاني

 

يتندر الناس بقصة طريفة عن النشال الذي حكمه القاضي بغرامة فطلب من القاضي أن يسمح له بجولة بين المستمعين في المحكمة ليستطيع جمع مبلغ الغرامة الذي حكم به . يذكرنا بهذه القصة موقف بعض ( السادة ) الذين بذلوا الجهد في إقناع دولة العدوان لكي تؤدي ( واجبها ) الذي نذرتها العناية الإلهية لإدائه حتى تحقق لهم النجاح في إقناعها , ثم ( رافقوا ) قوات ( التحرير ) التي بشروها باستقبال الناس لها بالورود و الرياحين عند غزوها العراق . و كان لا بد لهؤلاء بعد ذلك أن يسددوا الدين الذي أصبح بذمتهم لهذه القوات و مكافأتها على ما بذلت من عناء و دماء لتحقيق ( التحرير ) و اعترافا بقضلها في حصولهم على مواقعهم الجديدة . و كان بذمتهم بالإضافة الى هذا دين أكبر ترتب على المدة التي قضوها لدى تلك الدولة و لدى غيرها .

بدأ المزاد أحد ( السادة ) قبل وصوله الى سدة الحكم فتحدث عن ( حق ) إيران بتعويض عما أصابها نتيجة الحرب التي أصرت على استمرارها بعد موافقة العراق على إيقافها حسب قرار مجلس الأمن لكنه اتبع ( ولاءه ) و منح نفسه سلطة القاضي الدولي فقدر تعويضها بمائة مليار دولار لا بد أن قسما منها تسديد لديونه عن المدة التي قضاها هناك و الفرصة التي أتاحتها له للتعامل مع الأسرى العراقيين لديها . و تبرع آخر بحديث يعلم موقعه في قلب اصحاب الأمر و التنهي فاقترح تعويض اليهود الذين تخلوا عن الجنسية العراقية عن أملاكهم التي تركوها , و زاد على ذلك فدخل المزاد بالحديث عن  حقهم في بدل المثل عن استغلال أملاكهم طيلة هذه العقود , و ذلك أمر لم يسبقه اليه أحد !

 و اختار أحد ( القادة ) أسلوبا آخر لسداد دينه فتساءل لماذا لا يحق للإيراني أن ينال الجنسية العراقية ؟ و كان سؤاله بينما كان ( إخوانه ) يمارسون سياسة التطهير العرقي بالقوة في المناطق التي يسيطرون عليها فيطردون منها أبناء البلد الذين عاش آباؤهم و أحدادهم فيها مئات السنين  .

و استلم ( السادة ) الغنيمة , و جاء وقت الجد فكان الحل تقسيم الغنيمة الى ثلاثة أقسام : ثلث لمن جاء بهم على دباباته ( أجور نقل ! ) , و ثلث لتسديد ديونهم للجهات الدائنة و ثلث لهم و لمحاسيبهم من الأقارب و الأصدقاء أما أبناء البلد فحسبهم الله .

أشرنا في كلمة في العدد 64 من جريدة ( راية العرب )  في 17/4 عن اعتراض أحد ( السادة ) على اقتراح (سيد )  آخر بإصدار عفو عن العراقيين الموقوفين في السجون المختلفة في العراق , لكننا فوجئنا بقرار يصدره ( السيد ) المعترض بالعفو عن جميع الإيرانيين الموجودين في المواقف و السجون العراقية سواء صدرت أحكام بحقهم أم لم تصدر بعد و إيقاف التعقيبات القانونية بحقهم و بغض النظر عن جرائمهم : الاغتصاب ( العرض واحد ) و القتل ( من ذا يطالب سيدا في عبده ؟) و تهريب المخدرات ( مطلوب ترفيه الناس و انتعاشهم ) و التزوير ( لم تعد أهمية للحقيقة و كل وجودهم مزور فمرحبا بالتزوير ) و قد وصل هؤلاء الى بلادهم قبل أن يصل خبر العفو الى أسماع العراقيين .

و اقترح ( سيد آخر ) إنشاء خط أنابيب لنقل النفط الى ميناء عبادان في إيران و تكريره هناك ثم إعادته للعراق ( لعل هذا لتحقيق فائض القيمة للأخوة الإيرانيين و كما يقول المثل العراقي من فقرهم زيدوا غناهم ) و كان الأولى أن ننشئ معملا جديدا لتكرير النفط في العراق لتشغيل العمال العاطلين أولا و إنعاش الاقتصاد العراقي ثانيا و تأمين الوقود للبلد .

و طلعت علينا الصجف بأخبار مظاهرة  قام بها أبناء كربلاء احتجاجا على قيام بعض أجهزة السلطة باغتصاب أراضيهم و تمليكها للإيرانيين , و قد جرت نفس الممارسات بمصادرة أراضي العراقيين قي العمارة و البصرة   و غيرها و تمليكها ( للأخوة ) الايرانيين , ربما كان هذا تسديدا لأقساط أحرى من الدين المذكور .

كتب أرنولد ويلسون في كتابه ( تصارع الولاءات ) عما مر به و هو البريطاني الذي عينته حكومته حاكما سياسيا للعراق في أول سنوات الاحتلال في القرن الماضي فكان الصراع بين ولائه لما يتطلبه منصبه هذا و ما يتطلبه إخلاصه لبلده  , لكن ( السادة ) لم يكونوا في حيرة  , بل لعلهم لم يجدوا سببا لهذا الصراع فيبدو أن الأمر محسوم و الحل هو تغليب الولاء الأهم !