فخ أمريكي منصوب للايقاع بالسنة العرب في العراق

هارون محمد


ارتكب بعض ممثلي السنة العرب من مؤسسي واعضاء جبهة القوي الوطنية ومنبر الحوار الوطني، أخطاء سياسية في الاسبوع الماضي، عندما حصروا مطاليبهم في الحصول علي عشر وزارات تارة، وسبع وزارات تارة أخري، فوضعوا انفسهم في خندق الطائفية ومشوا في مسار المحاصصات الفئوية، وهذا ما تريده وسعت اليه خلال العامين المنصرمين سلطات الاحتلال والتنظيمات الشيعية ونظيرتها الكردية وفشلت في تحقيقة لحد الآن ولله الحمد.
ان المسؤولية الوطنية والقومية تفرض علي السنة العرب الذين قدموا عطاءً متميزاً وتضحيات جمة وخدمات جليلة في خدمة العراق والعروبة والاسلام علي امتداد التاريخ، وأسسوا دولته الحديثة، ودافعوا عن حدوده وحافظوا علي سيادته واستقلاله، وقادوا سلسلة لا تعد ولا تحصي من الانجازات والتحولات طيلة السنوات الثمانين الماضية، تفرض عليهم ان يلعبوا دورهم السياسي والحضاري والاجتماعي والانساني في انتشال عراق اليوم من المحنة التي يرزح تحت وطأتها وانقاذ عرب العراق من الهجمات الشعوبية التفريقية التي تغذيها جهات واطراف انعزالية ذات ولاءات امريكية وايرانية، والتصدي الحازم لديمقراطية المارينز وحرية الاباتشي وتعددية الهمرات، وهذا يستدعي من ممثليهم وقياداتهم ورموزهم، ان يحذروا الفخاخ التي تنصب لهم، ويتفادوا السقوط في كمائن الوزارات والمناصب، ويتجنبوا جرهم الي لعبة (هذا لك وهذا لي) الملعونة التي جاء بها المحتلون وتلقفها وكلاؤهم وعملاؤهم وادواتهم ممن تصدروا المشهد السياسي في العراق منذ احتلاله قبل سنتين.
ان التفريط بالمواقف الوطنية والعروبية للسنة التي برزت خلال الشهور الماضية، ابتداء من رفض التعامل مع الاحتلال، مروراً بمناهضته ومقاومته، وانتهاء بمقاطعة انتخابات الثلاثين من كانون الثاني (يناير) الماضي، وسحب الشرعية الوطنية عنها، جريمة تسجل علي كل من يحاول تقزيم السنة العرب، والقبول بتصنيفهم كأقلية، في فصل متعمد عن أخوانهم واشقائهم الشيعة العرب، الذين هيمنت عليهم التنظيمات والجماعات والمرجعيات الفارسية والصفوية، وسلبت اراداتهم وصادرت آراءهم وكلمتهم، وشوهت مواقفهم، بتشجيع امريكي مفضوح، لذا فانه من السخف ان يتم التركيز علي طلب الوزارات والحصول علي المواقع والامتيازات الانتفاعية، وهذا ما يريده المحتلون وشلتهم الفاسدة.
ان المطلوب من ممثلي السنة العرب في العراق ان يترفعوا عن الصغائر، ويتحملوا مسؤولياتهم التأريخية في مواجهة استحقاقات المرحلتين الراهنة والمقبلة، في الاستمرار برفض المحاصصات الفئوية والطائفية وتهشيم سياقاتها، من خلال طرح برنامج وطني يقوم علي جملة مبادئ تكون هي المعيار للمساهمة في العملية السياسية والمشاركة في التشكيلات والهيئات الحكومية، وابرز هذه المبادئ؛ السعي لتفكيك الوجود الاستعماري في العراق، ومحاصرة مخاطره وآثاره، والعمل علي جدولة انسحاب قوات الاحتلال، واطلاق سراح عشرات الالوف من الاسري والمعتقلين، وتعويض المتضررين العراقيين، ووقف الحملات العسكرية والهجمات الوحشية علي المواطنين ومدنهم وممتلكاتهم، والاعتراف بحق المقاومة العراقية في الدفاع عن بلدها.
