رجل تمسك بمبادئه وحافظ على نقائه حتى الرمق الأخير

    أحدثكم عن مناضل اسمه خالد علي الصالح

                                                                                     هارون محمد

 

هو رجل من طراز نادر، ومناضل صلب، ظل على ايمانه بعدالة القضايا الوطنية والقومية التي آمن بها، دون ان يضعف او ينحني أمام قسوة الجلادين وإرهابهم.

والحديث عن خالد علي الصالح، وكفاحه وثباته وصموده، حديث طويل ولكني اتوقف هنا عن ابرز وقفاته، بعضها سجله في كتابه الوثيقة (على طريق النوايا الطيبة) وبعضها الاخر قفز عليها تواضعاً، وهو الإنسان النقي والوفي، الذي فقدناه ونحن بأشد الحاجة إليه ومن أمثاله من الرجال المناضلين بصدق وأمانة وتجرد.

أولى هذه المواقف، يوم تصدى للأكذوبة وصاحب الفلسفات الانتهازية الانفصالي ميشيل عفلق، وخالد يومذاك شاب في مقتبل العمر، وعضو في القيادة القطرية لحزب البعث في العراق، فقد جاء عفلق الى بغداد عقب نجاح ثورة  تموز 14 تموز 1958، وفي اجتماع مع اعضاء القيادة القطرية للحزب في العراق، استخف (القائد المؤسس) برفاقه العراقيين نظراً لصغر اعمارهم، فقد كانوا جميعاً دون الثلاثين، فالتزم الجميع الصمت خوفاً او هيبة من عفلق باستثناء خالد الذي وقف يجادل (الضيف القائد) بمنطق وجرأة، ويسجل عليه اعتراضات علىلا موقفه وموقف الحزب من سلوكيات القطب الثالث في قيادة البعث، اكرم الحوراني، ويتساءل عن الاسباب التي تحول دون اتخاذ قرار حاسم ضده.

والموقف الثاني الذي تحدى فيه خالد علي الصالح مؤسس الحزب وفيلسوفه ميشيل عفلق كان في حزيران 1959 عند التحضير لعقد المؤتمر القومي الثالث للحزب، فقد حدد عفلق اسماء معينة من البعثيين العراقيين لحضور المؤتمر، مندوبين عن الحزب، الامر الذي رفضه خالد، واعتبره تدخلاً في شؤون الحزب، وتحيزاً لبعض القياديين ضد بعضهم الاخر، فاتفق خالد مع فؤاد الركابي ان يمثل الحزب في المؤتمر وان يسافر الى بيروت حيث تقرر ان تكون مكاناً للإجتماع.

ويقول خالد عندما وصلت الى بيروت فوجئت بأن عفلق قد سافر الى القاهرة لتمضية شهر العسل فيها، وأضطررت الى تمضية عدة ايام لحين عودة (العريس) الى لبنان، وعند انعقاد المؤتمر، حدثت ازمة بين عفلق وأمين سر القيادة القطرية للحزب في الاردن، عبدالله الريماوي، حيث طالب الاول لفصل الثاني بحجة علاقته بمخابرات عبدالناصر، فيما اقترح الثاني طرد عفلق لانه لا يمثل غير نفسه بعد حل الحزب في سوريا، وقد تضامن البعثيون الاردنيون الذين جاءوا للمشاركة في المؤتمر مع رفيقهم الريماوي ضد عفلق، وقد اقترح خالد مدفوعا ًبالتعاطف مع الريماوي وجماعته تشكيل لجنة حزبية تتولى الاشراف على انتخابات فروع حزب البعث، يستبعد منها عفلق والريماوي، ولم يجد احد في نفسه الشجاعة لابلاغ عفلق بموضوع اللجنة، الا خالد علي الصالح ذلك الشاب القادم من بغداد، الذي يحمل معه روح الاقدام والشجاعة، وقام بمواجهة عفلق واشعاره بمضمون الاقتراح.

ويقول خالد، لقد انتفض عفلق عندما ابلغته امر اللجنة، وهاج وماج، واستنكر ان يتم وضعه بموازاة الريماوي، وغضب لان اصحاب اقتراح تشكيل اللجنة استبعدوه من عضويتها.

ورفض عفلق الاقتراج جملة وتفصيلاً، ولما ساله الا يستحق الحفاظ على الحزب في الاردن تضحية منكم، جاءه الرد سريعاً من عفلق، ليس هناك حزب بعث في الاردن، فليذهب الريماوي والذين معه الى أي جهة شاءوا.

وكانت عقوبة عفلق لخالد الجريء والمبدئي، ان استبعده من عضوية القيادة القطرية، رغم انه الممثل الوحيد المخول من قيادة الحزب بالعراق، وانتخاب طالب شبيب الذي كان يستجم ويطاف في لبنان بدلاً عنه.

