اياد علاوي.. لقد هزمت.. لماذا لا تعتزل؟
هارون محمد


يرفض رئيس الحكومة المؤقتة السابقة الدكتور اياد علاوي الاعتراف بانه هزم أمام رئيس الحكومة الانتقالي الحالي، ابراهيم الجعفري، ولكنه يقر بانه خسر جولة في معركة خاضها بمفرده ضد تحالف اشترك فيه المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني والمجلس الاعلي وحزب الدعوة (جناح الجعفري وجماعة عنزي) واحمد الجلبي وميليشيات بدر وعشرات المنظمات والدكاكين الحزبية والسياسية التي سخرتها ايران لدعم الائتلاف الشيعي الذي فاز في انتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، واحرز مئة واربعين مقعداً.
ويتباهي علاوي بانه عندما شكل حكومته المؤقتة في نهاية حزيران (يونيو) الماضي فانه ألفها بـ(النقدي) أي جاهزة وكاملة، وكل الوزراء الذين اشتركوا فيها جاءوا باختياره وموافقته، ويتهكم علي الجعفري الذي ظل اربعة أشهر (يصعد وينزل.. يروح ويجيء) ثم شكل حكومته بالتقسيط، ويؤكد رئيس الحكومة السابقة ان الحكومة الجديدة ليست حكومة الجعفري وانما حكومة الحكيم والجلبي في جانبها المحلي، وان رئيسها هو أضعف حلقة فيها، لذلك فان مسألة اسقاطها قبل ان تصل الي نهاية عمرها المقرر في كانون الاول (ديسمبر) المقبل عملية في غاية البساطة، وانتظروا آب اللهاب، ويعني به شهر آب (اغسطس) القادم!
هذه مجموعة آراء نقلت عن أوساط مقربة من اياد علاوي تحدث اليها مباشرة او عبر اتصالات هاتفية من دارته في حي ويمبلدون اللندني حيث يقضي في العاصمة البريطانية فترة راحة واستجمام بعيداً عن ضجيج بغداد واصوات الانفجارات وثرثرة الاجتماعات ورتابة الجلسات.
ومشكلة اياد علاوي انه رجل حصل علي فرصة لم تخطر علي باله في يوم من الايام، وكان بمقدوره لو انه سياسي محنك، ان يستمر في مهمته، ولكنه وهنا طامته، انه وضع كل بيضه في سلة الامريكان، انطلاقاً من مفهوم خاطئ ظل يتمسك به مفاده ما دام (الاصدقاء) رشحوه وجاءوا به الي رئاسة الحكومة، فلابد ان يكون معهم قلباً وقالباً، دون ان يجرؤ علي وضع مسافة بينه وبينهم ويعمل وفق توازن معقول، خصوصاً وان المرحلة السابقة كانت لصالحه بعد ان (داخ) المستر بريمر، واصيب بالاكتئاب جراء فشله واخفاقاته مع (العراقيين) حسب قول منقول عنه وهو يهم بركوب الطائرة الخاصة التي استقلها من مطار بغداد عائداً الي بلاده بلا رجعة.
وكان باستطاعة علاوي ان يستغل الفشل الامريكي الذي استمر اكثر من اربعة عشر شهراً في حينه، من نيسان (ابريل) 2003 الي حزيران (يونيو) 2004 ويوظفه في تنفيذ سلسلة اجراءات وخطوات مناقضة تماماً لسياسات بريمر المتخبطة، خصوصاً وان (اصدقاءه) الامريكان أعطوه هوامش من الحرية والتحرك، ووفروا له تسهيلات وخدمات اعتقاداً منهم ان نجاحه في الصعيد الامني والميدان الخدماتي والمجال الاقتصادي والاجتماعي، ينعكس عليهم ايجابياً، وهذا اعتقاد صحيح ويستند الي تجاربهم في كوريا الجنوبية كمثال علي ذلك، ولكنه تشبث بالامريكان في كل صغيرة وكبيرة، حتي وصل الامر به الي أنه ظل في احدي المرات ينتظر ثلاثة ايام ليقابل السفير نيغروبونتي في قضية لا تستحق، ويقال وانا انقل عن احد وزرائه السابقين، ان السفير الامريكي قال له عندما قابله: هذا الموضوع من اختصاص حكومتك!
