الجيش العراقي الذي حله برايمر هو الحل!
هارون محمد
ذهب مبعوث الامم المتحدة السيد الاخضر الابراهيمي خلال وجوده ببغداد نهاية الشهر الماضي، الى الاستاذ صبحي عبدالحميد يسأله رأيه في انجع السبل وافضل الوسائل التي يمكن اتخاذها لمعالجة الانفلات الامني وعودة الاستقرار للعراق، وعبدالحميد كما هو معروف، رجل عسكري سابق ووزير للداخلية عامي (1964-1965)، ويسجل له انه نجح في تلك الفترة التي تشكل جزء من مرحلة اطلق عليها اسم (طوفان الستينات) لسخونة احداثها وتعقيدات سنواتها، انه نجح في فرض النظام وتطبيق القوانين واشاعة الآمان في الشارع العراقي، وانهى الكثير من القرارات الاستثنائية التي صدرت في وقت سابق، واعاد الى الخدمة الالاف من المعلمين والمدرسين والموظفين والمستخدمين الشيوعيين والبعثيين المفصولين بعد ان اوقف الاجراءات القضائية ضدهم، والغى (البراءات) الحزبية الذي كانت سائدة منذ الاربعينات والخمسينات، وتراجعت الجرائم في وقت توليه الوزارة التي كانت تتبعها دوائر الامن العام والشرطة والدفاع المدني والمرور والادارات المحلية، الى معدلات لا تذكر، حتى ان المواطنين العراقيين كانوا يخرجون ويتركون ابواب دورهم مفتوحة، ثقة واطمئناناً، وكانت العاصمة بغداد، تموج حركة ونشاطاً في نهاراتها، وتزهو سهراً ومتعة في لياليها، وبلا مقدمات قال صبحي في لهجة حاسمة: وهل تريد الامم المتحدة ان تستقر الاوضاع فعلاً في العراق؟
فرد الابراهيمي نحن نحاول ونسعى من اجل ذلك.
فبدأ وزير الداخلية الاسبق، يشرح رأيه ويعرض نصيحته قائلا: في هذه الحالة يجب ان تعاد وحدات من الجيش العراقي الذي حله المستر برايمر، ولان الامريكان حساسون من عدده وتشكيلاته كما يعلنون، فان الخطوة الاولى تبدا باستدعاء عشر فرق من فرقه السبعين، وهذا عددها قبل سقوط النظام السابق، وبعد ان يتم اختيار وتأهيل الفرق العشر واستبعاد الضباط الذين عليهم ملاحظات وشبهات منها، تنشر الويتها في المحافظات، ويستحسن ان يضم اللواء او الافواج العاملة في هذه المحافظة او تلك، من ابناء المحافظة ذاتها، وستكون النتائج طيبة وسريعة، لان الجيش مؤسسة وطنية، اسهم العراقيون بمكوناتهم وتنوعهم في تشكيلها، وتكاد تكون المؤسسة العراقية الوحيدة التي تولى قيادتها وادارة صنوفها ووحداتها عرب واكراد وتركمان ومسيحيون، دون تمييز او استثناء، وليس هناك بيت عراقي واحد الا وفيه واحد او اكثر في الجيش مجنداً او متطوعا،ً وعلى هذا الاساس اطلق على الجيش عندنا تسمية (إبن الشعب).
واستمع الابراهيمي بانتباه شديد الى حديث صبحي عبدالحميد واقتنع بوجهة نظره خاصة عندما ابلغه بمرارة قائلاً: هل يعقل ان بلداً مساحته 480 الف كيلو متر مربع، ونفوسه اكثر من 26 مليون نسمة، لا يملك جيشاً وطنياً يحمي حدوده ويحفظ امنه؟!
