انتخابات العراق تواجه مقاطعة

وفترة بوش تواجه المقاومة

د. خير الدين حسيب


إذا ألقينا نظرة متأنية بالمثل علي الولايات التي أعطت غالبية أصواتها لبوش نجد أنها (وباستثناءات قليلة أيضاً) الولايات حيث تسود عقلية مهيمنة أطلقت عليها الثقافة الأمريكية وصفاً تاريخياً من أربعة حروف تختصر أربع كلمات
WASP أبيض انغلوساكسوني بروتستانتي التي تلخص التعصب العنصري وضيق الأفق الذي يميز الرجل الأبيض. وهي أيضاً ولايات حزام الانجيلBible Belt  ولايات الجنوب التي تمترست وراء الدين (المسيحي في هذه الحالة) لتبرير مواقفها العنصرية. وهي الولايات الأكثر انغلاقاً لقرون عديدة عن العالم الخارجي بحكم مواقعها الجغرافية في وسط قارة أمريكا الشمالية.
إنها الولايات العنصرية التي خاضت الحرب الأهلية ضد تيار لنكولن تريد الإبقاء علي عبودية السود والباقين من الهنود الحمر والإبقاء علي نظريات تفوق الرجل الأبيض.
ربما يمكنني أن أقول إنه إذا لم يستطع جورج دبليو. بوش أن يفصل بين نجاحه الانتخابي والتحديات الخطيرة التي يواجهها في فترة رئاسته الثانية فإنه سيعرض نفسه، وإدارته وسياساته وأهدافه لمزيد من الأخطار والورطات العميقة. إن فوزه في الانتخابات قد يوحي إليه بنجاح سياساته وهذا خطأ جسيم.
إن الرئيس الأمريكي يواجه في فترة رئاسته الثانية تحديات كثيرة مباشرة لا تنبئ بخير لإدارته ولا لأمريكا، ويمكن علي سبيل التركيز والإيجاز أن نذكر أربعة منها:
أولاً: التفتت أو الانكماش التدريجي ـ لكن السريع ـ الذي يصيب ما يسميه بوش بالتحالف المكون من دول تخوض قوات منها الحرب علي العراق إلي جانب القوات الأمريكية. لقد بدأ هذا الانكماش بانسحاب إسبانيا في نيسان (أبريل) الماضي، وتبعه انسحاب عدد من دول أمريكا اللاتينية التي اعتبرت انسحاب إسبانيا نموذجاً يتعين عليها أن تحتذيه هوندوراس والسلفادور وغواتيمالا ونيكاراغوا والدومينيكان، ومن الشرق الأقصي الفيلبين وتايلاند وكازاخستان. ثم امتدت انسحابات حلفاء أمريكا لتشمل جمهورية التشيك وبولندا وأوكرانيا والنرويج ونيوزيلاندا وهولندا وهنغاريا (المجر)، وقائمة المترددين ، أو الذين يفكرون في الانسحاب من الائتلاف تشمل حتي إيطاليا. وفضلاً عن هذا وذاك فإن بريطانيا ـ الحليف الألصق عسكرياً وسياسياً بإدارة بوش وأهدافها ـ أعلنت أنها لن تستمر في مهمتها التي قبلت علي مضض القيام بها قرب الفلوجة قبيل بداية الهجوم علي المدينة... واليابان ألمحت إلي حاجتها إلي قرار من الأمم المتحدة يجزم بأن المنظمة الدولية ستلعب الدور الرئيسي في العراق.
ونتيجة لهذا الانكماش التدريجي السريع، في وقت تتسع فيه هجمات وقدرات المقاومة العراقية، أصبحت إدارة بوش مضطرة للتفكير باتخاذ قرار طالما نفت حاجتها إليه: قرار بزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق. وهو قرار ليس من شأنه أن يشيع أي درجة من الاطمئنان لدي الرأي العام الأمريكي. فانسحابات الحلفاء تعني أن الأمريكيين يتعرضون وحدهم للموت بنيران المقاومة في العراق، وزيادة عدد القوات الأمريكية تضيف إلي ذكريات أمريكا في فييتنام الجانب الأكثر إيلاماً. ونتيجة لهذا الموقف من الرأي العام الأمريكي تعاني القوات المسلحة الأمريكية تلكؤ أفراد الاحتياط في الاستجابة لأوامر القيادات الأمريكية بالالتحاق بوحداتهم. بعضهم طلب التأجيل وبعضهم الآخر تغيب دون عذر ، حتي أن هذه القيادات فوجئت بأن نحو (700) فقط يستجيبون من بين أربعة آلاف جندي احتياط طلبت التحاقهم بوحداتهم.