وقد يعتقد بعض المترهلين السياسيين، ان هذه المبادئ تعجيزية ولا تقبل بها قوات الاحتلال ولا تنسجم مع رغبات الاحزاب والجماعات المتعاونة، والجواب هو: بالعكس هذه المطالب عادلة ومشروعة وتعبر عن ارادة الاغلبية الساحقة من عرب العراق علي الاقل، وهم الذين يشكلون المكون الاساسي للشعب العراقي، فالخائفون علي اوضاعهم والحريصون علي البقاء فترة اطول في المواقع والمناصب لاغراض السلب والنهب، هم الذين لا يريدون رحيل الغزاة وانسحاب قواتهم من العراق، وكل هؤلاء لو جمع كبيرهم علي صغيرهم لا يشكلون في اعلي التقديرات واحدا بالألف من المحسوبين علي العراق..صدقاً ام إدعاء أم تزويراً.
لقد أدركت قوات الاحتلال متأخرة ان الاجراءات القمعية والتنكيلية التي اتخذتها ضد مناطق ومحافظات السنة العرب لرفضهم التعاون معها، وامتناعهم عن الدخول في دهاليز ما يسمي بـ(العملية السياسية) التي خطط لها المستر بريمر، لم تنتج غير تصعيد المقاومة وانتشارها واستقطابها لطاقات كبيرة، الحقت بالمحتلين واداوتهم المحلية خسائر، يضطرون للإعلان عن جزء يسير منها، ويعتمون علي الجانب الاكبر فيها، ومن هنا فان التلويحات الخادعة والإغراءات الوزارية لكسب بعض ممثلي السنة العرب، وزجهم في خدمة الاحتلال، يقصد بها تشويه وقفات الصمود ومواقف التحدي الوطني والرفض الشعبي لكل اشكال الاحتلال، وهي معطيات برزت بصورة اعترف بها الامريكان انفسهم في مناطق السنة العرب رغم الحشد العسكري الكثيف والهجمات اليومية، فالمقاومة هي التي تبسط سيطرتها في كثير من المناطق والمحافظات والمدن والقصبات العربية، وبالتالي فمن حق الشهداء الذين سقطوا فداء للوطن ودفاعا عنه، في بغداد والفلوجة وسامراء والموصل والرمادي والقائم وحديثة واللطيفية والمدائن والمحمودية والحلة وابو غريب واليوسفية والبصرة والزبير وابو الخصيب وام قصر وكركوك ودبس والحويجة والرياض وبيجي والشرقاط وتكريت والنجف والديوانية والناصرية والكوت والعمارة والسماوة وبلد والدجيل وهيت والصويرة وسوق الشيوخ وبعقوبة ومندلي والخالص والمقدادية وبلدروز وجلولاء وكفري وقرة تبة وسنجار وهيت والمسيب وجرف الصخر والحصوة، وكل مدينة وقرية وسجن وشارع ومسجد وحسينية ومدرسة سال فيها الدم العراق الطاهر، أن يرتفع الصوت بنبرة عالية وقوية ليس من اجل المغانم والمناصب، وانما لخلاص العراق من الاحتلال الامريكي البغيض، هذه هي اولوية العمل السياسي الوطني، وبعد ذلك تأتي التفاصيل.
