العراق لن يستقر ويهدأ ما دام بارزاني وطالباني يتآمران عليه
هارون محمد
ليس غريباً ان يترافق النشاط الواسع لجهاز الموساد الاسرائيلي في المنطقة الكردية بشمال العراق، وابرز مظاهره كما يقول الصحفي الامريكي المعروف سيمور هيرش في مجلة (نيويوركر) الاحد الماضي، تدريب قوات الـ(بيش ميركه) التابعة لحزبي بارزاني وطالباني على اعمال التخريب والاغتيال والتجسس، مع حملة شوفينية شرسة، يقودها الحزبان الكرديان ضد عرب العراق في محافظات كركوك والموصل وديالى وصلت ذروتها مؤخرا، الى تهجير مئة الف عربي منها بطرق قسرية، لرسم خريطة سياسية وديمغرافية جديدة في المنطقة تعزز محاولات فصلها عن العراق، كما جاء في تقرير نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) في العشرين من الشهر الحالي، فالروابط بين الطرفين (الاحزاب الكردية واسرائيل) قديمة جديدة، والعلاقات بينهما اتسعت منذ الاحتلال الامريكي للعراق وبلغت مستويات متقدمة في الميادين العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية والتجارية، حتى ان بعثات اسرائيلية بدات تتخذ مقرات علنية لها في مدن وقرى يسيطر عليها او يحتلها الحزبان، مثل زاخو والعمادية وبرزان وميركه سور والزيبار وبنجوين وكلار وخانقين، حسب مصادر الحركة الاسلامية الكردية التي تم تهميشها واضطهاد اعضائها رغم اعتدال مواقفها ووطنية توجهاتها.
وفي كركوك المدينة التي يشكل الكرد فيها أقليه تاريخياً واجتماعياً وتخضع منذ سقوط النظام السابق الى هيمنة طالباني وبارزاني اللذين تقاسما النفوذ فيها، رغم ان الثاني ندد بتصريحات صحفية منشورة في السادس عشر من نيسان (ابريل) 2003 بهجوم الجلاليين عليها واحتلالها، مؤكداً ان هذا العمل ضيع كركوك من الاكراد الى الابد، كما قال في حينه، تتخذ البعثه الاسرائيلية مقرين لها، احدهما في معسكر خالد المهجور في اطراف المدينة، وآخر في حي (الشورجة) حيث وضع مقر سابق لحزب البعث تحت تصرفها، ويتحرك اعضاء البعثة واغلبهم من العسكريين كما يبدو من هيئاتهم ونشاطهم، وهم يرتدون الملابس الكردية بغير انتظام لانها جديدة عليهم، ولم يتعودوا عليها بعد، وسط حمايه مفارز منتقاة من ميليشيات البيش ميركه، يلبس افرادها بدلات الشرطة للتمويه والتغطية، ولدى سكان المدينة، أدله ووقائع ملموسة تؤكد ان حملة تهجير العوائل العربية من كركوك تجري باشراف من الضباط الاسرائيليين وفق مخطط يتطابق في كثير من مفرداته مع ما شهدته مناطق ومدن الضفة الغربية في فلسطين عقب نكسة حزيران 1967.
