المقاومة العراقية

 مطلوب ذراع سياسية تسند العسكرية

هارون محمد

ابتداء.. لم نكن في القدس العربي نبحث عن سبق صحافي عندما كشفنا أنباء الاتصالات الامريكية مع اطراف في المقاومة العراقية، وكانت صحيفتنا أول وسيلة أعلام في العالم تنشر معلومات ميدانية وتفاصيل دقيقة عن تلك الاتصالات وما رافقها من رسائل ووساطات امريكية بهذا الشأن، قبل ان تشير اليها صحيفة بريطانية بأربعة أسابيع، ومن ثم يعترف بها رامسفيلد لاحقاً، وانما انطلقنا ونحن جزء من المقاومة، من مسألة بالغة الأهمية، تتمثل في ان أمريكا خسرت حربها في العراق، ولم تحرز انتصاراً كما يزعم رئيسها الذي بات يكرر المفردات والعبارات نفسها حول وجود ومهمات قواته في العراق، الامر الذي يوحي بانه في أزمة لا يستطيع مغادرتها، ولكنه الصلف والاستعلاء وهما ابرز صفات الرئيس بوش.
ولعل من أكبر الدلائل علي هزيمة الامريكيين في العراق، انهم راحوا يتوسلون بمن يعتقدون او يعرفون انه علي صلة او علاقة حتي من بعيد بأطراف المقاومة للاجتماع والحوار بقادتها أو ممثلين عنها، وانطلق سفراؤهم ومستشاروهم واركان سفاراتهم في بغداد يبعثون بالرسل والوسطاء والرسائل الي المقاومة ويبدون استعدادهم لعقد اتفاقيات معها علي اعلي المستويات، وهذه ليست سمات منتصرين وانما مهزومين، يريدون تغطية خيباتهم بما يحفظ ماء وجوههم، فالمبادرة الان بيد المقاومة، وباتت صاحبة القرار في استمرار تلك الاتصالات او وقفها، وليس الامريكيين الذين صاروا يلهثون وراءها متوسلين ومتخلين عن مكابراتهم التي تهاوت وسقطت تماماً.
وعندما تضطر قوات الاحتلال والسفارة الامريكية ببغداد الي فتح قنوات اتصال مع اطراف في المقاومة العراقية ودعوتها الي الحوار والاجتماع، فان ذلك لم يأت حباً بالمقاومة او ارتياحاً لها، وانما اعترافاً ولو متأخراً من الادارة الامريكية بقوة وصلابة المقاومة وقدرتها المتنامية والتفاف اغلبية العراقيين حولها، وادراكاً من مساعدي بوش بان الأحزاب والجماعات والدكاكين التي تم الاعتماد عليها لو جمعت كلها علي بعضها لا تساوي شيئاً امام المقاومة، ولولا المنطقة الخضراء باسلاكها الشائكة، واسيجتها الكونكريتية وقصورها المحصنة، وكثافة الحراسات فيها، وطائرات الهليكوبتر التي تراقبها ليل نهار، لما بقي واحد من المتعاونين ساعة واحدة في العراق، لذلك نري ان متصدري المناصب الرئاسية والمواقع القيادية والوزراء وقادة الاحزاب المتعاونين مع الاحتلال يصابون بهبوط في قلوبهم عندما يسمعون بكلمة الانسحاب، ويرتجفون جزعاً حتي من عبارة جدولة الانسحاب الامريكي من العراق، لذلك كان رئيس الحكومة الانتقالية ابراهيم الجعفري صادقاً مع نفسه علي الاقل وعارفاً بالواقع الذي يعيشه عندما حيا الرئيس بوش وشكره وسبح بحمده، لأن الاخير ما زال يتمسك بثرثرته التي لا يملك غيرها في عدم سحب جيوشه من العراق، وهو المحاصر بدعوات الانسحاب وجدولته التي وصلت الي اقطاب حزبه الجمهوري والكونغرس والجمهور الامريكي.
