انشقاقات وانقسامات في أحزاب (برايمر) ببغداد
هارون محمد
تعيش الاحزاب والجماعات السياسية التي تعاونت مع الاحتلال الامريكي، وممثله السابق في العراق السفير بول برايمر، أزمات داخلية تصاعدت حدتها عقب ما يسمى بعملية نقل السلطة في نهاية الشهر الماضي، بدأت ملامحها تظهر على السطح، رغم محاولات التعتيم عليها من قبل قياديي تلك الاحزاب الذين وجدوا انفسهم عرضة لانتقادات لاذعة من محازيبهم وصلت الى بعض الاحيان الى درجة التخوين والعمالة وتلقي اموال من الامريكان وعقد صفقات معهم.
واول حزب متعاون مع الامريكان ظهرت عليه اعراض الانشقاق كان الحزب الاسلامي الذي يراسه محسن عبدالحميد استاذ الفقه والشريعة في جامعة بغداد، فقد كان مفاجأة للاوساط السياسية العراقية ان يرتبط هذا الحزب الذي هو امتداد لجماعة الاخوان المسلمين بسلطات الاحتلال خلافاً للمبادئ التي يحملها في مناهضة (الكفار) والدعوة الى مواجهة الاجنبي، الذي تقول ادبيات الجماعة انه يتمثل في امريكا واسرائيل، وان يشارك رئيسه في مجلس الحكم الانتقالي عند تشكيله في الثالث عشر من تموز/يوليو 2003، ضمن خمسة وصفوا بانهم ممثلون للسنة العرب، رغم ان عبدالحميد كردي كما هو معروف، ويقال بهذا الصدد ان مسعود بارزاني وجلال طالباني رشحاه للحاكم الامريكي برايمر بعد ان اخفقت المحاولات الامريكية في اقناع الشيخ الدكتور احمد الكبيسي للانضمام الى المجلس.
وكان واضحاً ان الحزب الاسلامي بتعاونه مع الاحتلال قد خرج على مبادئه الاساسية وارتضى بالدور الهامشي الذي منح له، الامر الذي خلق اجواء من عدم الرضا في اوساط اعضائه القدامى، الذين عادوا الى صفوفه عقب انهيار النظام السابق، والجدد الذين التحقوا بالحزب حديثاً، وجرت محاولات في بغداد والرمادي والموصل، وهي المناطق التي يتواجد فيها الحزب، لتنحية رئيسه عبدالحميد ونائبه حاجم الحسني (وزير الصناعة) حاليا، يبدو انها اثمرت في نهاية الشهر الماضي، فآخر المعلومات من بغداد تفيد بانه تم عزل محسن عبدالحميد واختيار السيد طارق الهاشمي بدلاً منه، والاخير كادر قديم في جماعة الاخوان المسلمين، ومحسوب على اسامة التكريتي رئيس الحزب السابق، ويتردد في اوساط الحزب بان قرارا اخر قد اصدره الهاشمي بتنزيل درجة حاجم الحسني من نائب رئيس الحزب الى عضو فيه، في وقت تعكف قيادة الحزب الجديد حالياً على اجراء تقويم شامل لتجربة عام كامل من العمل العلني، ولا يستبعد ان يتم طرد عبدالمحسن وحاجم وعدد من مؤيديهما بعد ان اوصت تقارير اكثر لجان الحزب في بغداد والمحافظات بذلك.
والحزب الثاني المتعاون مع الامريكان الذي يشهد تململاً في اوساطه هو حزب الدعوة الاسلامية (الجناح اللندني) وثمة معلومات باتت مؤكدة ان قيادته نزعت صفة الناطق الرسمي عن ابراهيم الجعفري (نائب رئيس الجمهورية المؤقتة) وان تغييرات ستطرأ على هيئاته التنظيمية ولجانه القيادية قريبا.