ولان مبعوث الامم المتحدة، ليس صاحب قرار، وانما دوره ينحصر في القضايا الاستشارية فانه اقترح على سلطة الاحتلال بشقيها العسكري والمدني (الجنرال سانشيز والسفير برايمر) تسريع الاجراءات المتعلقة باعادة الجيش العراقي، وتقليصه ليكون بحدود مئة الف، ولكن كما هو واضح فان مثل هكذا قرارات لا تصدر الا من وزارة الدفاع في واشنطن، والجميع يعرف مجموعة البنتاغون واهدافها في تفكيك العراق وتدمير مؤسساته الوطنية وبناه التحتية، بما يخدم المشروع الصهيوني الرامي الى تفتيت الامة العربية واضعاف قدراتها.
وكان امراً جيداً بلا شك ان يعلن رئيس الحكومة العراقية المؤقتة، اياد علاوي، في الاسبوع الماضي عن قرار حل الميليشيات الحزبية المسلحة كخطوة اولى لتهيئة الظروف الموضوعية والاجواء المناسبة لعودة الجيش والشرطة وقوى الامن الداخلي لممارسة دورها ومسؤولياتها، ولكن الذي حدث ان علاوي وتحت ضغط بارزاني وطالباني تراجع بعد اربع وعشرين ساعة من اعلانه، عندما استثنى قوات الـ(بيش ميركه) الكردية، من قرار الحل، رغم ان هذه القوات مدانة تأريخياً وسياسياً بارتكاب جرائم قتل وسلب وقطع طرق واعتداءات عنصرية وفئوية، وهي في الاساس غير منضبطة ولا تحكمها تقاليد مهنية وضوابط وطنية، وتشكيلها منذ البداية جاء لاعتبارات شخصية وحزبية.
واخطر مافي الاعلان التراجعي لرئيس الحكومة انه لوح بامكانية دمج البيش ميركه في الجيش العراقي الجاري تشكيله الان والاجهزة الامنية، وهو امر يحمل عند تطبيقه نتائج وخيمة على حاضر ومستقبل العراق، فإذا كان الوزراء الاكراد في حكومة علاوي يؤكدون علناً ان مرجعياتهم تتمثل في قيادات احزابهم ومنها يتلقون التوجيهات والتعليمات كما حصل للمهندسة نسرين برواري وزيرة الاشغال، وبرهم صالح نائب رئيس الوزراء، فكيف يمكن احتواء عناصر متخلفة وعنصرية تشكل الاغلبية الساحقة من ميليشيات البيش ميركه، وهل يضمن علاوي ان تخضع هذه المجاميع لقيادة الحكومة المركزية، وافرادها دربوا على اعتبار عرب العراق وتركمانه ومسيحيه ويزيديه هم اعداء للكرد؟
ومن المحزن إن يتم اسناد وزارة الدفاع في حكومة علاوي الى رجل لا يعرف الف باء العسكرية، وضعيف الشخصية، كل كفاءته انه كان موظفاً في دائرة الاذاعة والتلفزيون بدرجة (فني تسجيل) فهذا التعيين هو إهانة للجيش العراقي وحط من مكانة وتأريخ المؤسسة العسكرية الوطنية، فمثل هذا الشخص، الذي حصل على الامتيازات والمكاسب في العهد السابق الذي رشحه لعضوية المجلس الوطني في دورته الاولى عام 1980 رغم انه لا يصلح لهذا الموقع من جميع النواحي، وارسله مع زوجته مرتين الى لندن في منتصف الثمانينات لتلقي العلاج على نفقة الدولة، في الوقت الذي كان العراقيون ممنوعين من السفر بالقوة والاكراه، ولم يكتف النظام السابق بما قدمه له، بل صدر من أعلى مراجعه، قرار أثار لغطا واسعا في حينه، أعفى بموجبه شقيقه من قضية خطيرة اعترف بارتكابها عندما كان يدرس في تركيا، والقصة معروفة بتفاصيلها في الديوانية والحمزة والمشخاب.