ولان الاتصالات الامريكية مع المقاومة العراقية، اصبحت حقيقة وليست خيالا، فقد ركب موجتها نفر بعضه كان يبحث عن منصب او مكانة حصل عليها ويريد الاستمرار فيها، مثل غازي الياور الذي انزل من موقعه الرئاسي الي منصب النائب الثاني لطالباني، ولديه استعداد للعمل بأي شغلة مهما كانت طبيعتها، المهم ان يبقي في الصورة، في طرفها او اطارها لا يهم، واللواء عبد مطلك الجبوري نائب رئيس الوزراء الذي نسي دم ابنه الشهيد مطلك وتعاون مع قاتليه الاوباش واشترك في حكومة طائفية المنهج والتوجهات، وسعدون الدليمي وزير الدفاع الذي تحول الي مساعد لوزير الداخلية باقر صولاغ ويذهب دورياً لزيارة عبدالعزيز الحكيم في مقر اقامته في منزل طارق عزيز الذي صادره واقام فيه، لتقديم الطاعة والخضوع وطلب الرضا، وايهم السامرائي وزير النفط السابق الذي تذكر الان ان مقاومة المحتلين مشروعة وعادلة وهو الذي تعاون معهم قرابة عامين، وبعض آخر يلعب لعبة مزدوجة مثل الحزب الاسلامي الذي صنعه حاجم الحسني في واشنطن وحمله معه الي العراق فوق دبابة امريكية، قبل ان ينشق عليه تمسكاً بوزارة الصناعة ومن ثم رئاسة الجمعية الوطنية، ولعل اخطر ما يقوم به هذا الحزب، محاولاته لشق الصف السني المتماسك والمقاوم، وسعيه المحموم ليكون مرجعية سنية طائفية مقابل المرجعية الشيعية المقابلة، الطائفية ايضا، تآمراً منه علي سر قوة السنة العرب في العراق، القائم علي رفضهم الارتباط بمرجعية دينية تحولهم الي أتباع ومريدين ومتلقي فتاوي وتعليمات، اضافة الي الحزب يعرف جيداً ان الغالبية الساحقة من السنة العرب معتدلون ومتسامحون دينياً، ومتمدنون ومتنورون حضارياً، ويتمسكون بالعروبة هوية وانتماء وتراثاً، وهذه الثوابت وخاصة الاخيرة تتصادم مع طروحات الحزب الطائفية ومواقفه السياسية.
ورغم ان قوات الاحتلال اكتشفت ان اولئك وهؤلاء الذين يقدمون انفسهم كمقربين الي المقاومة ويتقدمون للعمل وسطاء معها هم ادعياء ولا يملكون الحضور والتأثير والوصول الي قادة المقاومة الفعليين، الا انها لم تسقطهم من حساباتها اعتقاداً منها بانهم يظلون الاحتياطي السني الجاهز يستخدم وقت الحاجة اليه، ويوظف بعضهم او كلهم كممثلين عن السنة العرب فيما يسمي بالعملية السياسية حالياً او مستقبلاً، لذلك فان المطوب من المقاومة العراقية وتحديداً أطرافها الضاربة التي سبق للامريكيين الاتصال بقياداتها عبر رسائل ووسطاء في الفترة الماضية، تفويت الفرصة علي طلاب الوجاهة المتعلقين باثوابها زيفاً وكذباً، وان تجد صيغة او وسيلة تناسبها لايصال صوتها ورسائلها وردودها الي الجانب الامريكي بطريقة لا تلحق الاذي والضرر بها وبمواقفها، بعد ان اضطر الامريكيون مرغمين علي الاعتراف بها وعلي عمي عيونهم، فليس عيباً او نقصاً اذا لجأت المقاومة في جانب من فعالياتها الي ذراع سياسية تسند ذراعها العسكرية، ويدعم بنيتها وهيكليتها بما يعزز قدراتها ويضمن استمرار زخمها المقاوم، فجبهات التحرير وفصائل المقاومة عبر التأريخ كانت تقاوم وتفاوض في آن، وكل نجاح في اي من السياقين تحرزه هو نجاح لهما مجتمعين في المحصلة.
وبالتأكيد فان التجربة الميدانية التي خاضتها المقاومة العراقية ضد الاحتلال علي مدي عامين قد اكسبها خبرات وعلمها دروساً وبالتالي فانها اليوم امام مسؤولية تاريخية واستحقاقات وطنية لابد ان تتصدي لها وتخوض فيها مهما كانت التضحيات، فالعراق يمر اليوم في مرحلة حرجة اخطرها ملامح تقسيمه وبوادر تجزئته عبر أدوات كردية انفصالية وشيعية صفوية.