وفي مرة أخري، طرح نيغروبونتي قبل ان يغادر بغداد الي واشنطن لتسلم منصبه الجديد في مطلع العام الحالي فكرة انسحاب القوات الامريكية والحليفة لها من بعض الاقضية والنواحي ومراكز المحافظات التي لا تشهد عمليات او مواجهات عسكرية كبيرة الي قواعد ومعسكرات خارج المدن، ومما قاله السفير الامريكي ان هذه الخطوة لو تحققت فانها أفضل هدية يمكن ان تقدم الي الرئيس بوش ومن شأنها ان تعزز مكانة البيت الابيض دولياً واقليمياً وعربياً.
وبدلاً من التعاطي مع هذه الفكرة بطريقة تخدم الطرفين العراقي والامريكي عسكرياً وأمنياً، وتخليص مناطق عراقية وجزء من الشعب العراقي من صلف واعتداءات وانتهاكات القوات الامريكية، اوعز علاوي الي محافظي ومسؤولي الشرطة والامن في المناطق المقترحة لانسحاب الجيوش الاجنبية منها بتقديم تقارير رسمية وأمنية خلاصتها ان القوة الوحيدة التي ستملأ الفراغ عند انسحاب (القوات المتعددة الجنسيات) منها، هي المقاومة التي يسميها اهل الحكم في بغداد بالجماعات الارهابية، وفزع نيغروبونتي وطلب غلق الموضوع.
ولعل تصرفات اياد علاوي في التعامل مع احداث النجف وكيفية تهافته للتقرب الي المرجعية والتنظيمات والاحزاب الشيعية وقسوته في ضرب التيار الصدري بتلك الشدة اللامبررة، تعطي دليلاً علي انه سياسي قاصر لا يدرك نتائج اعماله وافعاله، فهو في هذه الاحداث خسر مقتدي الصدر وجمهوره الواسع، ولم يكسب تأييد المرجعية والمجلس الاعلي وحزب الدعوة والبازار الشيعي، و(خرج من المولد بلا حمص) ولو عمل علي مد جسور من الثقة والتفهم مع الصدريين وتلبية بعض مطاليبهم المشروعة، لكان حيدهم علي الاقل، لا ان يرسل اليهم موفدين امثال موفق ربيعي الذي كان يحرضهم بشكل غير مباشر، وحسين الصدر الذي هرب من مواجهتهم وعباءته تتدلي علي كتفه.
ولاحظوا كيف تمكن انصار الصدر من اختراق قائمة الائتلاف الشيعي ورشح عدد منهم نفسه مستقلا، وحصل التيار الصدري علي ثلاثة وعشرين مقعداً في الجمعية الوطنية، ولو كان علاوي يتفهم الاوضاع في العراق علي حقيقتها، لوقف محايداً علي الاقل في الصراع مع مقتدي، لا ان يكون ضده علي طول الخط، مما ممكن خصوم الصدريين وخصومه هو نفسه ايضاً، من الاستحواذ علي عدد من المحافظات العراقية في الفرات الاوسط والجنوب. والامر نفسه ينطبق علي الفلوجة هذه المدينة التي رفعت هامات العراقيين عالياً، وخطت اسمها في سجل مدن الصمود من لينين غراد الي بورسعيد، فبدلاً من تهدئة خواطر أهلها وتبريد الحملة الهوجاء ضدها، فانه يطلب من وزير دفاعه حازم الشعلان وقف مفاوضاته مع وفد يمثلها ويخرج بلا حياء ليصرح بانه اعطي ترخصياً للقوات الامريكية بمهاجمتها واقتحامها، في مظهر كاذب ليوحي بانه صاحب الامر والنهي، وكأن الناس صم بكم لا يفقهون!
