سقوط مؤامرة تهميش السنة

وتغييب النخب الشيعية بالعراق

هارون محمد


اختلف حلفاء الأمس الذين أيدوا الأحتلال الامريكي وعادوا الي العراق بعد استباحته وساهموا في تدمير بناه ومؤسساته الوطنية واشتركوا مع الغزاة في الهيئات الصورية التي شكلها بول بريمر، في اول اختبار جدي يواجهونه منذ عشرين شهراً، عندما قرب موعد الانتخابات التي هي في الواقع، لعبة امريكية جديدة، ترمي الي تكريس الاحتلال وتجميل وجوه المتعاونين معه، من خلال إضفاء شرعية كاريكاتيرية عليهم تحت عناوين، برلمان منتخب وحكومة انتقالية ودستور اعرج والبقية تأتي تباعاً.
فالذي حدث في بغداد والنجف وشمال العراق، في الاوساط السياسية والحزبية المساندة للاحتلال مؤخرا، حول تأجيل الانتخابات او تثبيت موعدها، هو جزء من الصراع الخفي بين هذه الأطراف منذ كانت في حلقات المعارضة ضد النظام السابق، وعجزت رغم التمويل الامريكي المتزايد، وعقد المؤتمرات والاجتماعات لها في واشنطن ونيويورك ولندن وصلاح الدين عن إيجاد قواسم مشتركة بينها، بسبب تخلف قياداتها وعدم قدرتها علي التخلي عن فئويتها وطائفيتها وعنصريتها، وطمعها الجشع في الاستحواذ علي الاموال والامتيازات والمصالح الذاتية، وكان واضحاً منذ بداية احتلال العراق وعودة تلك القيادات واشتغالها في خدمة المحتلين بشكل سافر وصريح، ووضع كل بيضها في سلة الاحتلال، انها لا تفهم في الف باء السياسة، ولا تعرف ان امريكا دولة لها اجندتها واغراضها الاستعمارية، تتحرك وفق مخططاتها وتلعب في اطار مشاريعها المعدة مسبقاً، وهي علي استعداد دائم للفظ جواسيسها في اي وقت دون الاكتراث بمصيره.
ولأن السياسات الامريكية مغرمة بالتجريب، ولا تملك رؤي موضوعية حتي للمشكلات التي تصنعها او تفتعلها، وما زال قادتها وصناع القرار فيها يخضعون لمفهوم (الكابوي.. ورنكو لا يتفاهم) القائم علي اذلال الامم والشعوب والبلدان الاخري، فان الاجراءات التي اتخذت في العراق بعد احتلاله تندرج ضمن هذا السياق الاستعماري القبيح، خصوصاً عندما وجدت واشنطن، اشخاصاً يتسابقون علي تقبيل ايدي سفرائها وممثليها وضباطها، ويتنافسون علي تقديم الولاء والخنوع لهم، والحكايات التي كشف الستار عن اسرارها الان، عن تعامل بريمر مع اعضاء مجلس الحكم الانتقالي (الملغي) والقصص المتداولة عن تصرفات السفير نكروبونتي وطاقم سفارته وضباط قواته مع المتعاونين واعضاء الهيئات الحكومية محزنة، وتقود الي التقيؤ لمن يستمع الي أحداثها وتفاصيلها، وبعضها لا نستطيع ايراده هنا، ترفعاً واحتراماً للذوق العام، ولكن سيأتي يوم لابد منه، وتكشف فيه قضايا رخيصة واخري حقيرة، لا علاقة لها بالعمل السياسي من قريب او بعيد، وكلها موثقة بالوقائع والارقام والتواريخ، والصور ايضاً، والمفارقة ان ابطال هذه المهازل يدعون انهم شخصيات مرموقة وقادة احزاب وعمداء بيوتات ورجال دين بعضهم ينسب نفسه زيفاً الي آل البيت المطهر، ولكن مما يفرح حقاً انهم قلة وأدعياء.