وقد بات واضحاً ان الشتائم التي كالها نائب محافظ كركوك الكردي حسيب روزبياني ضد عرب كركوك امام الحاكم الأمريكي السفير بول برايمر، والشيخ غازي الياور، خلال زيارتهما للمدينة الثلاثاء الماضي، واصراره على (تنظيف) كركوك من (المستوطنين) العرب، كما جاء في حديثه الوقح، يدلل بان طالباني وبارزاني ماضيان في مؤامرتهما الانفصالية بخطى متسارعة مدعومة من الموساد الذي يضع ضباطه خطط التهجير وتحديد الاحياء والمناطق التي تشملها حملات طرد العرب، ولوحظ انها تتضمن الجهات الغربية والجنوبية والشمكالية الغربية من محافظة كركوك، والغرض واضح من هذه العملية ويتمثل في احداث ما يسمى بـ(القطع) بين عرب كركوك، واشقائهم في محافظات ديالى وتكريت والموصل، على اعتبار ان عرب المحافظات الثلاث، يشكلون العمق البشري والجغرافي لكركوك، وهذه سياسة اسرائيلية نفذت في الاراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها الجدار العازل الذي يبنى حالياً، وعلى هذا الاساس لا يستبعد ان يتم في مرحلة لاحقة الاستفراد بالسكان التركمان والمسيحيين في المدينة، اذا انجزت عمليات طرد العرب منها، وبعد ذلك يجري تخطيط منطقة عازلة تفصل كركوك عن العراق، والحاقها باحدى مقاطعات طالباني وبازراني، والا ما تفسير كلام مسعود عندما يهدد في تصريح نشرته صحيفته (التآخي)، بان مدينة (الحويجة) كانت كردية ثم عربت، وهو يدرك جيدا ان هذه المدينة التي يسكنها اربعمائه الف نسمة، من قبيلة العبيد (بضم العين) والجبور والنعيم والحديد والعزة والطائيين وشمر والجميلات والصوالح والشاويين والبيات، هي عربية صميمية منذ وجدت؟
ومع الاسف فان الشيخ غازي الياور، لم يكن بالمستوى المسؤول كرئيس جمهورية، وهو يسمع الحديث الارعن من شخص طارئ على كركوك وغريب عنها، صحيح انه ابدى ملاحظات انتقد فيها اتهامات روزبياني، وقال انها لا تصلح في العراق الجديد، ولكن الملاحظات والتوجيهات لا تنفع مع هؤلاء، الذين عبئوا وغسلت ادمغتهم بمعاداة العرب، وكان مطلوباً منه ان يتصرف كرئيس ومسؤول ويطرد هذا الأهوج العنصري من منصبه الذي احتله بالقوة، ويأمر باعادته الى قريته المتخلفة التي جاء منها، ليكون عبرة لغيره.
أن ما يحدث في شمال العراق من تحركات كردية ميدانية، عسكرية وأمنية وتهجيرية، ووجود اعداد كبيرة من ضباط الموساد والشركات الاسرائيلية، ينبىء بان المستقبل القريب يحمل مخاطر جدية لفصل الشمال العراقي عن البلاد، من ملامحها الظاهرة، الابقاء على حكومتي اربيل والسليمانية، وعدم حلهما كما تقتضي الظروف الان، بعد تشكيل هيئي الرئاسة والحكومة المركزتين في بغداد، ومشاركة مسؤولين ووزراء من الحزبين الكرديين فيهما، ولكم ان تتصوروا بلداَ يقال انه موحد، وفيه ثلاث حكومات، واحدة مركزية في العاصمة بغداد، ومحليتان في المنطقة الشمالية، وبذلك يصدق الوصف الشعبي الذي يردده العراقيون عن الحزبين الكرديين وتسميتهما بـ(المنشار.. طالع ماكل.. نازل ماكل) اشارة الى المكاسب الشخصية والامتيازات التي تمتعا بها دون وجه.
وعندما يستعرض الانسان العراقي مواقف الحركات والقيادات الكردية منذ نشأتها في عشرينات القرن الماضي وحتى يومنا الحاضر، وكلها ذات طابع تمردي وعصياني ومخل بالنظام، لابد ويصدم حد الفجيعة من الخراب الذي الحقته بالعراق، والدمار والفوضى وعدم الاستقرار الذي خلفته وما تزال في ربوع البلاد، التي ابتليت بهذه الزمر والعصابات، وكأنه مكتوب على العراقيين، ان يظلوا يدفعوا الخوات والاتاوات اليها بلا توقف، في الوقت الذي تستمر تلك القيادات في عملياتها الابتزازية والتخريبية الى درجة بات السكوت عليها مسالة معيبة حقاً، ولابد من التصدي لها بحزم، وهذا يستدعي من رئاسة غازي الياور وحكومة اياد علاوي ان تتعاطيا مع القضية الكردية بطريقة موضوعية تتيح مشاركة القوى والجماعات والقبائل والشخصيات الكردية من خارج حزبي طالباني وبارزاني في العمل السياسي والمهام الحكومية وعدم الاقتصار في التعامل مع الحزبين فقط، وهما لا يمثلان غير جزء صغير جدا من الشعب الكردي، ومن الظلم اختزال هذا الشعب الطيب والوطني في أغلبيته الساحقة، بحزبين سلطويين ودكتاتوريين قتلا من الاكراد اعداداً كبيرة بسبب تنافسهما على النفوذ والمصالح الانتفاعية الشخصية والخاصة.