وعندما بدأت الاستعدادات لاجراء الانتخابات الاخيرة، نصحه بعض معارفه ان يخوضها باقتحامية، خصوصاً وانه رئيس وزراء وصاحب نفوذ ومال وحكم وان يلعب علي التناقضات ما دام العمل السياسي القائم في العراق حالياً لعبة يختلط فيها الحابل بالنابل، وطلبوا منه ان يواجه خصومه في الائتلاف الشيعي بجرأة وبلا خجل، ويرشح علي قائمته عدداً من الاشخاص لهم وضعهم الاجتماعي في مناطقهم وخاصة شيوخ العشائر في محافظات الحلة والكوت والديوانية والعمارة والناصرية والنجف وكربلاء والبصرة والسماوة، ممن تتهمهم الاحزاب والجماعات الشيعية ظلماً وباطلاً انهم من اتباع النظام السابق، والاتفاق مع مرشحين في مناطق السنة العرب لهم منزلتهم وسمعتهم دون ان يقيدهم باي التزامات سياسية محددة، ولكنه فعل العكس تماماً وجاء بمجموعة من المرشحين لا يعرف لهم اسم او تأريخ، وكثير منهم عليهم ملاحظات وقضايا فساد عندما كانوا في العراق او في خارجه، وأدرج اسماءهم في مقدمة وتسلسل لائحته، وبادر الي تسجيل حلقات تلفزيونية تحدث فيها عن سيرته و(نضالاته) بطريقة مبالغ بها، دون ان يدرك انها جاءت معاكسة للواقع، وانتجت ردود فعل حانقة عليه، خصوصاً عندما قدم نفسه وكأنه قائد بعثي كبير وله مواقف معارضة ضد صدام حسين وزج باسم مؤسس الحزب ميشيل عفلق، وهو يعرف سلفاً ان الحوادث التي اشار اليها ليست صحيحة بل مختلقة من اساسها، وكانت النتيجة انه خسر كثيراً دون ان يربح قليلاً، ولولا مشاركة ثلاثة من شيوخ العشائر في لائحته، كانوا سببا في حصول قائمته علي اربعين مقعداً، لخرج بمقعد او مقعدين علي اكثر تقدير.
مناسبة هذا الحديث عن اياد علاوي تأتي استناداً الي جهود ومساع واتصالات يجريها هذه الايام مع أوساط وأطراف وشخصيات سياسية وفكرية واجتماعية لغرض تشكيل ما يسميها بجبهة واسعة وعريضة لمناهضة الائتلاف الشيعي وحكومته الراهنة برئاسة ابراهيم الجعفري، هو يريد دغدغة مشاعر السنة العرب المحبطة مما جري ويجري في العراق سعيا الي استمالة رموز وقيادات وشخصيات منهم الي جبهته المقترحة، ويبدو انه تذكر السنة العرب الآن، بعد ان تجاهلهم عندما كان في رئاسة الحكومة، وحرض علي التنكيل بهم وضرب مناطقهم ومدنهم التي ما تزال تعاني من هجمات وحشية تتصاعد اليوم بشكل خطير كما يحدث في الرمادي وسامراء والقائم وحديثة والموصل وبيجي وكركوك.
هو يريد الان استقطاب المثقفين والاكاديميين الشيعة الذين ناهضوا الاحزاب الشيعية وطروحاتها الطائفية، ويعمل علي استخدام اسمائهم وسمعتهم الطيبة الي جبهته، وهو الذي اغفلهم وهمش ادوارهم في المرحلة السابقة، وتصوروا علي سبيل المثال ان البروفيسور سامي المظفر وهو عالم كبير واستاذ جامعي مرموق قبل بوزارة التربية في الحكومة المؤقتة بتشجيع من السيد الاخضر الابراهيمي، عاني من رئيسها علاوي الشيء الكثير، دفعه الي مغادرته والارتباط ولو صوريا بقائمة الائتلاف الشيعي وهو العلماني والاكاديمي البارز نكاية به.
علاوي يريد من قادة الجيش العراقي المسرحين ان ينضموا الي جبهته ويطلق الوعود باعادة الجيش العراقي، وهو الذي اخترع جهاز الحرس الوطني القائم علي الطائفية والعرقية ومعاداة الوطنيين والقوميين ومطاردة المقاومين والمعارضين.
اياد علاوي لقد فشلت وبددت الفرصة التي لم تكن تحلم بها.
ويا قيادات السنة العرب وضباط جيشنا الباسل، ويا شيوخ وأعيان واهل الفكر والثقافة من الشيعة العرب، انتبهوا وأحذروا، والمرء العاقل لا يلدغ من جحر مرتين.