ولأن تجريم السنة العرب والاستمرار في التجريح بهم جزء من المخطط الامريكي الصهيوني لتفتيت وحدة عرب العراق وتقسيمهم مذهبياُ وطائفياً، فالمطلوب من رموز وقيادات ووجهاء وشيوخ السنة العرب إصدار وثيقة يعلنون فيها انهم علي استعداد لتأييد ودعم تولي شخصيات من الشيعة العرب لجميع المواقع السيادية والمقاعد الوزارية والمناصب الحكومية، شرط ان تكون هذه الشخصيات عراقية الولادة والانتماء والولاء، وليس من اصول ايرانية وهندية وباكستانية وتركية وافغانية واذرية، وبذلك يثبت السنة العرب انهم عراقيون أصلاء، وعروبيون أنقياء، ويدحرون الهجمة الشعوبية والانفصالية والكسروية، التي تستهدف فصم العراق عن حاضنته العربية والغاء هويته القومية، وطبعاً لن يكون من حق الشيعي المزيف او من زور اسمه ولقبه وولادته وجنسيته ان يتسلم مواقع سيادية ووزارية وعسكرية ونيابية ودبلوماسية ووظائف حساسة، كما يحدث الآن.
ان أهداف المؤامرة الامريكية الجديدة في العراق وبعد سلسلة الهزائم التي منيت بها قوات الاحتلال وعجزها عن مواجهة المقاومة الوطنية التي تتسع وتتطور يوماً بعد يوم، باتت واضحة وتتركز علي احداث شرخ بين عرب العراق، وحادثة المدائن في الاسبوع الماضي مقدمة لهذه المؤامرة التي اشترك فيها سماسرة في تسويق الطائفية ومحرضون سلعتهم الفتنة والفرقة والتهييج المذهبي. واذا كانت حكمة اهل المدائن ووعيهم قد فوتا صفحة المؤامرة في مدينتهم الباسلة، فان صفحات مقبلة سيتم تنفيذها في مدن ومناطق اخري، لذا فان المهمة الملحة الملقاة علي الوطنيين والاخيار والحريصين علي حاضر بلدهم ومستقبله، ان يفتحوا عيونهم علي ما يحاك وينسج ضد عرب العراق والسنة منهم تحديداً، ولعل من ملامح المؤامرة الجديدة، ان تظهر اصوات عرفت بعنصريتها وطائفيتها واحقادها علي العروبة والعرب، تتباكي علي السنة العرب وتطالب بمنحهم اربعة مقاعد كمكرمة او هبة، فيما يطلع (نائب) من الاشباح، فاز في انتخابات الارقام التضليلية يقول:ان الاستحقاق الوزاري لا يشمل من قاطع الانتخابات، قائلاً بلسان ملتو، أن منح السنة العرب اربع وزارات حصة مناسبة، هكذا بتصريح أعرج شطب علي أكثر من ستة ملايين عراقي قاطعوا الانتخابات الناقصة والجزئية التي نظمتها قوات الاحتلال واشرفت عليها.
وتبقي كلمة لابد من توجيهها الي السادة في جبهة القوي الوطنية ومنبر الحوار الوطني، انتبهوا واحذروا الفخ الذي نصب للسنة العرب، وسحب أرجل ممثلين عنهم الي الوزارات الصورية والمواقع الهزيلة، لأن القبول بهكذا صيغ يعني قبول بالمحاصصات والنسب الطائفية والفئوية، وهذا هو الهدف الاساسي من هذه اللعبة. والحذر الحذر ايضاً من تصديق ادعاءات ومزاعم طلاب سلطة محسوبين علي السنة العرب، عرفوا بالتهافت والابتذال طيلة العامين الماضيين وانخرطوا مع اصدقائهم وحلفائهم وانسبائهم في اتهام السنة العرب باطلاً، وتحريض الامريكان عليهم لضرب مناطقهم وتشريد اهلها، كما حدث في سامراء والفلوجة والموصل وتكريت وكركوك والشرقاط علي وجه التحديد.
المطلوب من السنة العرب وممثليهم الحقيقيين الثبات علي الموقف الوطني والعروبي في رفض الاحتلال وسياساته واجراءاته وهيئاته وتشكيلاته، والفوز دائماً للأخيار والوطنيين، والهزيمة دائماً نصيب الأشرار والعملاء والمخبرين، هذه هي سنة الحياة ومسارهــا وحصيلتها.