ثانياً: الاقتصاد الأمريكي يشكل ضغطاً ملحاً علي إدارة بوش مع بدايات فترتها الثانية، وهي لا تملك أية حلول سريعة لذلك. الميزانية ـ التي تسلمها بوش في بداية عام 2001 وفيها فائض بنحو 800 مليار دولار ـ تحولت إلي ميزانية عجز تجاوزت قيمته الأربعمئة مليار دولار ويتوقع له أن يتجاوز رقم الخمسمئة مليار مع حلول منتصف، وعلي أقصي تقدير، أواخر سنة 2005.
ثالثاً: انحطاط قيمة الدولار الأمريكي أمام الغالبية العظمي من العملات العالمية، وفي مقدمتها منافسه الأول اليورو ... بما لهذا التدهور من دلالات وما سيترتب عليه من نتائج، خاصة في وقت لم يعد فيه أي ضمان لكبح أسعار النفط العالمية لمنعها من مزيد من الارتفاع لدي أي تطور عسكري غير مؤات في العراق أو تطور أمني مفاجئ في أي مكان من العالم... أو حتي تطور سياسي يظهر ضعف نفوذ إدارة بوش علي حلفائها وخصومها علي السواء. وبصفة أخص إذا اتجهت إدارة بوش ـ تحت وطأة اندفاعات المحافظين الجدد الذين كسبوا أرضاً جديدة فيها، نحو فتح جبهة أو جبهات أخري في الشرق الأوسط أو كوبا أو كوريا الشمالية.
ويظل السؤال قائماً أي الطريقين سيختار بوش لنفسه بعد هذا الفوز الانتخابي.
أنا أعتقد أن بوش سيتمادي في استعمال القوة، حتي تصل الكلفة البشرية للقوات الأمريكية في العراق مستوي لا يستطيع استمرار تحمله وتبدأ، كما بدأت في أثناء حرب فييتنام، مع الفارق، التفكير في سياسة جديدة في العراق للخروج من المأزق. هذا إضافة إلي العوامل الأخري الاقتصادية التي ستحد من قدرة إدارة بوش علي الاستمرار في سياستها الحالية:
1ـ فهناك أولاً تآكل ما يسمي قوات الائتلاف مع الولايات المتحدة في العراق وعدم انضمام ومساهمة دول أخري جديدة مع القوات الأمريكية في العراق. فقد انسحبت قوات بعض أعضاء هذا الائتلاف وهناك دول أخري ستسحب قواتها في نهاية العام الحالي. فقد انسحبت اسبانيا من الائتلاف وسحبت قواتها. وهو انسحاب تلته انسحابات لاتينية وإفريقية متعددة لقوات دول صغيرة في أمريكا الوسطي والجنوبية. فإضافة إلي اسبانيا، فقد انسحبت أو حددت انسحابها قبل نهاية العام الحالي كل من الدومينيكان، وهندوراس، ونيكاراغوا، والفيليبين، والمجر (هنغاريا). كما من المتوقع أن تنسحب كل من تايلندا، والنرويج، ونيوزيلندا، واستونيا قريباً، حيث انسحبت تايلندا فعلاً، كما تخطط بولندا للانسحاب في أواخر السنة الحالية، وكذلك تتفاوض أوكرانيا مع الولايات المتحدة لسحب قواتها. وسيترتب علي هذه الانسحابات زيادة الأعباء علي القوات الأمريكية الحالية المحتلة في العراق وستضطر إلي إحلال قسم من قواتها الحالية في المناطق الموجودة فيها الآن محل القوات المنسحبة من دول الائتلاف الأخري.
2ـ كما ستزداد صعوبات القوات الأمريكية في محلات تواجدها الحالية، حيث أشارت صحيفة الديلي ميرور البريطانية في عددها الصادر بتاريخ 16/11/2004 بأن القوات البريطانية المعروفة باسم المراقبة السوداء (
Black Watch) ستعود إلي بريطانيا يوم الثالث من كانون الأول (ديسمبر) المقبل (2004) بعد إكمال مهمتها المحددة بـ (30) يوماً ... وأن بريطانيا لن تستبدل قوات بلاك ووتش عند انسحابها من مواقعها الحالية قرب بغداد بقوات أخري، وأنها ستعود إلي المملكة المتحدة، وأنها أبلغت الأمريكيين بذلك. وقد لقي خمسة جنود مصرعهم وأصيب (12) آخرون بجروح من قوات بلاك ووتش منذ انتشارها في المواقع التي احتلتها القوات الأمريكية بالقرب من بغداد في أول تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي (2004).