وكان واضحاً ايضا منذ بداية الاحتلال، ان الامريكان صدموا من رفض قطاعات واسعة من الشعب العراقي لاحتلالهم، واخفقوا في استقطاب قوي وجماعات وتيارات وطنية وقومية واسلامية عرفت بمعارضتها للنظام السابق لتأييدهم، وفشلوا في كسب النخب السياسية والدينية والثقافية والاكاديمية والاجتماعية العراقية الشيعية للتعاون معهم، وعجزوا عن إيجاد شخصيات سنية عربية محترمة تتعاطي واياهم، فعمدوا الي اتباع معايير طائفية وعرقية، واعتماد النسب العددية والمحاصصات الفئوية في تعاملهم مع الواقع العراقي الذي هزهم تماماً وبعثر كل ما كان في اذهانهم، ولجأوا الي صيغ هشة كتشكيل مجلس الحكم اولاً، والحكومة المؤقتة ثانياً، واجراء انتخابات لاحقاً، وجميعها صيغ غير متوازنة ومغلوطة تصدي لها اغلب العراقيين وقواهم الحية، ونخبهم الحيوية.
ولعل اكبر خطأ ارتكبه المحتلون في سياساتهم الطائفية والعرقية انهم همشوا السنة العرب بدعوي انهم انفردوا بالسلطة اكثر من ثمانين عاماً، ولابد من اقصائهم عقاباً لهم، وغيبوا النخب الشيعية بحجة انهم خدموا النظام السابق بعد ان اكتشفوا ان سبعين بالمئة من اعضاء وكوادر واطر حزب البعث، وستين بالمئة من قيادات وضباط ومراتب الجيش العراقي واجهزة الشرطة والامن والمخابرات، وثمانين بالمئة من فنيي ومهندسي ومسؤولي هيئات التصنيع العسكري، وسبعين بالمئة من الاعلاميين والاكاديميين والفنانين والرياضيين والشعراء والمثقفين من العاملين في الجامعات ووزارة الاعلام في العهد السابق، من اصول ومناطق شيعية، فاتجهوا الي نماذج هزيلة اغلبها من مقطوعي الجذور والهامشيين يستعينون بها، كما حصل في ملء الخانة الشيعية في مجلس الحكم الانتقالي، واقنعوا عناصر مترهلة ومغمورة في سد النقص بالخانة السنية، وكانت النتيجة انهم بدلاً من الخروج من المستنقع الذي تورطوا فيه بأقل الخسائر، واجهوا حالة جديدة من المقاومة تمثلت في مواجهات ومعارك امتدت من الموصل شمالاً حتي ام قصر جنوباً ومن ديالي شرقاً الي الانبار غرباً، اضافت مشاكل وازمات والحقت بهم أضراراً بالغة اعترف بها أكثر من جنرال ومسؤول امريكي.
وليس صحيحاً ان المقاومة لقوات الاحتلال تنحصر في محافظات ومناطق السنة العرب في العراق وحدها، فهذه الكذبة يقصد بها عزل الشيعة العرب العراقيين عن شرف المقاومة واظهارهم وكأنهم رضوا بالاحتلال وقبلوا به، وهذا غير صحيح، فالحوادث التي تشهدها محافظات الحلة وكربلاء والنجف والناصرية والكوت والبصرة، والكاظمية ومدينة الصدر ببغداد ضد المحتلين تكاد تكون بالعشرات يومياً، ولكن يتم التعتيم عليها وتمنع وسائل الاعلام من تغطيتها، وتلعب التنظيمات الشيعية الطائفية وبعض المراجع الاجانب من ايرانيين واذربيجانيين وباكستانيين، دوراً كبيراً في تشويه مواقف الشيعة العرب في العراق، بما يخدم الاحتلال والدفع في اتجاهات التقسيم والتجزئة بذريعة (مظلومية الشيعة) في العهود السابقة، وهي فرية لم تصمد طويلاً، سرعان ما تهاوت عندما كشفت السجلات الرسمية والملفات الحكومية والوقائع المعلنة، علي مدي ثلاثة ارباع القرن، ان الشيعة كانوا يتصدرون الحياة العراقية في السياسة والوزارات والجيش والوظائف والتجارة والثقافة والفنون والرياضة، وهذه مسأله لا يمكن تجاهلها او اغفالها، لانها حقيقة لا تقبل الجدل فيها.
