انتفاضة العراق الوطنية
د. وميض عمر نظمي
علي الرغم من الاسي الذي يعتصر قلوب كل العراقيين ازاء التضحيات الهائلة والمآسي
الانسانية والدماء العراقية المراقة من قبل الاستعماريين المعروفين عبر التاريخ
بالقسوة واللؤم وعدم الاكتراث لآلام البشر.
علي الرغم من ذلك كله فما تحقق سياسيا خلال الاسابيع الماضية واحداثه الدامية قد
سجلت بصفحات من نور انجازات عراقية لا يستهان بها والحق بالاستعمار واعوانه هزائم
مريعة وكشف عن المزيد من اكاذيبهم وادعاءاتهم المسمومة واحبط العديد من مشاريعهم
ومعنوياتهم وغرورهم الاجوف.
ان اروع ما حققته الايام الاخيرة هو التجسيد الرائع لوحدة وطنية شملت عرب العراق
بشكل لم تشهده مدننا وجماهيرنا العراقية منذ فترة غير قصيرة فاتحاد الفلوجة مع
الكوفة والموصل مع كربلاء وكركوك مع الكوت والنجف الاشرف مع سائر مدن العراق قد سحق
الافتراءات عن تصدع في وحدة الشيعة والسنة وكلهم عرب ومسلمون. ولعله من الصحيح ان
سياسات النظام السابق وتهميش دور كافة الاحزاب السياسية والجمعيات الثقافية
والمفكرين اللامعين وتسلط حكم (العائلة) الواحدة اضافة الي معاناة الحصار والعقوبات
الاقتصادية الفاجرة قد اسهما في اضعاف النسيج الوطني والاجتماعي لمصلحة ولاءات ما
دون الوطنية. الا ان جوهر الوحدة الوطنية ما كان يمكن كسره او اضعافه مهما حاول
المخربون والمتعصبون وعملاء الاحتلال.
لقد بلغت الوقاحة بالاحتلال الامريكي (ام لعلها الجهالة والسذاجة) الي حد الاعتراف
بالحقوق القومية بالنسبة للاشقاء الكرد والتركمان وهو ما نؤكده نحن ايضا. اما العرب
الذين يمثلون ما لا يقل عن 75% من سكان العراق فهم ليسوا قومية او امة او مشروع امة
(كذا) انهم سنة وشيعة وعشائر. فالاحتلال الامريكي ومن خلفه وامامه المخططات
الصهيونية يريدوننا ان نصدق بان المذهب الشيعي الجليل هو دين جديد وليس مجرد فرع من
الاسلام الحنيف وكذلك مذهب اهل السنة. بل ذهبوا في وقاحتهم الي حد اعتبار او
التلويح باعتبار التشيع هو قومية ليست هي قومية اهل السنة. فالاحتلال الامريكي
يتكلم عن كرد وتركمان واشوريين ثم يقفز فجأة عن هذا التعداد الاثني ليتحدث عن سنة
وشيعة وهم تشكيلات مذهبية وليست اثنية مغيبا ـ بوقاحة او سذاجة ـ وجود الاسلام او
العرب او المسيحيين العرب.
وكنا نسخر من هذه الادعاءات او التصورات ونعلم علم اليقين انها اضغاث احلام فاسدة
واوهام لا اساس لها من الحقيقة والموضوعية والتاريخ والمستقبل. وجاءت التفجيرات
الاجرامية في كل من كربلاء والكاظمية والرد التوحيدي والاسلامي والعربي ليكشف
عاملين:
الاول هو تكالب قوي الاستعمار والصهيونية وبعض العملاء علي احداث الفتن وافتعال
الاحداث والثاني قدرة شعبنا التاريخية علي الصمود بوحدته الوطنية بوجه محاولات
الفتن هذه اضافة الي الجهود الخيرة التي يبذلها بعض علماء الدين (من المذهبين) وبعض
المثقفين والمناضلين الوطنيين والقوميين والتي ستكشف النقاب عنها ذات يوم لفضح
(مؤامرة الصمت) الاعلامية الموجهة ضد هذه العناصر الخيرة. لقد راهن الاحتلال
الامريكي وبقوة علي هذا (الشرخ) المصطنع والموهوم بين السنة وشيعة عرب العراق ليؤسس
عليه اركان الاحتلال ويبرر استمرار هذا الاحتلال بحجة تجنيب العراقيين مساويء
ومظالم الحرب الاهلية الموهومة التي ستنشب بينهما فور رحيل الاحتلال (كذا) علي حد
زعمه.