3ـ كما تجد الولايات المتحدة صعوبات عملية في استدعاء بعض قوات الاحتياط في الولايات المتحدة نفسها ليقوموا بتدريبات جديدة (
Refreshment Training) بعد انقطاعهم الطويل عن الخدمة العسكرية، تمهيداً لإرسالهم إلي العراق ليحلوا محل بعض القوات الأمريكية التي تجاوزت مدة بقائها في العراق المدة المقررة عادة في مثل هذه الحالات.
وتواجه الولايات المتحدة صعوبات في استجابة جنود الاحتياط للعودة إلي الخدمة. وحسب تقرير في جريدة الهيرالد تريبيون (
IHT) فإنه من مجموع (4000) من الجنود السابقين الذين دعوا للخدمة الفعلية، فإن (1800) منهم (45 بالمئة) قد طلبوا إعفاءهم أو تأخير دعوتهم، وأنه من مجموع (2500) منهم كان من المفروض أن يلتحقوا بقواعدهم العسكرية في حدود السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) 2004، فإن (733) منهم (أي حوالي 30 بالمئة) لم يلتحقوا فعلاً. وأن هناك (110) آلاف مجندين سابقين يراقبون ما يحدث للذين دُعُوا الآن.
4ـ بلغت مصروفات وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الشهرية علي الحرب في العراق أكثر من 5.8 مليار دولار شهرياً، حسب معلومات الجنرالات في قمة الوزارة. ويمثل هذا الرقم حوالي (50) بالمئة أكثر من تقديرات وزارة الدفاع الأمريكية لكلفة الحرب الشهرية في العراق. وقد استلمت وزارة الدفاع منذ عام 2003 حوالي (160) مليار دولار للحرب في العراق وأفغانستان إضافة إلي الميزانية السنوية العادية لوزارة الدفاع. وستطلب وزارة الدفاع مبالغ إضافية تقدر بمليارات الدولارات في أول العام القادم لتغطية التكاليف المستمرة للحرب.
5ـ انخفاض سعر الدولار الأمريكي مقابل العملات الدولية الرئيسية (اليورو والين الياباني) بحوالي (40) بالمائة منذ عام 2002، وارتفاع أسعار النفط الخام وما يمكن أن يؤثر علي معدل نمو الاقتصاد الأمريكي وزيادة عجز الميزان التجاري الأمريكي ولجوء البنوك المركزية الأجنبية إلي عدم الاعتماد الكلي علي الدولار الأمريكي كاحتياطي لعملاتها واستخدام اليورو بشكل متزايد كعملة احتياطية والذي سيؤثر علي قدرة أمريكا علي الاستدانة.
6ـ زيادة العجز في الميزانية السنوية للولايات المتحدة والذي سيبلغ حوالي (500) مليار دولار خلال العام الحالي وحوالي (400) مليار دولار خلال العام القادم، كما ازداد الدين العام الأمريكي إلي حدود غير مسبوقة.
المقاومة في العراق تنتشر وتتطور من ناحية الكم والكيف. الصحافة الأمريكية: الهيرالد تريبيون، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست تتكلم عن الكفاءة التكنولوجية العالية للمقاومة العراقية. المصادر الأمريكية تقول إن هناك 20 إلي 30 مدينة عراقية خارجة عن سيطرة القوات الأمريكية وما تسمي الحكومة العراقية المؤقتة.
أنا يؤسفني أن أقول إنه لا يوجد هناك شخص يكذب أكثر من بوش إلا الدكتور أياد علاوي. الدكتور أياد علاوي قال ان الذين يقاتلون في الفلوجة هم من غير العراقيين، هم قطاع طرق وناس سفلة الخ.
الآن يتبين نقلاً عن القائد الأمريكي المحلي الذي أشرف علي مجزرة الفلوجة أنهم ألقوا القبض علي 1056 شخصاً في الفلوجة، وأن 75 شخصاً فقط منهم من غير العراقيين. فأين هم الذين تكلم عنهم الدكتور علاوي من غير العراقيين في الفلوجة؟ وأين هو الزرقاوي؟
الانتخابات هي أمنية جميع الشعب العراقي، وهي الحل السليم للشعب العراقي. ولكن الانتخابات وسيلة وليست غاية، الانتخابات لكي تؤدي النتائج المرجوة منها يجب أن تكون انتخابات حرة وديمقراطية وشرعية ومستقلة وبعيدة عن سيطرة القوات الأمريكية. المخطط الأمريكي، مخطط بوش هو أن يجري الانتخابات علي غرار الانتخابات لما يسمي المجلس الوطني المؤقت .
