الحوار
البعثي الامريكي ممكن ومطلوب ..
ولكن!
هارون محمد
ثمة
معلومات تبدو مؤكدة اجتاحت
الشارع
العراقي خلال الأيام القليلة الماضية، تفيد بان سلطات الاحتلال تمكنت مؤخراً
من
إيصال رسالة الي القيادة المؤقتة لحزب البعث الميدانية في العراق تدعوها الي
الحوار والتفاوض بلا شروط مسبقة، وصولاً الي اتفاق يتيح للحزب استئناف نشاطه علناً
وبحرية شرط ان ينبذ العنف ويشارك في العملية السياسية كطرف معارض اذا شاء، او
المشاركة في التشكيلات الحكومية ذا رغب وفق ما يناسبه.
وفي
المعلومات ايضاً ان
القيادة
المؤقتة للحزب وبات اعضاؤها الاربعة معروفين ليس بالنسبة للامريكان
والاطراف الحكومية والقيادات الحزبية المتعاونة معهم والاجهزة الامنية فحسب، وانما
علي
نطاق واسع في العراق وهم: يحيي العبودي مسؤول الجنوب وفريق العوادي مسؤول
الفرات الاوسط ورشيد الطعان مسؤول الوسط وعبد الباقي السعدون مسؤول الشمال، ردت علي
الرسالة الامريكية وحددت نقاطاً محددة وليست شروطاً مسبقة، لتكون اساساً للبدء في
حوار
وصفته بانه يجب ان يكون متوازناً وقائماً علي الاحترام وبلا خديعة او تهور من
الجانب الامريكي، وابرز هذه النقاط ان تعترف الولايات المتحدة علناً بحزب البعث
كواحد من الاطراف السياسية في العراق، وله الحق في العمل والنشاط شأنه في ذلك شأن
الاحزاب والمنظمات العاملة الأخري، وله الحق أيضا في اختيار مواقفه وتحديد اهدافه،
بلا
ضغوط او إملاءات امريكية او حكومية محلية، وان تتعهد الدولة الامريكية بنبذ
اللجوء الي الاغتيالات والاعتقالات لقياداته وكوادره واعضائه وانصاره، والتزام
الحياد في خلافاته وصراعاته السياسية مع الاطراف الاخري، وخصوصاً تلك المنخرطة في
المعسكر الامريكي ويتولي قادتها مناصب ومواقع في التشكيلات الحكومية والامنية
والعسكرية.
ومن
النقاط الاخري التي طرحتها قيادة البعث الميدانية، الغاء هيئة
اجتثاث البعث والقرارات التي صدرت في وقت سابق بحظر النشاط البعثي وترتيب اوضاع
البعثيين المفصولين واعادتهم الي وظائفهم السابقة بضمنهم ضباط الجيش والشرطة وقوي
الامن والمخابرات العامة، واطلاق سراح الموقوفين والمعتقلين وتعويض المتضررين
والسماح للبعثيين الذين غادروا الي الخارج خشية التنكيل والملاحقة بالعودة الي
العراق وممارسة حياتهم بحرية، واختتمت القيادة البعثية ردها بانها مستعدة للدخول في
حوار
مع القيادة الامريكية في العراق اذا تمت الموافقة علي النقاط التي اوردتها في
ردها
علي رسالتها، وحددت مدينة اربيل التي تخضع لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردي
برئاسة مسعود بارزاني مكاناً للاجتماعات وفق موعد يتم الاتفاق عليه من قبل الجانبين
لاحقاً.
