ابراهيم الجعفري.. لماذا لا تعتذر؟ أسلم لك وأحسن!
هارون محمد


أثبت مرشح قائمة الائتلاف الشيعي لتأليف الحكومة الانتقالية الثالثة في ظل الاحتلال الامريكي ابراهيم الجعفري، أنه رجل لا يصلح لمثل هذه المهام، وشخصية غير مؤهلة لتولي هكذا منصب، حتي باتت هيئته وتعابير وجهه وطريقة كلامه في المناورة والمداورة، توحي بانه أقحم نفسه في مسألة شائكة لا يقدر عليها سلفاً، واختار طريقاً في غاية التعقيد، بلا استعداد مسبق، وتحضير مطلوب، علي الصعيد الشخصي والسياسي، حتي يخيل لمن يراقبه ويتابع تحركاته وتصريحاته، أن الامريكان تعمدوا إختياره عن دراسة وتشخيص، بعد ان اكتشفوا نقاط ضعفه وعدم أهليته، ليقولوا للشيعة الذين صوتوا له، وللسيد السيستاني الذي بارك ترشيحه، هذه بضاعتكم ردت اليكم او عليكم (لا فرق)!
فمنذ شهرين والجعفري يتشاور مع هذا ويجتمع مع ذاك دون نتيجة، ويوعد ويخلف في الوعد، ويبشر بانه (خلاص) انتهي من تشكيل وزارته الموقرة، وتمضي الأيام والاسابيع (بلا حس او خبر)، يرضخ لضغوط هذا الطرف، ويستجيب لاملاءات تلك الجماعة، ينتهي من ترقيع مشكلة، فتبرز له أخري، وهكذا يدور في حلقة مفرغة، وسيبقي يدور ويدور حتي لو تمكن في آخر المطاف من تشكيل حكومته قبل ان تنتهي المهمة الاضافية التي منحت له من مجلس الرئاسة الثلاثي وأمدها شهر. وواضح لمن يفهم ان الاحتلال وهو حالة استعمارية تقوم دائماً علي اجتذاب الباحثين عن وجاهة يفتقرون اليها، وصدارة لا يصلون اليها في الحالات الاعتيادية، لتوظيفهم في خدمة مصالح تلك الحالة واهدافها، فالاستعمار في كل زمان ومكان لا تكون حصته غير انفار من المتهافتين وطلاب السلطة الفارغة، ولم نسمع او نقرأ عبر التأريخ ان أخيار الناس اشتغلوا مع المحتلين او تعاونوا مع المستعمرين، نعم قد يجتمعون ويتفاوضون معهم، ولكن من موقع القوة والتكافؤ والدفاع عن مصالح الشعب والوطن.
فمنذ أحتلال العراق والامريكان يجربون، بدأوا بالجنرال غارنر واستبدلوه بالسفير بريمر، شكلوا مجلساً هزيلاً اسموه للنكتة مجلس (حكم انتقالي) صاغوه وفق (خانات) عرقية وطائفية وفئوية ومحاصصات حزبية، والحقوا به حكومة بلا رأس او رئيس، وانتقلوا بعد ذلك الي تشكيل حكومة مؤقتة، ووصلوا الي مرحلة حكومة انتقالية التي يراوح المكلف برئاستها في مكانه منذ شهرين، لا يستطيع الفراغ من تشكيلها وإعلانها، وبالتأكيد فان في الاجندة الامريكية صيغاً ودراسات خفية موضوعة للمرحلة المقبلة، التي يقال انها تبدأ في نهاية العام الحالي، لا نعرف تفاصيلها ولكنها لا تخرج عن إطار التجريب الذي يمارسه الاحتلال البغيض.
وعندما يخفق ابراهيم الجعفري في تشكيل حكومته الانتقالية رغم مرور فترة طويلة علي تكليفه بالمهمة، فان ذلك مرسوم من قبل المحتلين الاستعماريين، لاعتبارات عديدة بعضها وضح وبان، ويتمثل في إشعار التنظيمات والمرجعيات الشيعية التي تعاونت مع الاحتلال، بأن درجة هذا التعاون غير كافية لحد الآن، والمطلوب رفع مستواه ليشمل غير ميادين التعاون السياسي والصداقة والتحالف كما تسمي، وانما يمتد الي الاستخدام المباشر كرقم في سجلات الاجهزة، لان السياسة الامريكية وهذه استراتيجية اتبعتها واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لا تتعاطي مع الاخرين دولاً وقيادات ورئاسات وفق منطق الاصدقاء او الحلفاء الا صورياً، لذر الرماد في العيون وتجميل صورة المتعاونين، وصار معروفاً بان ملفات الـ(سي آي ايه) تضم جواسيس وعملاء ومخبرين وتابعين يحملون درجات امبراطور وملك ورئيس جمهورية ورئيس وزراء ووزير وقائد حزب وشيخ عشيرة وعالم دين، نزولاً الي أصحاب مهن وحرف ووظائف أقل مرتبة، وينقل عن المرحوم ياسر عرفات ان امريكا تضايقت منه وأصبحت لا تطيقه لانه رفض ان يكون له اسم ورقم وصفة ومرتب في سجلات اجهزتها.