وتاخذ قيادة الحزب على الجعفري انه يعمل لحسابه الخاص عندما وافق على صيغة عرضها عليه رئيس الحكومة المؤقتة اياد علاوي مضمونها ان يتخلى حزب الدعوة عن وزراتي الصحة والاتصالات اذا قبل بمنصب نائب الرئيس، او الاحتفاظ بالوزارتين في حالة اعتذاره عن تسلم المنصب المذكور، ويبدو ان الجعفري ودون الرجوع الى قيادة حزبه اختار العرض الاول وصار نائباً للرئيس، وتم اخراج الوزيرين من الحكومة، وهو ما احدث هزة في صفوف الحزب الذي بات يشهد صراعاً مكشوفاً في قيادته، طرفاه الجعفري الذي يحاول التمسك بمنصبه ورئاسه الحزب، وحيدر العبادي وزير الاتصالات السابق الذي تمكن من استقطاب الاغلبية من قيادات الحزب وكوادره حوله، ويسعى الى تنحية الجعفري ليس عن رئاسة الحزب وانما عن الحزب ايضاً، وفي حالة نجاحه، سيضطر الجعفري الى الاستقالة من منصب نائب رئيس الجمهورية او تتم اقالته، لانه تسلم المنصب بصفته الحزبية، واذا انتفت تلك الصفة منه، تنتفي مبررات تعيينه.
اما الحزب الثالث المرشح للانشقاق فهو المجلس الاعلى للثورة الاسلامية، الذي هو في الواقع خليط من ممثلين لهيئات هلامية شيعية حرصت القيادة الايرانية على جمعها في تنظيم عراقي - ايراني مشترك مطلع الثمانينات عند اشتداد الحراب العراقية الايرانية.
وقد اضفت رئاسة المرحوم محمد باقر الحكيم على المجلس وهو الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع مراكز القرار في ايران، وصلات جيدة مع سوريا والكويت، زخماً سياسياً للمجلس اكبر من حجمه الحقيقي، غير ان مصرع الحكيم في نهاية آب(اغسطس) الماضي، ترك المجلس يعيش في فراغ قيادي وخلافات بين قياديه، لم ينجح عبدالعزيز الحكيم بسبب فقره الفكري وطبيعة شخصيته المتوجسة من الاخرين دائماً، وارتباطه الغير الاعتيادي بالدوائر الايرانية، من قيادة المجلس بالمستوى المطلوب، وهو ما اوجد حالة من التسيب في هيئات المجلس، وانقسامات بين القياديين المعممين، ورفاقهم (الأفندية) كما يطلق عليهم، وبين الاعضاء (العجم) أي ايرانيي الاصول، ونظرائهم العرب العراقيين، ومما فاقم الخلافات بين الفرقاء، الموقف من ميليشيات بدر، الجناح العسكري للمجلس، فالفريق الاول ومن ضمنهم عبدالعزيز نفسه يصر على ان تبقى هذه الميليشيات مسلحة وتتولى مهمات امنية وعسكرية لصالح المجلس، فيما يطالب الفريق المدني ويقوده نائب رئيس المجلس عادل عبدالمهدي المنتفجي (وزير المالية الحالي) يعاونه فائق الغبان وزير الشباب وحامد بياتي وكيل وزارة الخارجية وعلي العضاض مندوب المجلس في اوربا، بضرورة حل ميليشيات بدر وتحويلها الى منظمة مدنية او خيرية، وانخراط اعضائها وكوادرها القيادية في اجهزة الامن والشرطة.
وحسب المعلومات المتداولة في بغداد، فان مجوعة المنتفجي مدعومة من كوادر عربية، نجحت في اقناع اغلب قيادات وكوادر المجلس بطروحاتها وحل مليشيات بدر، وثمة انباء تشير الى ان رئيس غرفة العمليات في هذه الميليشيات هادي العامري وعدد من مساعديه باتوا يميلون الى جانب الجناح المدني ويؤيدون طروحاته، في الوقت الذي تراجعت هيمنة عبدالعزيز على المجلس وانحسر تأثير انصاره وابرزهم صدر الدين قبان جي، الذي منع من القاء خطبة الجمعة في الحضرة العلوية بالنجف، وهمام حمودي المرشح للتعيين سفيرا في احدى الدول الافريقية، وعلي كبابي الذي ينصرف الى ادارة استثمارات المجلس التجارية.