وخلال محاكمته امام محكمة المهداوي، وقف خالد يدافع عن نفسه ورفاقه بجرأة، فأعترف بانه احد المخططين لاغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم، بل انه تحمل مسؤولية اخرين مشاركين في العملية، وكان بمقدور خالد ان يهرب الى سوريا، كما فعل اغلب قياديي الحزب وبعضهم كان مجمداً وبعيداً عن نشاطه مثل علي صالح السعدي، ولكنه رفض وأصر على البقاء الى جانب رفاقه.

واذا كان خالد علي الصالح قد تألم حقاً، لانهيار عدد من رفاقه واعترافاتهم التفصيلية وخصوصاً سمير عبدالعزيز النجم، الذي لم يبق على شيء يعرفه عن تنظيمه الحزبي واصدقائه ومعارفه، فان اكثر ما آلمني يقول خالد- رسالة القيادي الشيوعي عزيز الحاج التي بعث بها الى المهداوي يؤكد فيها ان خالداً عضواً في القيادة القطرية، وانه كان يمثل الحزب في اجتماعات جبهة الاتحاد الوطني قبل ثورة 14 تموز 1958، ويقول ما ما قيمة الرسالة، والمحكمة عرفت انني عضو قيادة، واعترفت انا ايضاً بدوري ومهامي في عملية الاغتيال والاسباب التي دفعتني للقيام بها.

وكان خالد علي الصالح واحد من خمسة حكمت عليهم محكمة المهداوي بالاعدام، ولكن الزعيم عبدالكريم قاسم امر بتبديل الاعدام بالسجن المؤبد، وعندما حدث الإنفصال المشؤوم لوحدة مصر وسوريا، ومشاركة قيادات حزب البعث في ذلك العمل المخزي وتوقيعهم على وثيقة الانفصال الذي اكدت الاحداث والوقائع ان ميشيل عفلق ساهم في صياغتها ووقع عليها صلاح البيطار واكرم الحوراني عن الحزب، ولا مبرر لاستمرار البعثيين في السجن، ما دامت قياداتهم تآمرت على الوحدة والرئيس جمال عبدالناصر، واطلق سراح خالد ليبدأ معركته الجديدة مع اتباع عفلق في العراق من البعثيين الانفصاليين الذين سيطروا على الحزب، وتسلطوا عليه في غياب فؤاد الركابي لاجئاً في القاهرة، وخالد علي الصالح المحكوم بالاعدام، ونزيل سجن رقم واحد في بغداد.

ويقول خالد انه ذهب الى بيت والده في (سلمان باك) عند الافراج عنه، وقد هاله العدد الكبير من البعثيين القدامى يزورونه ويسلمون عليه، واكتشف ان القيادة التي نصبها عفلق للحزب بالعراق، طردت جميع هؤلاء من الحزب، بسبب تمسكهم بالوحدة ورفضهم الانفصال، ويبدو ان هذه القيادة وكانت تضم علي صالح السعدي وحازم جواد وطالب شبيب وفيصل حبيب الخيزران وتحسين معلة وصالح مهدي عماش ومعها كوادر الحزب، هاني الفكيكي ومحسن الشيخ راضي وفائق البزاز وغيرهم، كانت تعرف ان خالد علي الصالح لن يفرط بالمبادئ التي امن بها وفي مقدمتها الوحدة العربية ومرجعية القائد والمعلم جمال عبدالناصر، فلجأت الى تجريده من عضوية القيادة القطرية التي تحملها منذ منتصف الخمسينات، وحاولت تهميش دوره، بعد ان حظي بشعبية واسعة في العراق، جراء مواقفه الجريئة امام محكمة المهداوي، فعمدت الى اتخاذ اجراءات وأساليب غير شريفة، لابعادة عم الحزب وقطع صلاته عن الجمهور الذي احبه وأحترمه.

ولما وجد افراد هذه القيادة الهزيلة، ان خالد علي الصالح، متمسك بالثوابت الوطنية وغير مستعد للتنازل عن مواقفه، خاصة بعد ان خاض انتخابات حزبية في منطقة الكرادة واحرز فيها اعلى الاصوات، قاموا بعملية خبيثة للايقاع بخالد مرة اخرى، وتسليمه الى رجال الامن الذين كانوا يترصدونه باعتباره خارج من السجن حديثاً وتحت المراقبة، فقد عمدت قيادة الحزب بتكيلف خالد بالظهور والمشاركة في تظاهرات استقبال احمد بن بلا في زيارته لبغداد، أوائل 1962، وكانت قيادة علي صالح السعدي وحازم جواد تهدف من هذا التكليف، وضع خالد في مأزق واظهاره بموقف الخائف والضعيف، من المشاركة في التظاهرات لاحراجه امام مريديه ومحبيه، في حالة عدم مشاركته، اما اذا وافق على المشاركة، فانها ستتخلص منه لانه سيقاد لا محالة الى الاعتقال مجدداً.