ويبدو ان الادارة الامريكية من خلال اشارات صدرت عن مسؤولين فيها آخرهم
وزيرة الخارجية الامريكية كوندوليزا رايس التي اعلنت ان الخيارات السياسية باتت
مطلوبة في معالجة الاوضاع المتوترة في العراق بدلاً من الحسم العسكري، والتسريبات
الي
الصحافة الامريكية وآخرها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز امس الاول عن وجود
اتصالات بين مسؤولين امريكيين وقياديين بعثيين، توصلت الي قناعة بانها اخطأت في
تقديراتها لحجم القوي السياسية المؤثرة في العراق وادركت ولو متأخرة ان حزب البعث
قوة
شعبية من الصعب تفتيتها، وان الاحزاب الشيعية والكردية والجماعات السياسية
الاخري المتعاونة معها لو جمعت كلها علي بعضها، لن تشكل عشر حزب البعث من حيث العدد
علي
الارض والحضور والتأثير والفاعلية، اضافة الي ان البعث نجح علي امتداد ثلاثة
عقود
من تأهيل مئات الالوف من الاكاديميين والخبراء والعلماء والأطباء والمهندسين
والمدرسين والكوادر الادارية والفنية والعسكرية، الذين شكلوا طبقة لا يمكن
الاستغناء عنها في العراق بأي حال من الاحوال.
ويبدو ايضاً ان ادارة الرئيس بوش
توصلت الي
حقيقة مفادها ان تورطها في العراق سيتسع مستقبلاً ويجلب لها المزيد من
المتاعب والخسائر، ما لم تتخذ اجراءات سريعة تعيد قدراً من التوازن السياسي
والاجتماعي في الساحة العراقية بما يضمن عدم استحواذ طرف او اطراف معينة لها توجهات
طائفية وارتباطات خارجية وانفرادها بالعمل السياسي، خصوصاً وان تجربة العامين
المنصرمين من الاحتلال اثبتت ان هذه الاطراف تفتقر الي قواعد شعبية وبرامج سياسية،
وتعتمد علي التهييج المذهبي والفتاوي الدينية منهجاً لها، وهذا ما يتعارض مع
السياسيات الامريكية ومصالحها الاستراتيجية في المنطقة، واذا كانت السفارة
الامريكية ببغداد قد نجحت في تطعيم حكومة الجعفري الشيعية الكردية بعناصر بعثية
وقومية سابقة منهم اللواء عبد مطلك الجبوري نائب رئيس الوزراء والدكتور سعدون
الدليمي وزير الدفاع والعقيد نوري سرحان الراوي وزير الثقافة في محاولة لخلخلة
الائتلاف الشيعي الذي يهيمن عليها، فان هذا النجاح يبقي محدوداً في ظل تزايد النفوذ
الايراني في العراق، وصعود عملاء ايرانيين لهم ملفات في الدوائر الامريكية الي
مواقع حساسة في وزارات وادارات حكومية ببغداد، الامر الذي قد يقود الي نزاعات
طائفية أو حروب اهلية مستقبلا،ً وهذا ما تخشاه واشنطن لانه سيثقل عليها اعباء
احتلالها الثقيلة اصلاً، ويكلفها الكثير من الجهود والاموال والخسائر.
ولأن
صناع
القرار في
واشنطن يعرفون تماماً بان البعثيين الذين تمرسوا في مواجهة الاطراف
الاجنبية ولهم خبرات في التصدي للتحديات الخارجية علي امتداد ثلاثين سنة، هم أقدر
الجماعات الحزبية والسياسية القائمة في العراق علي التعبئة والتنظيم والتعاطي مع
التنظيمات الشيعية الموالية لايران، نظراً لوجود مئات الآلاف من ذوي اصول ومناطق
شيعية في محافظات منطقتي الفرات الاوسط والجنوب ضمن صفوف حزب البعث، خصوصاً وان
سجلات الحزب التي صادرتها قوات الاحتلال تثبت بان سبعين بالمئة من الكوادر
والقيادات الوسطية والاعضاء العاملين وهم الحلقات الاكثير تأثيراً في أنشطة ومسارات
الحزب من الشيعة، واذا تم اعتماد الرقم الذي اعلنه الرئيس الانتقالـــــي جلال
طالباني بان الاجهزة الحكومية حددت عدد البعثيين من عضو عامل فما فوق بمليون ونصف
مليون بعثي، فان هذا يعني ان هناك بحدود 900 الف بعثي شيعي بمقدروهم لو اتيجت لهم
حرية
المشاركة في العمل السياسي ان يحدثوا انعطافة كبيرة في محافظاتهم ومناطقهم
التي
باتت ترزح تحت وطأة وهيمنةاحزاب ومنظمات طائفية.