والحزب الشيوعي العراقي هو الآخر يعيش مخاضاً في صفوفه بسبب ضغط القواعد واللجان المحلية في بغداد والمحافظات العربية التي سجلت ملاحظات على اداء قيادة الحزب في المرحلة السابقة، واتهامها بانها ما تزال خاضعة لتوجيهات القيادات الكردية الشيوعية وتحديداً عزيز محمد السكرتير العام السابق للحزب، رغم انشطار الحزب الى فرعين عربي بقيادة حميد مجيد موسى، وكردي كان يقوده كريم احمد الداوود حتى فترة قصيرة.
وتطالب الكوادر الشيوعية العربيه بفصل كامل بين الفرعين، وان يبلور الحزب الشيوعي العراقي فلسفته من جديد، ومنهجاً مستقلاً عن الحزب الشيوعي الكردستاني، الذي تتطابق شعاراته ومفاهيمه مع الاحزب الكردية ذات الطابع القومي الشوفيني، وهناك حديث عن استعدادت لعقد مؤتمر موسع للحزب في ايلول/سبتمبر المقبل للبحث في هذه التداعيات.
وجدير ذكره بان حركة الوفاق الوطني التي يرأسها الدكتور اياد علاوي قد شهدت استقالة اربعة من اعضاء مكتبها السياسي (صلاح الشيخلي وضرغام هاشم وسليم شاكر الامامي، وتحسين معله) لاسباب وصفت بانها تنظيمية، فيما تلاشى المؤتمر الوطني بقيادة احمد الجلبي وبات منظمة حزبية صغيرة يقتصر اعضاؤها على اتباع الجلبي نفسه، وهو ما دعا الاخير الى زجها في عضوية حزب طائفي جديد اطلق عليه تسمية (البيت الشيعي) لم يجد له موضع قدم على الخارطة السياسية لحد الآن، رغم الاموال التي خصصت لانشطته.
وفيما يتعلق بتجمع الديمقراطيين المستقلين، الذي شكله عدنان الباجه جي في ربيع العام الماضي، فانه يعاني من مشكلات فكرية وتنظيمية عديدة ولم ينجح في كسب اعضاء جدد اليه والنزول الى الشارع العراقي، وقد تعرض التجمع الى نكسة سياسية عند استبعاد الباجه جي عن رئاسة الدولة، وانشغال نائبه مهدي الحافظ في شؤون وزارته (التخطيط) وتعيين نائب الثاني عطا عبدالوهاب سفيراً في الاردن مؤخراً.
وعموماً فان الكثير من المعلقين والمراقبين السياسيين يعتقدون ان الاحزاب التي يطلق عليها في الشارع العراقي (احزاب برايمر) لا مستقبل سياسياً لها في العراق، الا اذا اجرت تغييرات جوهرية تشمل القيادات والمناهج والخطاب والاهداف والممارسات، بحيث تكون قريبة من المزاج الشعبي العراقي، ومنسجمة مع تطلعات العراقيين، وهذا الامر يبدو مستحيلاً حاليا وفي المرحلة المقبلة، وعندئذ لا يستبعد ان تحدث انشقاقات مفصلية في هياكلها وبناها، وليس مستغرباً ان تشهد الساحة العراقية ستة احزاب للدعوة الاسلامية (وهي الان ثلاثة) واربعة مجالس للثورة الاسلامية، وثلاثة احزاب للاخوان المسلين، وثلاثة او اربعة احزاب شيوعية، والحبل على الجرار، وهذا كله ناتج عن آثار التعاون مع الاحتلال الامريكي، والشهور القليلة المقبلة، ستحمل الكثير من التطورات والانشقاقات والمفآجات.