لا عزاء للجعفري الذي سقط في الامتحان الامريكي
هارون محمد
عندما كان ابراهيم الجعفري
يتلكأ في تشكيل حكومته الإنتقالية ويواجه مصاعب في عملية جمع وزرائها، وصلت رسالة
امريكية اليه عبر ليث كبة قبل ان يصبح مستشاراً له وناطقاً باسم الحكومة تقول (شكل
حكومتك بسرعة واترك الباقي لنا) والباقي يعني ضمان دعمها وتأييدها، كان هذا في
نهاية آذار (مارس) الماضي، ولكن رئيس حزب الدعوة تماهل في مهمته وشكل حكومته
بالتقسيط وترك المقاعد الوزارية لسنة واشنطن شاغرة، فكان هذا اول فشل في الامتحان
الامريكي يسجل عليه.
وإزاء ذلك اضطرت الادارة الامريكية الي ارسال كبة الي بغداد ليكون قريباً من هذا
(الملا بدون عمامة) كما يوصف في الخارجية الامريكية، ليتولي تقويم سلوكه وفتح عيونه
علي ما يريده (العمام) جمع عم، لأن الرجل مستجد امريكياً ولا يستوعب بسرعة توجيهات
واشنطن، فقد وضح ان الجعفري رغم ما يقال عن ثقافته وطراوة لسانه، رجل يعمل في إطار
(التقية) يظهر خلاف ما يبطن، وهذه تنفع مع الايرانيين وليس الامريكان الذين يعتبرون
ذلك سلوكاً انتهازياً، فأما ان يكون الواحد معهم علي طول الخط، والا يعتبرونه
عميلاً مزدوجاً، وقد طبقوا نظريتهم هذه علي احمد الجلبي في منتصف نيسان (ابريل)
2004، عندما شهروا به وفضحوا لقاءاته واجتماعه مع المسؤولين الايرانيين، وكشفوا عن
تقارير استخبارية قدمها اليهم، رغم ان الجلبي كما ينقل عنه اشتغل وسيطاً بين طهران
وواشنطن حسب رغبة الاخيرة وحمل منها رسائل ونصائح الي الايرانيين حول قضايا عالقة
بين الجانبين.
وجاء الفشل الثاني للجعفري في الامتحان الامريكي عندما تلكأ مرة ثانية في توزيع
المقاعد الوزارية الشاغرة علي السنة المتعاونين، فقد شكل وفداً من الائتلاف الشيعي
للتفاوض مع مجموعة مجلس الحوارالوطني ضم في عضويته ليث كبة كمستشار سياسي للوفد،
وكان رأي قوات الاحتلال ان تتم الاستعانة بعدد من اعضاء مجلس الحوار لاشغال ثلاث
وزارات ثانوية هي (السياحة والثقافة وحقوق الانسان) وتترك مناصب نائب رئيس الوزراء
ووزارة الدفاع لاخرين تتولي ترشيحهما واشنطن، وخلال الاجتماعات الستة التي جرت بين
وفد الائتلاف وجماعة مجلس الحوار كان جواد مالكي وهو نائب الجعفري في حزب الدعوة
يتصرف بطريقة فظة مع الحواريين الذين كان أداؤهم أسوأ وبدوا متلهفين للوزارات
والمناصب، فيما كان كبة يحاول تلطيف الأجواء ويسعي الي إيجاد صيغة تفاهمية بين
الطرفين، إدراكاً منه لما يريده الامريكان.