هذا الوزير هو نفسه ذهب الى اربيل ووقف في اجتماع للحزب الديمقراطي الكردي وبالغ في اطراء الفيدرالية الانفصالية التي يطالب بها بارزاني وطالباني تقرباً منهما ونفاقاً لهما، فكيف يصلح لادارة وزارة مهمتها كما يقال تشكيل وادارة جيش وطني؟! علماً بان هذا الوزير امضى سنوات لجوئه في لندن ضيفاً دائماً على مائدة السيد سعد صالح جبر، وعندما تلاشت ثروة الاخير وخلصت امواله، انتقل الى مائدة المرحوم عبدالمجيد الخوئي الذي اصطحبه معه في رحلته الاخيرة الى العراق كما هو معروف.
اما المفتش العام للوزارة وهو احد قياديي ميليشيات البيش ميركه التابعة لبارزاني، فأمره مكشوف وسيرته مفضوحة، وخاصة الدورات العسكرية التي انتسب اليها في خارج العراق، فهل يجروء الوزير الهمام ان يسأله اين امضى تلك الدورات وفي اي مكان.. وكم قضى فيها وماذا تعلم منها؟
الجيش العراقي الذي قاده رجال افذاذ في الوطنية والجندية، قد نختلف او نتفق مع بعضهم سياسياً، لكنهم اصحاب غيرة بذلوا جهوداً حثيثه وتضحيات بالغة في تأسيسه وتطويره وتقوية مرتكزاته، وعملوا بهمة وايثار ليكون الجيش ابناً ورديفاً وحامياً للشعب، يحتاج الى اناس يتمتعون بالاهلية واللياقة والسمعة المحمودة والخبرة المعقولة ليتسلموا مسؤولية بنائه على أسس احترافية وعلمية وحيادية تضمن على الاقل ان يبقى بعيدا عن المقاييس الخاطئة والمغلوطة، وفوق الميول والاتجاهات كما كان يعمل قادته السابقون، وعندما نستذكر اسماء جعفر العسكري وياسين الهاشمي وجميل المدفعي وطه الهاشمي ونظيف الشاوي وصلاح الدين الصباغ ومحمود سلمان وفهمي سعيد وكامل شبيب وصالح صائب الجبوري ورفيق عارف وغازي الداغستاني ونور الدين محمود وعمر علي وعبدالكريم قاسم واحمد صالح العبدي ونجيب الربيعي وعبدالسلام عارف ومحسن حسين الحبيب وناجي طالب وحميد الحصونة ورفعت الحاج سري وطاهر يحيى وابراهيم فيصل الانصاري وناظم الطبقجلي وعبدالكريم فرحان، واركان العبادي، ومحمود نديم، وشاكر محمود شكري، وخليل سعيد، ومحمد مجيد (رحم الله الأموات منهم ورعى الاحياء)، لا يبنى الا وفق معايير وطنية، وسياقات مهنية بعيدا عن المحاصصات الحزبية والفئوية، والتقسيمات الطائفية والعرقية، وكان على الدكتور اياد علاوي وله موقف معلن ضد حل الجيش، ان يستعين بالضباط السابقين من اهل الخبرة والتجربة والكفاءة والنزاهة وعددهم كبير والحمدلله، وكثير منهم يعرفهم شخصياً، لتولى وزارة الدفاع والمواقع القيادية التابعة لها، لماذا لم يستعن باللواء عبدالجليل محسن او اللواء عماد شبيب او سليم شاكر الامام، على سبيل المثال لا الحصر، وهؤلاء وغيرهم معروفون بمعارضتهم للنظام السابق الذي اضطهدهم ونكل بهم ؟
انها محنة ان يتولى وزارة الدفاع وقيادة الجيش العراقي، جهلة واذلاء عليهم ملاحظات سلوكية، وشبهات شخصية، وبعد ذلك يريدون منا تصديق الادعاءات بان العراق سيكون له جيش وطني محترف، ووزارة دفاع ترعاه وتهتم به، والخشية ان يكون الجيش الجديد على غرار ما يعرف في النكتة العراقية المتداولة شعبيا بـ(جيش محمد العاكول) الذي اسمه بالحرب وبنادقه مكسورة.