وصحيح ان الامريكان تهمهم في المقام الاول مصالحهم واهدافهم الاستعمارية، ولكن الصحيح ايضاً انهم عندما يجدون انفسهم في اوضاع وحالات تشكل عبئاً عليهم ويخسرون فيها اكثر مما يربحون، فانهم يلجأون الي اقصر الطرق للهروب، وهذا ما حصل لهم في فيتنام وبيروت والصومال. لذا يجب النظر والاهتمام بالدعوات التي اجتاحت الاوساط الرسمية والسياسية والشعبية في الولايات المتحدة الامريكية بضرورة جدولة الانسحاب الامريكي من العراق، لانها لم تأت من اجل سواد عيون العراقيين، وانما حتمتها الوقائع اليومية التي تشهدها الساحة العراقية من مقاومة بطولية وفدائية قلبت كل الموازين والحسابات والتوقعات الامريكية وليس صحيحاً ما تعلنه البلاغات العسكرية عن الخسائر البشرية والتسليحية التي منيت بها وما تزال قوات الاحتلال، فاخر تصريح لرئيسة مستشفي (لاند ستول) الامريكي في المانيا العقيد الطبيبة روندا كورنوم لوكالة انباء (ا.ب) الامريكية، تقول ان المستشفي الذي تديره يستقبل بمعدل يومي 23 جريحاً امريكياً من العراق اصيبوا جراء تعرضهم الي اطلاق نار وقنابل وتفجيرات، وتضيف ان اغلب المصابين يتم نقلهم الي المستشفيات في امريكا، دون ان تذكر الطبيبة جراحهم ومصيرهم، وبحسبة بسيطة فان المستشفي الامريكي المذكور يكون قد استقبل وحدة خلال فترة الاحتلال بحدود عشرين الف مصاب لا يعرف كم منهم لقي حتفه او تحول الي الاعاقة، علماً بان المنقولين الي خارج العراق عادة تكون اصابتهم بليغة، ولا تستوعبهم المستشفيات الامريكية الثابتة والميدانية وعددها 16 مستشفي في المحافظات العربية في العراق، وجميعها مزودة باحداث المعدات والاجهزة الطبية وصالات العمليات الجراحية.
وعندما يقول المرشح الديمقراطي السناتور جون كيري ان بوش يقود امريكا الي كارثة بسبب سياساته واجراءاته في العراق، فهو لا يبالغ في كلامه، فالوقائع علي الارض العراقية تؤكد ان قوات الاحتلال باتت غير قادرة علي مواجهة المقاومة وتصوروا قرية بحجم (الكرابلة) في طرف الصحراء يحاصرها المارينز لسبعة ايام متصلة وتضرب بصواريخ تسع زنة كل صاروخ 1200 كيلوغرام، حسب اعتراف الامريكيين انفسهم، حتي يتمكنوا من اقتحامها، فأي نصر مزعوم حققته قوات الاحتلال علي قرية صغيرة؟ّ.
وفي الختام.. تبقي ملاحظتان لابد من الاشارة اليهما، اولاهما ما ذكره الاستاذ عبدالفتاح الياسين في ايضاحه ونفيه ان يكون قد حاور او فاوض الامريكيين، ونحن لم نقل ذلك وانما قلنا انه بعث برسالة الي اياد علاوي وفيها نقاط مهمة اشرنا اليها في حينه، وللعلم فان علاوي عرض الرسالة علي كثيرين للمباهاة بها واستغلال اسم مرسلها باعتباره واحدا من قادة الحزب البارزين قبل ايصالها الي الامريكيين..
والملاحظة الثانية تتعلق بزميلنا علاء اللامي الذي سجل اعتراضاً علي ما ذكرناه من معلومات واسماء لطيارين عراقيين اغتالتهم ميليشيات بدر انتقاماً منهم لدورهم البطولي في الدفاع عن ارض وسماء العراق خلال الحرب الايرانية العراقية، وقال بان الطيور وحدها تحصل علي مثل هذه الاخبار، فقد وصلت انباء هذه الاغتيالات الي الجمعية الوطنية حيث تقدمت النائبه الصدرية السيدة عالية الساعدي بمذكرة الي رئاسة الجمعية تطالبها بالتحقيق في هذه القضية، الامر الذي استفز عضوا اخر معمما من جماعة عبدالعزيز الحكيم الي تهديدها بالقتل لاثارتها هذه القضية، وللمعلومات ايضاً فان شهيداً جديداً من الطيارين أضيف الي موكب الشهداء الطيارين في الاسبوع الماضي هو المرحوم العقيد الطيار عبدالرحيم صدام كاظم، اغتالته الميليشيات الصفوية مع نجله الشاب في صالون حلاقة بحي بغداد الجديدة.