كمال الجراح .. سلاماً

هارون محمد

قيل لي انه كان في غاية المسرة والحبور في الايام القليلة الماضية، ودهشت لاني اعرفه منذ منتصف الستينات، رجلاً جاداً شديد الالتزام بمبادئه ومواقفه وتصرفاته، مهذبا رصينا، مهموماً على الدوام بقضايا امته، وعندما تساءلت عن اسباب فرحه الغائب عنه من زمان، وهو الذي كان يعاني ويتعذب يومياً ويئن من وطأة وظروف وظيفته التي وصل اليها بعلمه وكفاءته ونزاهته، قيل لي لانه ساهم ونجح في اعادة الالاف من المعلمات والمعلمين الى الخدمة ممن شملهم قانون الاجتثاث السيء الصيت والاسم والعنوان، قبل العطلة الصيفية، ليتمتعوا مع أسرهم وأبنائهم بالرواتب الشهرية التي قطعت عنهم ظلما وجورا أكثر من عام مرير وقاس.

      ولان كمال الجراح مناضل وصاحب سيرة كفاحية حافلة بالتضحيات، اعتقل وزج في السجون عدة مرات، آخرها في مطلع السبعينات بسبب انتمائه للتيار القومي والناصري، وفصل من العمل وشرد وأمضى سنوات في القاهرة والمغرب يدرس ويدّرس، فان الوافدين الجدد على العراق من الاجتثاثيين والطائفيين ومقطوعي الجذور والاصول، لم يقدروا على المزاودة عليه، والتجاوز على مواقفه النضالية وسجله الناصع، ولجأوا كعادتهم الى بضاعتهم الكاسدة، واتهامه بانه قومي ملتزم وعروبي صلب، وهي تهمة اعتز بها وتحمس لها، في وقت تتعرض العروبة في العراق، الى هجمة شعوبية وصهيونية تستهدف الغاءها من تأريخ هذا البلد العربي الاصيل، وتغييب هويته الحضارية والثقافية والابداعية القومية.

      فقد كان كمال منذ سقوط النظام السابق وهو يكافح للحفاظ على بنى ومؤسسات وزارة التربية وحمايتها من العبث والانهيار، واسهم في ان تظل امينة على رسالتها بعيدا عن التحزب والتعصب، ودخل في معارك مع المستشارين الاجانب واتابعهم الصغار، لتبقى هذه الوزارة مكرسة لنشر العلم والمعرفة، وخاض في صراع ضد من حاولوا تشويه التأريخ العربي والاسلامي في المناهج الدراسية، حتى ان بعض الاقزام والمرتزقة والافاقين راحوا يشنعون عليه، ويطلقون عليه تسمية (تلميذ الحصري) اشارة الى المربي والمفكر الراحل ساطع الحصري، الذي علمت قراءته الخلدونية أجيالاً من العراقيين جيلا بعد جيل القراءة والكتابة.

      ولم يعد سراً ان اسم كمال الجراح كان في مقدمة الاسماء التي رشحتها بعثة الامم المتحدة برئاسة الاخضر الابراهيمي، لاشغال احدى الوزارتين (التربية او التعليم العالي) ولكنه اعتذر، وعندما ذهب اليه موظفو وزارة التربية يحثونه على تولي الوزارة وتسلم مسؤوليتها، باعتباره ابناً لها وغير طارئ عليها، اجابهم بلهجته البغدادية (مو.. وكتها) اي ليس آوانها، وأبلغهم انه في مكانه الان.. ووظيفته الحالية يخدمهم أكثر.

      كمال الجراح.. حرص على ابعاد وزارة التربية عن تنافس الاحزاب والجماعات الوافدة ومحاولاتها للهيمنة عليها، وتصدى بشجاعة لمن جاء باللافتات والشعارات الحزبية والصور الطائفية لتعليقها في اروقة الوزارة وجدرانها، ولم يأبه للتهديدات التي وصلت وطرقت اسماعه، فالرجل الذي علمته حركة القوميين العرب وهو شاب الجرأة والثبات على المبادئ الخيرة، والمواجهة مع اعداء الامة، لا يخشى وهو كهل عركته سوح النضال، من العملاء والمرتزقة والطفيليين الذين برزوا على السطح بفضل الاحتلال وسياساته.

      قتلوه نعم.. لانه عالم جليل، ومربي لامع، وانسان كفوء ونظيف، كان بمقدروه لو تنازل قليلاً عن مبادئه ان يتولى ارفع المناصب واعلى المواقع، سابقاً وراهناً، ولكنه بقي ذلك الرجل الكبير في علمه وادبه، المخلص للمفاهيم القومية التي تربى عليها، والحريص على مهامه التربوية والتعليمية، ولان العلماء والمبدعين العراقيين اصبحوا هدفاً لعصابات ومافيات ممولة وموجهة من دوائر صهيونية، وقوى استعمارية، واطراف طائفية، وجهات تريد تفكيك العراق وافراغه من العقول والكفاءات، فقد سقط كمال الجراح برصاص الغادرين ملتحقاً بموكب الشهداء الابرار الذين سبقوه.

قبل شهور قليلة تسلمت مظروفاً ارسله كمال من بغداد بيد الصديق عبدالحسين شعبان، فيه مطبوعات وبيانات قومية مع رسالة خاصة الى احد اصدقائه السوريين، لم يثبت عليها عنوانه الكامل في دمشق، فاتصلت به هاتفياً اساله عن العنوان لابعثها اليه، فقال لي رحمه الله لقد نسيت عنوان صديقي، افتحها واقرأها قد تكون المعلومات فيها تهمك انت ايضاً، وعندما اطلعت على مضمونها وجدت ان الشهيد يتحدث بأسى الى صديقه الاستاذ الجامعي والاكاديمي العربي السوري، عن معاناته الشخصية والمهنية في الوزارة والتحديات الكبيرة التي تواجهه في هذه المرحلة، ولكني لاحظت انه يقول لصديقه وكأنه يخاطبني: كن مطمئناً بان الوعي الوطني والقومي في العراق راسخ في الاعماق، يتجدد كل يوم، ويتفجر حيوية وألقا وانتشاراً، لا تخافوا على العراق العربي وثقوا بامكانيات وطاقات اخوتكم.

كمال الجراح.. سلاماً وانت تغادرنا الى دار المجد والخلود، فقد بذلت ووفيت، وناضلت وكفيت.. اي والله.