بعبارة اخري قد لا تخلو من سخرية ومرارة في آن فكان الاحتلال الامريكي يقول لعرب
العراق دعوني اقتلكم واحتل بلادكم كي اجنبكم قتل بعضكم الاخر.. واراد الاستعمار
الامريكي ان يصطنع كابوسا سنيا لشيعة العراق وكابوسا شيعيا يهدد به سنة العراق
وكرده وكابوسا كرديا ايضا.
وبفضل التضحيات السخية والدماء الزكية التي سالت في الاسابيع الماضية فقد تهاوت كل
هذه الكوابيس المصطنعة والانقسامات المفبركة وهتف شيعة العراق وسنته سوية: من
الفلوجة للكوفة.. هذا الوطن منعوفه، بعد ان رددوا منذ الساعات الاولي للاحتلال وفي
المدن الشيعية المقدسة الهتاف التاريخي: لا سنة ولا شيعة هذا الوطن منبيعه، وخلال
ايام قليلة تهاوت كل مكائد الاستعمار ومحاولاته واكاذيبه فابناء الفلوجة ينتصرون
للكوفة وللنجف الاشرف ومساعدات الفرات الاوسط وجنوب العراق تنهال علي الفلوجة
المحاصرة والتي تحاصره قوات الاحتلال وتسيطر علي منافذ الخط السريع جنوب وشمال
الفلوجة.
لقد كذبت ادارة الشر الامريكية مرات عدة بشأن العراق. كذبت علي العالم وعلي مجلس
الامن وكذبت علي شعوبها بشأن اسلحة الدمار الشامل العراقية لتبرر العدوان علي
العراق واحتلاله. وكذبت ادارة بوش بشأن العلاقة بين العراق والارهاب العالمي وتكشفت
الحقائق المرة امام انظار العالم باجمعه فلا وجود لعلبة كبريت (شخاط) واحدة من
اسلحة الدمار الشامل والارهاب دخل الي العراق مع الاحتلال الامريكي الذي قام بحل
كافة اجهزة الدولة من قوات مسلحة وشرطة. واليوم تأتي الانتفاضة العراقية المباركة
في نيسان (ابريل) لتنهي والي الابد اكذوبة الانقسام العراقي والحرب الاهلية
المزعومة. ماذا تبقي من مصداقية لهذه الادارة الامريكية البائسة التي وصفت النظام
العراقي السابق في العراق بانه جمهورية الخوف فاذا بها تشيد (جمهورية الكذب)
وبامتياز تحسد عليه.
انه لمن المؤسف حقا ان تنحدر ادارة الدولة الاعظم الي هذا الدرك من الاكاذيب
والافتراءات تري اي عالم هذا الذي نعيش فيه؟
لقد تصور بعض صغار القوم ممن اطلقوا سيقانهم للريح خوفا وجزعا من صدام ولم يعودوا
للعراق الا خلف الدبابات البريطانية ان بوسعهم ان يجعلوا من 9/4 عيدا يحتفلون فيه
بجبنهم وذعرهم وخورهم امام الشدائد. فاين احتفالهم هذا؟ وساحة الفردوس مطوقة
بالدبابات الامريكية الخائفة والهدير الشعبي يمتد من الكوفة الي الفلوجة. ولن تغيب
صرخات الاحتجاج طويلا عن مدن السليمانية واربيل ودهوك فالاشقاء الكرد يعانون من غصة
في القلب عندما يتذكرون قصف القوة الجوية الملكية البريطانية بالغازات السامة لثوار
الشيخ محمود الحفيد وعندما يتذكرون مأساة جمهورية مهاباد وذكريات الشهيد القاضي
محمد معلقا علي مشانق الشاه وعندما يستعيدون ذكريات المؤامرة الشيطانية عليهم من
قبل هنري كيسنجر في 1974 ـ 1975.
ان آثام النظام السابق في حلبجة والانفال وغيرهما علي مدي سنوات عديدة هي السبب في
تأخر عودة الوعي لاشقائنا الكرد ولكن ستمتد انتفاضة العراق وبأسرع مما يتصور
الكثيرون الي المدن والقري والقصبات الكردية. وستنهار (جمهورية الكذب) مثلما انهارت
(جمهورية الخوف) واننا علي موعد مع عراق الغد عراق الاستقلال التام والتحول
الديمقراطي والمصالحة الوطنية العراقية عراق المواطنة والمساواة ومعاداة كل تمييز
طائفي او عرقي وكل استيطان عنصري صهيوني وكل قواعد الاستعمار والاحتلال عسكرية كانت
ام غيرها.
لا حرب اهلية بين السنة والشيعة ولا بين العرب والكرد ولا بين الكرد والتركمان بل
انتفاضة وطنية تضم كافة فئات الشعب علي طريق العصيان المدني والنزاع الاستقلال
التام.