ان جهود اكراد العراق ونضالهم في الحصول على حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية بما فيها حقهم في تقرير مصيرهم في مناطقهم التقليديه المعروفة، صادرها طالباني وبارزاني اللذان حولا المنطقة الكردية الى ممتلكات سجلت باسماء الحاشية والاقارب والاتباع، ويشهد على ذلك ارتفاع معدلات الفقر والبؤس والبطالة في المدن الكردية وكثرة المتسولين والشحادين في شوارعها، وتوقف الاعمال، وندرة الاشغال في المنطقة برمتها، فلم يفتح الحزبان الكرديان منذ استيلائهما على المحافظات الثلاث اربيل ودهوك والسليمانية، نهاية عام 1991، شارعاً واحداً او مدرسة او مركزاً صحيا، او مرفقاً خدمياً من الاموال العامة والضرائب والرسوم الجمركية وايرادات برنامج النفط مقابل الغذاء وتقدر بمليارات الدولارات، التي ذهبت الى الارصدة الخاصة في البنوك الاوربية والامريكية، حتى المنظمات الانسانية والهيئات الدولية التي قامت بمجهودات وتولت على نفقتها بناء الكثير من المدارس والمستشفيات والطرقات وعملت على نزع الالغام واعمار المناطق المتضررة، تعرضت هي الاخرى الى ابتزاز وتدخلات من قيادات الحزبين، وتحتفظ هذه المنظمات والهيئات بسجلات مرعبة فعلاً عن الرشاوى التي دفعتها لمتنفذين حزبيين وعسكريين مقابل السماح لها بتقديم خدماتها للمواطنين الكرد، فتصورا! وآخر المعلومات تفيد بان شركة الاتصالات التي حصلت على عقد من سلطة الاحتلال ببغداد لتغطيه المنطقة الكردية بخدمات الهاتف المحمول اضطرت الى دفع رشاوى بملايين الدولارات الى مسؤولين كبار في اربيل والسليمانية قبل ان تباشر اعمالها، وبعد ذلك يطلع علينا الكذابون والمرتشون يتباهون بالديمقراطية السائدة في المنطقة، والرفاه الذي ينعم به الاكراد المساكين.
ان حكومة اياد علاوي المؤقتة، لن تنجح في اداء مهامها على الصعيد الداخلي وخصوصاً في القضايا الملحة المتعلقة بالامن والاستقرار وسيادة القانون، الا اذا وضعت حداً للازدواجيه القائمة في البلاد الان، وتنهي حكومتي طالباني وبارزاني في السليمانية واربيل وتتعاطى مع الاثنين وفق حجمهما الحقيقي، وتوقف الاجراءات الشوفينية التي تتعرض لها مناطق كركوك وديالى والموصل، وتخرج ميليشيات البيش ميركه من العاصمة بغداد والمدن العربية، وعليها ان لا ترضخ لضغوط واملاءت الحزبين، وان تتوجه لتمتين علاقاتها مع تركيا تحديداً، لانها الدولة الوحيدة في المنطقة التي يمكن الاعتماد عليها في دحر المؤامرة الانفصالية واجهاض مشروع تقسيم العراق الذي تقوده الاحزاب الكردية، وخلاف ذلك فلا أمن ولا سلام ولا استقرار في العراق.
ثم اليس من مسؤولية الشيخ الياور والدكتور علاوي ان يسألا مجرد سؤال، عن اسباب زيارة احمد الجلبي للمنطقة الكردية في هذا الوقت بالذات، وسط انباء ومعلومات موثقة تؤكد ان مساعديه الثمانية الذين صدرت بحقهم مذكرة توقيف من محكمة عراقية لارتكابهم اعمال خطف وسلب وقتل كما ورد في المذكرة القضائية، يتنقلون ويتجولون في السليمانية واربيل بلا خوف من القاء القبض عليهم؟!