واذا
صحت الانباء التي
ترددت
مؤخراً بان السلطات الامريكية بصدد اطلاق سراح اثنين من القياديين المعتقلين
منذ
عامين، سمير عبدالعزيز النجم وعزيز صالح نومان الخفاجي قريباً ليسهما في ادارة
الحوار البعثي الامريكي المرتقب، فان المرحلة المقبلة ستشهد تطورات بالغة الأهمية
تتزامن مع استحقاقات سياسية خاصة، علي صعيد الانتخابات التشريعية المقررة في نهاية
العام الحالي، والمتوقع ان تحدث انقلاباً في العملية السياسية اذا جرت في أجواء
ديمقراطية حقيقية تنهي نفوذ الاحزاب والجماعات الدينية والطائفية التي استغلت
الفراغ السياسي ونجحت في الفوز باغلبية المقاعد النيابية في المحافظات ذات الكثافة
الشيعية السكانية، مستندة علي دعم قوات الاحتلال ومباركة المرجعية في النجف.
ومع
ان
المعلومات قليلة عن الاتصالات البعثية الامريكية التي جرت في الفترة الاخيرة،
وما
يتسرب منها لا يعطي صورة كاملة عن الشوط الذي قطعته في التوجه نحو الحوار
المباشر بين الطرفين، الا ان زيارة وزيرة الخارجية الامريكية كونداليزا رايس الي
اربيل مباشرة واجتماعها مع مسعود بارزاني الذي ظل علي علاقة طيبة مع مسؤولي النظام
السابق حتي نهايته، تعطي انطباعاً بان المسؤولة الامريكية ربما ناقشت موضوع الحوار
البعثي الامريكي من ضمن قضايا اخري مع رئيس الحزب الكردي الذي استقبل الاف من الكرد
البعثيين او المحسوبين علي النظام السابق، وأمن لهم الاقامة والحماية في المناطق
التي
تخضع له، وعدد من هؤلاء وزراء سابقون وامناء عامون في مجلسي الحكم الذاتي
التشريعي والتنفيذي ومسؤولون سابقون.
وكانت القيادة الامريكية في العراق قد
اهملت
اقتراحاً لرئيس الحكومة المؤقتة السابقة اياد علاوي في وقت سابق يتضمن تشكيل
قيادة جديدة لحزب البعث في العراق رشح لها اعضاء عرف منهم عبدالفتاح الياسين وتايه
عبدالكريم ونعيم حداد وطاهر البكاء وعدنان الجنابي والاخيران يتعاونان مع حركة
الوفاق التي يرأسها علاوي نفسه، واستند الامريكان في رفض هذا الاقتراح بان
القياديين الذين رشحهم علاوي لتنظيم الحزب ليست لهم القدرة لخوض مثل هذه التجربة
كما
انهم فصلوا من الحزب منذ سنوات وابتعدوا عن الحياة الحزبية والسياسية.
ولا
يخفي
علي المراقبين السياسيين ان التحرك الامريكي باتجاه الحوار مع القيادة البعثية
الميدانية يهدف ضمن ما يهدف، الي فك التعاون القائم بين البعثيين والاسلاميين في
إطار
المقاومة العراقية للاحتلال، واستغلال التوجهات الفكرية المتناقضة بين الطرفين
لاحداث شرخ بينهما، وهذا سيضع المحاورين البعثيين الذين سيلتقون الامريكيين، في
موقف
يحتم عليهم التأكد أولا من نجاح الحوار وضمانات امريكية بتلبية الطروحات
والمطاليب المعروضة عليهم، وتنفيذ الاجندة التي سيتم الاتفاق عليها مرحليا او دفعة
واحدة، وهنا يجب علي وفد البعث المحاور او المفاوض، الا يقع أسير اغراءات
الامريكيين ووعودهم وتحريضاتهم علي جماعات المقاومة الاخري، وانما التزام موقف يكفل
حق
المقاومة العراقية في فعالياتها المناهضة للاحتلال بالطريقة التي تراها هذه
الجماعة او تلك، فالولايات المتحدة الامريكية لم تتذكر حزب البعث الآن لسواد عيون
أعضائه وجماهيره، وانما حاجة اليه للتخلص من مآزقها وتورطها ومشاكلها وخسائرها.