وفشلت المفاوضات كما هو معروف وسجلت واشنطن نقطة اخري في ملف الجعفري الذي خضع
لضغوط عبدالعزيز الحكيم الذي كان يريد وزراء سنة معروفين بارتباطاتهم وعمالتهم
لامريكا، وليس وزراء (يتحدثون بلسانين) واقترح رئيس المجلس الاعلي ان يتولي اللواء
(الفريق فيما بعد) وفيق السامرائي إحدي الوزارات، بعد ان كان يرفض اسناد أي منصب
وزاري اليه، في وقت سابق، حتي انه أخبر رئيس الحكومة المؤقتة السابق اياد علاوي
بانه سيسحب وزيريه عادل عبد المهدي المنتفجي وعلي فائق الغبان من حكومته اذا عين
مدير الاستخبارات العسكرية الاسبق حاكماً عسكرياً للعاصمة بغداد، كما كان يريد
علاوي في الصيف الماضي، في حين كان كبة يري ان تنويع المشاركة السنية في حكومة
الجعفري ضروري من الناحية السياسية ومن شأنه إحداث شرخ في صف السنة العرب وسحب
قيادات منهم الي المعسكر الامريكي بالكامل، وفي النهاية رضخ الجعفري والائتلاف
الشيعي لإملاءات واشنطن في فرض وزراء الخانة السنية في حكومته وجميعهم خصوم
للائتلاف واحدهم وهو عسكري سابق معروف بعلاقاته الوثيقة مع الاردنيين الذين
استقبلوه في عام 1991 بواسطة مشعان الجبوري الذي كان يقيم ويعمل في عمان ثم اعادوه
الي بغداد ليلقي القبض عليه ويحكم عليه بالسجن.
أما بخصوص سعدون الدليمي وترشيح الامريكيين له وزيراً للدفاع، فالمعلومات المؤكدة
تشيرالي ان الجعفري وعبدالعزيزالحكيم ذهبا الي المستشار السياسي للسفارة الامريكية
المستر روبرت فورد وتوسلا به ان يعين الدليمي في اي منصب آخر غير وزارة الدفاع،
وكانت حجتهما ان القواعد الشعبية لحزبيهما ستصدم عندما تجده وزيراً للدفاع وهو الذي
كان الذراع اليمني للواء فاضل البراك مدير الامن العام الأسبق في تفكيك التنظيمات
الشيعية وتصفية قياداتها وتشغيل المئات من كوادرها واعضائها الذين يطلق عليهم
بـ(المنهارين) وكلاء للأمن، ولم يكتف الدليمي بذلك ـ حسب الحكيم والجعفري ـ وانما
نجح في اختراق الحزبين وهو في بريطانيا خلال بعثته الدراسية وتمكن من (اسقاط) عدد
من المسؤولين فيهما حولهم الي عملاء للمخابرات العراقية، وكان رد المسؤول الامريكي
للاثنين حازماً وقاطعاً بان الدفاع لـ(مستر دليمي) مؤكداً لهما ان نائب الرئيس
تشيني هو الذي اختاره ورشحه وانتهي! وخرج الجعفري والحكيم من مكتب فورد يتعثران في
مشيتهما ويجران أذيال الخيبة.
وجاء الفشل الجعفري الآخر، في تشكيل لجنة الدستور وموافقته علي ان يتولي ملا معمم
رئاستها هو همام حمودي وعمله قاريء في الحسينيات، بعد ان كان الاتفاق ان يكون
رئيسها الكردي فؤاد معصوم، المعروف بعلمانيته رغم انه مدرس شريعة اسلامية، وتلاه
فشل آخر عندما وافق رئيس الحكومة الانتقالية علي اقتراح وزير داخليته باقر صولاغي
في الاستغناء عن 2400 مسؤول وضابط وموظف في وزارة الداخلية، صدر الامر الوزاري
بعزلهم واحالة بعضهم علي التقاعد في نطاق ضيق ودون إعلان، وتلقف الخبر اياد علاوي
وهو في إجازته اللندنية وأمضي عدة ساعات وهو يجري اتصالات هاتفية من دارته في حي
ويمبلدون، كانت نتيجتها إنذاراً وجهه الجنرال جورج كيسي قائد القوات الامريكية في
العراق وهو في قطر الي الجعفري بوقف القرار حالاً، وامتثل رئيس الحكومة للآمر
الامريكي بالطبع، وينسب الي علاوي ان الجعفري ابلغ الامريكان ان صولاغي اتخذ القرار
دون علمه ولم يبلغ به مجلس الوزراء.