واختار خالد المشاركة وتحمل تبعات ذلك، وفعلا ًكان اسم خالد يملأ الاسماع وحظي بأقبال المشاركين عليه وتقبيلهم له، وحظي في الوقت نفسه بمتابعة الاجهزة الامنية التي اعتقلته في اليوم التالي، وارسلته الى معتقل (نقرة السلمان).

ولم يطلق سراح خالد الا يوم 8 شباط 1963 عقب نجاح انقلاب البعثيين، ومرة اخرى يبدأ خالد علي الصالح صراعه مع الحكام الجدد وكانوا هذه المرة من رفاقه وعدد منهم كان مسؤولا ًعنه ومنظماً له، قبل حادث اغتيال عبدالكريم قاسم.

ولم يجد الانقلابيون الجدد غير اهمال خالد، والسعي الى حصاره وتطويقه وتهميشه.

وعندما انهارت سلطة 8 شباط 1963، وهو البعيد عن اجوائها ومؤامراتها، انصرف الرجل الى اكمال دراسته وتدبير شؤونه الخاصة والعائلية.

وفي نهاية عام 1964 وكان صدام حسين قد أصبح واحداً من قيادات حزب البعث المنهار، عرض على خالد علي الصالح، ان يعود الى الحزب ويتولى قيادته، ولكن خالد الذي طلق حزب البعث ورفض ان يعود اليه ويتعاون معه في الفترة السابقة، رفض العرض تماماً، واختار عن قناعة ان يكون في المعسكر الوحدوي الناصري، تجسيداً لافكاره ومواقفه، فانخرط في التيار القومي مناضلاً وقيادياً، واتسمت مواقفه بالصلابة والمبدئية، كما كان طوال حياته السياسية السابقة.

فقد ساهم في تشكيل الحركة الاشتراكية العربية، استجابة لفكرة عبدالناصر التي نادى باقامة الحركة الواحدة، وكان من انشط قيادييها، وعندما حدث الخلاف بين بعض اقطابها نهاية عام 1966، انحاز خالد عن قناعة الى الطرف الذي كان يعتقده الصحيح، فاصبح عضواً في المكتب السياسي لحزب الوحدة الاشتراكي الى جانب صبحي عبدالحميد وعارف عبدالرزاق والحكيم راجي عباس التكريتي وشاكر السعدي وعاد الفرعون وزاهد شفيق وهادي خماس، وسعى خالد الى تقريب وجهات النظر بين الاطراف القومية في العراق، وحل الخلافات التي كانت تعصف بها، وكان يرى ان تشتت التيار القومي والناصري في العراق، الى حركات واحزاب وجماعات يضعف التيار ويمنح الفرصة لخصومه، من تسلق السلطة واضطهاد الشعب، وفعلاً صدقت اجتهادات خالد وتسنى لحزب البعث/جناح البكر وصدام والشلة اليمينية، ان تتسلق السلطة في 17 تموز 1968، ويبدأ خالد مع رفاقه القوميين، مرحلة جديدة من النضال ضد الطغمة الجديدة.

وقد تعرض خالد علي الصالح وشقيقه فالح الى الاعتقال مبكراً في قصر النهاية وهناك تعرض الى صنوف من التعذيب البدني والنفسي، ولكنه كما كان دائماً، ظل صامداً غير يهاب او خواف، وقد ضرب هو ورفيقه فؤاد الركابي، اروع الصور في الصمود والثبات، وكانا قدوة للمعتقلين.

وعند اطلاق سراحه بعد ان قضى أكثر من عام في قصر النهاية، لم يركن الى الراحة او يعتزل طريق النضال، فقد شمر عن ذراعيه وبدأ يشحذ الهمم ويعمل على تعبئة القوميين وتجميعهم وبذل جهوداً هائلة في ظروف قاسية حيث المراقبة الأمنية والملاحقات والحصار المضروب عليه، ولم يقبل بمغادرة بغداد التي احبها الا بعد ان اجبره رفاقه على ذلك، في اعقاب ورود معلومات مؤكدة من دائرة صدام حسين نفسه، بان الاوامر صدرت الى الجلاد ناظم كزار، بتصفية اثنين من القادة القوميين، فؤاد الركابي وخالد علي الصالح، وقد تحققت بالفعل تلك المعلومات عندما نجحت في اغتيال فؤاد وهو في سجن بعقوبة، وفشلت محاولة اغتيال خالد الذي نجح في التخلص من عصابة صدام ووصل الى القاهرة، وفيها اكمل دراسته العالية وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون وعمل استاذاً في الجامعات المغربية والليبية والمصرية، واستمر في نشاطه القومي دون كلل، وظل على اتصال وعلاقات مع اخوانه ورفاقه القوميين في مصر والعراق ولبنان، منتظراً يوم الخلاص الوطني والعودة الى العراق بعد سقوط هذا النظام الجائر، ولكن المنية عاجلته هذه المرة وهو الذي فلت منها عدة مرات طوال عمره.. له الرحمة والفخر.