المرجعية هي مطالب ورغبات الشعب، ميثاق الأمم المتحدة، الشرعية الدولية، هذه هي المرجعية. الإدارة الجديدة في أمريكا إذا نجحت في مخططها ستحاول إجراء انتخابات كما تريد. لقد شكلت مجموعتين: الأولي تتكون من السادة مسعود البارزاني وجلال الطالباني وغازي الياور مشعان الجبوري وأياد علاوي وعدنان الباججي. والثانية تتكون من حزبي الدعوة، وما يسمي المجلس الأعلي للثورة الإسٍلامية، وأحمد الجلبي وبعض الدكاكين السياسية الأخري وبعض الأفراد. والمجموعتان هما من جماعة أمريكا وبالتالي بالمعايير النسبية إذا أخذت إحدي المجموعتين 70 بالمئة والأخري 30 بالمئة، فبالنتيجة سيكون لدينا ما يشبه تركيبة مجلس الحكم المؤقت السابق. هذا المجلس سيؤلف حكومة جديدة موالية كذلك لأمريكا، وهذه الحكومة سوف تشرف علي انتخابات جديدة وتضع دستوراً، وبالنتيجة نصل إلي حكومة موالية وعميلة لأمريكا وتعقد اتفاق دفاع مشترك معها وتقيم قواعد عسكرية. هذا هو المخطط الأمريكي. نحن كلنا نريد انتخابات ولكن يجب أن تكون انتخابات ديمقراطية، وسنتكلم لاحقاً عن الانتخابات. هذا هو السيناريو الأمريكي إذا استطاعت تنفيذه.
البديل الآخر للسيناريو (المشهد) الأمريكي المفضل، وهو في رأيي ما سيحدث، سيثبت لأمريكا أنه لا يمكن إجراء انتخابات في العراق. فقسم كبير طلبوا توفير شروط معينة لإجراء الانتخابات، وإذا لم تتوفر هذه الشروط سيقاطعون الانتخابات، وبالتالي إذا تمت المقاطعة ستضطر أمريكا لإعادة النظر في سياساتها. وحتي إذا لم تتم المقاطعة الكاملة، فإن الوضع الآني لن يُمكن أمريكا وما تسمي الحكومة المؤقتة من إجراء الانتخابات قبل نهاية 31 كانون الثاني/يناير 2005، ستضطر أمريكا لإعادة النظر في سياستها.
المطلوب انتخابات حرة وديمقراطية ونزيهة وليست في ظل الاحتلال، انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة وتحت إشراف لجنة محايدة. قانون الانتخاب الذي يريدون أن تجري الانتخابات بموجبه هو القانون الصادر من بريمر بموجب الأمر رقم 96 تاريخ 4/6/2004، وهو يشير إلي أنه أصدر هذا القانون بموجب قراري مجلس الأمن الرقم 1483 (2003) والرقم 1511 (2003)، والحقيقة أنه ليس في هذين القرارين ما يخوّله إصدار مثل هذا القانون.
كما يشير فيه أيضاً إلي قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية الصادر بتاريخ 8/3/2004، وهو قانون غير ملزم للعراق ولما يسمي الحكومة الانتقالية، لأن قرار مجلس الأمن الرقم 1546 (2004) لم يشر إلي هذا القانون في أي من فقراته الإجرائية، ولذلك فهو غير مُلزم للعراق.
كما قام بريمر بالأمر رقم 92 بتاريخ 4/5/2004 بإصدار القانون الخاص حول مفوضية الانتخابات العراقية المستقلة والتي تتمتع بصلاحيات واسعة جداً، وقام هو (بريمر) بتعيين أعضائها، فأية استقلالية لانتخابات تشرف عليها مفوضية قام السيد بريمر بتعيين أعضائها، ولنا من حكمته في اختيار أعضاء ما سمي مجلس الحكم المؤقت ثم الوزارة المؤقتة و رئيس الوزراء و رئيس الجمهورية و المجلس الرئاسي ما يعطينا الدليل الكافي لعدم الاطمئنان إلي استقلالية هذه المفوضية وعدم صلاحيتها للإشراف علي انتخابات حرة ونزيهة.