ولعل أكبر صفعة وجهها الامريكيون للجعفري، كانت عندما اجري الرئيس بوش اتصالاً
هاتفياً برئيس الحكومة المؤقتة السابقة اياد علاوي وهو في دمشق، وفيها كما اعلن
المتحدث باسم البيت الابيض، ان الرئيس الامريكي ابلغ علاوي بان إدارته مصرة علي ان
تلتزم حكومة الجعفري بالمواعيد والاستحقاقات السياسية المعلن عنها سابقاً، وخصوصاً
فيما يتعلق بموضوعة الدستور الدائم وضرورة صياغته وعرضه علي الاستفتاء الشعبي
واقراره في منتصف آب (اغسطس) المقبل. وقد أحدثت المكالمة الهاتفية بين بوش وعلاوي
هزة في الإئتلاف الشيعي وحكومته الجعفرية، وأثارت قلقاً واسعاً لدي الجعفري والحكيم
والجلبي، الذين اكتشفوا ان اياد ما زال يحظي برعاية خاصة من الامريكان تفوق بكثير
رعايتها لهم، وانه يبقي الورقة الامريكية الضاغطة عليهم، ومما زاد في مخاوف الثلاثة
ان علاوي عندما عاد الي بغداد بدا يشتغل وكأنه عائد لا محالة الي رئاسة الحكومة
وانصرف الي التحضير لمؤتمر سياسي موسع قرر عقده في بغداد منتصف الشهر القادم ودعا
اليه احزاب وشيوخ عشائر وضباط عسكريين وممثلين عن منظمات ودكاكين، المهم عنده الكم
وليس النوع، لمشاكسة الائتلاف الشيعي الهش اصلاً واختراقه ايضاً، والمعلومات في
بغداد تشير الي نجاحات نسبية أحرزها علاوي في هذا الميدان، وتمكن من كسب الحزب
الشيوعي والحزب الاسلامي ومجموعة مهدي الحافظ وعدد من قادة وضباط الجيش السابق
يتقدمهم اللواء محمد عبداللطيف آمر قوات الفلوجة السابق وشيوخ عشائر من الموصل
وتكريت وآخرين من المنطقة الغربية يقيمون في الاردن، ولا ينكر علاوي ان عقد هذا
المؤتمر هو البداية لاسقاط حكومة الجعفري ويؤكد انها ستنهار في آب (اغسطس) المقبل
لانها غير قادرة علي الوفاء للاستحقاق الدستوري، ويؤكد أيضاً ان الحزبين الكرديين
معه في هذا الجهد، وان ابراهيم (طاير .. طاير) كما يردد في مجالسه.
ابراهيم الجعفري.. سيكون بعد غد في واشنطن، وهو ذاهب اليها وهو يضع يده علي قلبه،
يعرف مسبقاً انه سيتلقي تقريعاً وكلاماً من العيار الثقيل، وهذا لا يهمه فقد تعود
عليه طيلة العامين المنصرمين، المهم عنده الا يفقد ثقة الامريكيين به نهائياً،
وسيعترف لهم بانه واقع تحت مطرقة طالباني وبارزاني وسندان الحكيم والجلبي وسيعتذر
بانه لم يتمكن من تحقيق ما أرادوه منه بالكامل، وسيحاول بطريقته الملائية ان يخفف
من وطأة الزعل الامريكي عليه، غير ان الامريكان ـ والعهدة علي علاوي ـ جاهزون وقد
تحزموا لمحاكمته، وينقل عن أياد انه أبلغ وزيرالخارجية هوشيار زيباري ومساعدين له
في الوزارة زاروه واشتكوا من تصرفات وزير الخارجية الايراني كمال خرازي واعضاء
الوفد المرافق له خلال زيارته لبغداد والنجف في الشهر الماضي، ان المسؤولين
الامريكيين قد يغفرون للجعفري اخطاءه وعثراته وثقل خطواته، الا انهم لن يصفحوا عنه
في ملف العلاقات العراقية الايرانية، ولن ينسوا له ذلك التخاذل الذي اظهره عند
زيارة خرازي، فمحاضر الاجتماعات والحوارات التي دارت مع الوزير الايراني الذي تصرف
مع الجعفري واعضاء في حكومته بطريقة استعلائية مشينة، قد وصلت الي واشنطن وخرازي ما
زال في الجو عائدا الي طهران.
سقط ابراهيم الجعفري في الامتحان الامريكي وسيكون مغفلاً اذا صدق الكلام الناعم
والداعم له من بوش وكونداليزا رايس ورامسفيلد وولفوتز، وعليه ان يحزم حقائبه ويستعد
لمغادرة المنطقة الخضراء ببغداد ويعود الي مربض فرسه في لندن، ويعمل في شغلة أخري
كالاستثمارالتجاري في مجال (الموبايل) علي سبيل المثال لا الحصر.