وصحيح ان السنة العرب هم الآن رأس الرمح في المقاومة الوطنية ضد الاحتلال ورموزه وأدواته، ويخوضون معارك باسلة في اكثر من موقع ومدينة، أروع صورها ما جري ويجري في مناطق الفلوجة والانبار والموصل وديالي وكركوك والاعظمية وكرخ بغداد والمحمودية واللطيفية وابي غريب، الا ان ذلك لا ينفي وجود مقاومة شجاعة في الحلة والنجف والبصرة والناصرية والكوت ومناطق شيعية اخري، يتم التكتم عليها من قبل الامريكان والتنظيمات الشيعية المتحالفة معهم، ولعل ابرز النجاحات التي حققها السنة العرب في مقاومتهم المتصاعدة، انهم نظفوا مناطقهم ومدنهم من العملاء والدخلاء، وبذلك تمكنوا من حماية ظهورهم من الخيانات والطعن من الخلف، كما حدث لتيار الصدر في النجف والبصرة وكربلاء ومدينة الصدر، الذي تعرض الي تآمر مفضوخ من قيادات الجماعات والمراجع الشيعية المتواطئة مع الاحتلال، كما كشف عنها مؤخرا الشيخ علي سميسم أحد مساعدي السيد مقتدي الصدر.
ومن خلال المعطيات الميدانية اثبت السنة العرب في العراق انهم رقم صعب في أي عملية سياسية، لا يقبل التهميش او القسمة علي اثنين، وهذا ما وضح من الاستعدادات الحالية للانتخابات، فالفيتو السني عليها قلب كل ما خطط لها، واربك كل الجهود التي بذلها الامريكان ووكلاؤهم المحليون، واجبرهم علي توسل اساليب الاغراء والترغيب وجميعها فشلت، ولم يعد سراً المساعي الامريكية مع السلطات الاردنية لعقد مؤتمر لممثلي السنة العرب، كان مقرراً له ان يبدأ اعماله في اول أيام عيد الفطر الماضي بعمان، ولكنه تأجل الي إشعار آخر بسبب امتناع واعتذار اكثر من مئة شخصية دعيت الي حضوره، بعد ان علمت ان اشخاصاً لهم صلات مع الامريكيين والاردنيين ومصالح واستثمارات تجارية واعلامية في الاردن وبعضهم يحمل الجنسية الاردنية، قد تمت دعوتهم الي المؤتمر.
ولم يعد سراً أيضاً، زيارة وفد امريكي الي الرياض قبل اسبوعين ولقاءاته مع المسؤولين السعوديين وتوسيطهم لاقناع شيوخ قبائل وعلماء دين وشخصيات ورموز اجتماعية سنية، بالاسهام فيما يسمي بالعملية السياسية والمشاركة في الانتخابات المقبلة، وحسناً فعل المسؤولون السعوديون عندما ابلغوا الوفد الامريكي انهم لا يتدخلون في مثل هذه القضايا، وعلي الامريكيين ان يتحملوا المسؤولية وحدهم.
واخر المعلومات الواردة من العراق تفيد، ان الجنرال كيسي قائد القوات الامريكية ونكروبونتي السفير الامريكي، عقدا اجتماعين في الاسبوع الماضي، في تكريت وبغداد مع شخصيات سياسية وعسكرية وعشائرية سنية عربية، في محاولة للتوصل الي طريقة تضمن مشاركة السنة العرب في الانتخابات، حتي ان الجنرال الامريكي ابلغ من اجتمع بهم ان بلاده مستعدة لتغيير قانون ادارة الدولة الانتقالي الذي وضعه بريمر مع جماعة مجلس الحكم المنحل قبل الانتخابات، بما يكفل صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية السني العربي يشبه النظام الفرنسي، ومن ضمن تلك الصلاحيات رسم السياسات الداخلية والخارجية، وأكد لهم ان الرئيس بوش لا يمانع ان يكون هذا الرئيس، من قادة الجيش السابقين، شرط ان يحظي بموافقة غالبية الأطراف السنية.
لقد تورط الامريكان باحتلالهم للعراق، وسدت في وجوههم افاق التخلص من المأزق الذي حشروا انفسهم فيه، نتيجة غبائهم وحماقاتهم، ولا مخرج لهم مما هم فيه، غير التعاطي مع ممثلي السنة العرب الحقيقيين، والنخب الشيعية العربية الاصيلة، لانهاء الاحتلال وفق جدول زمني يتفق عليه برعاية الامم المتحدة، والا فان المستقبل امامهم أسود.. اسود، لا تنفعهم فيه فتاوي وعاظ السلاطين ولا نصائح العملاء ولا تقارير الجواسيس والمخبرين.