وليس دفاعاً عن ابراهيم الجعفري فنحن نختلف معه فكرياً وسياسياً، ولكن الحقيقة تقال، انه ظل طيلة الفترة التي سبقت الحرب الامريكية علي العراق في آذار (مارس) 2003، علي مسافة من واشنطن التي كان يخشي من سطوتها وجبروتها، وكان يدرك يومذاك ان امريكا تريد ان تجنده مثل قادة الاحزاب والتنظيمات الاخري، وليست راغبة في تعاونه معها سياسياً فحسب، ولانه يمثل حزباً إسلامياً يستند الي تراث شيعي يناهض تأريخياً كل أشكال الاحتلال الاجنبي والاستعمار او الاستكبار كما يسمي في الادبيات الشيعية، فقد نأي بنفسه وحزبه من الالتحاق بالخدمة الامريكية، رغم الاغراءات والوعود والوساطات التي حملها اليه زملاؤه وحلفاؤه ورفاقه الذين يتوزعون اليوم في بغداد والنجف واربيل والسليمانية، ولكنه وهذه هي المفارقة، ذهب الي العراق بعد احتلاله، والتحق بزمرة المتعاونين مع الاحتلال واشترك في التشكيلات التي صنعها، واصبح اول رئيس لمجلس الحكم الانتقالي (المنقرض) دون أن يدرك -وهذه مفارقة أخري-ان امريكا تحسب حساباً لمن التحق بركابها، وفق معايير الأقدمية والمرتبة والشخصية والخدمات السابقة، وهي تريد بالتأكيد رجال دين وقادة احزاب اسلامية واصحاب عمائم، ولكن علي مقاسات تفصلها اجهزتها وحسب حاجتها.
من هنا لابد ان يعرف الجعفري انه امريكي (مستجد) والتعامل معه يكون وفق هذه الصفة، واذا فكر قليلاً وتأمل ما يجري له وحوله، سيصل حتماً الي نتيجة تقول ان الامريكيين لو أرادوا مساعدته في مهمته، لفعلوا ذلك باشارة صغيرة، فجميع الذين يتصدرون المشهد السياسي والحكومي في العراق اليوم في معسكر امريكي واحد، لكل واحد منهم ثكنته او مقره او زاويته ضمن هذا المعسكر، ولكل واحد منهم ايضا مسؤوله الامريكي الذي تبدأ رتبته من نقيب الي جنرال ومن مستشار الي سفير، حسب مكانة ومنزلة وأهمية الشخصية المتعاونة، وبالتالي فمن السذاجة الاعتقاد بان الامريكان لا يتدخلون في قضايا تشكيل الحكومات وتعيين الهيئات في بلد يستعمرونه ويبسطون سيطرتهم واحتلالهم عليه، وهم أصحاب القرار فيه.
والمشكلة ان الجعفري وهو مثقف واسع الإطلاع، وصاحب خبرة وتجربة في العمل الحزبي والسياسي ـ هكذا عرفناه في السابق ـ لم يستوعب الدرس الامريكي، وما زال يعتقد ان فشلة في تشكيل مهمته يعود الي منافسات سياسية ومطالبات حزبية، دون ان يعي ان كل ذلك مسرحية مخرجها يتنقل في قصور الرئاسة بالمنطقة الخضراء، يصدر توجيهاته بالهاتف الي الممثلين والكومبارس ليتحركوا ويصرحوا ويتفقوا او يختلفوا، وعندما يحين الوقت الذي يستنفد العرض المسرحي أغراضه، يصيح المخرج (ستوب) تهيأوا لمسرحية أخري.
أحد المقربين من الجعفري معروف بالثرثرة والركض وراء الفضائيات، قال قبل اسبوعين ان النظرة الاخيرة علي التشكيلة الوزارية انتهت، ولم يبق غير إعلانها، ثم ياتي بعد يومين علي تصريحه الاول ويقول ان الحقائب الوزارية وزعت علي كتلتي الائتلاف الشيعي 17 وزارة والتحالف الكردي 8 وزارات والوزارات الست المتبقية ستوزع علي السنة العرب أربعة مقاعد، ومقعد للتركمان وآخر للمسيحيين، ويضيف إننا بانتظار مرشحي السنة العرب، لاحظوا التناقض في حديث هذا المساعـــد، وهو للعلم عضو في الجمعية الوطنية، ومرشح لتولي وزارة (سيادية) في الحكومة المنتظرة، دون ان يشعر بتخبطه في تصريحين له يفصل بينهما يومان فقط، ومثل هؤلاء مكانهم الجوامع والحسينيات، يقرأون الأدعية علي مسامع العجائز ويقبضون (الثواب) نقداً او شكرا، وعيب ان يتسلم وزارة وهو لا يعرف غير تمشيط لحيته!وتصوروا حكومة (طلعت) روح رئيسها حتي انتهي من تشكيلها، كيف ستتصدي لاجراءات صياغة الدستور الدائم، وماذا ستقدم الي العراقيين، ما دامت تضم وزراء لا يحسنون غير اللغو وضرب سلام مربع للمحتل، ومجاملته وخدمته؟!
ويا دكتور ابراهيم الجعفري..قف مع نفسك لحظة صدق وانظر الي وضعك، وتفحص موقف الآخرين منك، وعندها سوف تتأكد تماماً إنك في الموقف الخطأ، أعتذر وانسحب من اللعبة واتركها لغيرك، يغوص فيها، ذلك أسلم لك واحسن.