حوار مع الدكتور خير الدين حسيب

المدير العام لمركز دراسات الوحدة العربية

- التفجيرات ضد المدنيين والشرطة والسفارات أعمال مدانة
- مصير العراق مرهون بتطورات الأشهر المقبلة والرئاسة العراقية من ثلاثة أشخاص غير حزبيين تفضي إلي الحل



بعد عا م ونيف علي الاحتلال الأمريكي للعراق، تغيرت وقائع وحقائق، وجرت مياه كثيرة تحت الجسور. فشتّان ما بين وقفة بوش علي أرض بارجته الصلبة قبل عام مفعماً بنكهة النصر وبين غرق جنوده في وحل العراق. العراق بعد عام من الاحتلال تبدو صورته باهتة أمام ألوان الدم والدمار ووقع أصوات الانفجارات التي لا تهدأ. زلزال الاحتلال ضرب كل شيء، غَيَّرَ معالم كل شيء: نظام الحكم، مؤسسات الدولة،العلاقات الدولية والاقليمية... إلخ، لم يعد أي شيء كما كان. الأمريكيون فوجئوا بما لم يكن في الحسبان: أمن منفلت، مقاومة ضارية، اقتصاد يتراجع، مجلس حكم يترنح، وتحالف دولي يتصدع، والمخاوف والشكوك تذهب في كل اتجاه والأصوات ترتفع حتي داخل الإدارة الأمريكية مُنْذِرَةً بفييتنام جديدة. قوات الاحتلال التي سقطت في الفخ تحاول الخروج منه: استعانت بالأمم المتحدة لتنفيذ نقل السلطة إلي العراقيين وتشكيل حكومة انتقالية والبدء بالتحضير لانتخابات عامة مطلع السنة المقبلة. لكن السؤال هو: أي سلطة وأي سيادة ستسلم للعراقيين؟ وأي حكومة انتقالية وبأي صلاحيات ستحكم؟ أي قوة متعددة الجنسية سيقرر مجلس الأمن إرسالها إلي العراق؟ ما هو مصير قوات الاحتلال؟ من يحفظ الأمن؟ هل تتوقف المقاومة؟ كلها أسئلة صعبة تطرح قبل شهرين أو أقل من استحقاق نقل السلطة إلي العراقيين.
للقراءة في هذا الوضع الغامض والصعب والمعقد، (الملف) يتحدث الدكتور خير الدين حسيب مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية في هذه المقابلة عن واقع العراق ومستقبله.


 دكتور كمدخل لحوارنا، بعد مرور عام ونيف علي الاحتلال، هل تعتقد أن الأمريكيين وقعوا في الفخ الذي نصبوه في العراق، فلا هم قادرون علي الخروج منه، لأن الخروج منه مكلف، وأما البقاء فيه فمكلف أكثر؟
ــ بغض النظر عن النيات، أعتقد أن أمريكا خططت للحرب أكثر مما خططت لما بعد الحرب. وهناك عدد من الدراسات نشرت في مجلة
Foreign Affairs في سنة 2002 تشير إلي أن الصعوبة ليست في احتلال العراق، وإنما الصعوبة في ما بعد الاحتلال. لذلك قدروا أن أمريكا تحتاج إلي قوات تتراوح ما بين 300 إلي 500 ألف جندي وهذا ما حصل. أمريكا نجحت باحتلال العراق، ولم يكن من المتصور أن الجيش العراقي المنهك منذ حرب الخليج الثانية في 1991، والمحاصر علي مدار ثلاث عشرة سنة، يستطيع أن يقاوم الجيش الأمريكي مع كل التقانة المتوفرة لديه. إضافة إلي ذلك، فإن الخطة العسكرية العراقية كانت ــ علي ما يبدو الآن ــ تعتقد أن الجيش الأمريكي سيحاول احتلال المدن وقد هَيَّأَ العراقيون للمقاومة داخل المدن، ولكن الخطة الأمريكية تفادت المدن، مكتفية بتطويقها، محاوِلةً الوصول بأسرع ما يمكن إلي بغداد، وحصل ما حصل.
أنا أعتقد أن أمريكا الآن في مأزق، وأنها سقطت في المستنقع العراقي، ولم تستقبل بالورود كما قالوا لها، وكما ظنت أو كما قِسْمٌ منها ظن. صحيح أن معظم العراقيين لم يقاوموا، ولكنهم لم يرحبوا بالاحتلال، لأن للعراق تاريخاً طويلاً مع الاحتلال. الأمريكيون لا يعرفون العراق جيداً: لا يعرفون نسق القيم في العراق، ولا يعرفون معني الكرامة عند العراقي.

الانتخابات الأمريكية
 يعني علي الرغم من وجود مراكز دراسات...؟
ــ الطغمة التي دفعت إلي الحرب، كما يبين وودورد في كتابه الأخير
Plan of Attack، أعني مجموعة رامسفيلد ووولفويتز وتشيني وبيرل وفيث، لم يكن رموزها يملكون أية خلفية في معرفة المنطقة، علي عكس ما تُفِيدُ به التحضيرات التي قامت بها وزارة الخارجية. لذلك فإن الذي سيقرر مصير أمريكا في العراق هو الانتخابات الأمريكية. إذا استمرت المقاومة واتسعت كما يبدو في الأيام الأخيرة ــ حيث انتشرت إلي كربلاء والنجف والديوانية وغيرها ــ وإذا كان هناك ضحايا أكثر مما تتحمل أمريكا، فإن الأمور ستدفعها إلي خيار التسريع بالخروج من العراق. إن إحدي مزايا أمريكا أنها براغماتية، ولذلك فهي قد تغير مواقفها بنسبة 180 درجة إن وجدت مصلحتها في ذلك، كما أن مصلحة الرئيس الأمريكي ورغبته في الفوز في الانتخابات قد تتطلبان ذلك. ولذلك قد يجبرون علي الرحيل وتسليم الأمور للأمم المتحدة، ولكنهم سيحاولون أن يبقوا إلي آخر يوم ممكن في العراق، لأن مخططهم أوسع من العراق.
 إذاً ألا تعتقد أنه في محاولة للخروج من الفخ العراقي يحاول الأمريكيون الآن الاستنجاد بالأمم المتحدة، وتسمية الأخضر الإبراهيمي والرهان عليه علي ترتيب نقل السلطة إلي العراقيين؟ هل يمكن أن تنقذهم الأمم المتحدة؟
ــ حتي الآن، وبانتظار قرار جديد من مجلس الأمن يحدد دور الأمم المتحدة، فإن دور الأمم المتحدة حالياً هو، كما أعلن الابراهيمي ووافق علي ذلك كوفي آنان ومجلس الأمن، اختيار حكومة مؤقتة ومجلس رئاسة والتحضير للانتخابات. وفي شهر تموز (يوليو) سيتم عقد اجتماع لـ 1000 أو 1500 عراقي يمثلون اتجاهات مختلفة لاختيار مجلس استشاري يضم ما بين 100 إلي 150 شخصاً، علي أن يكون هذا المجلس بمثابة برلمان استشاري جديد يساعد الحكومة في التخطيط، علي أن تكون الحكومة حكومة انتقالية لتصريف الأعمال، ومهمتها الرئيسية إجراء الانتخابات في موعد لا يتجاوز كانون الثاني (يناير) 2005.
 سنعود للحديث بالتفصيل عن مهمة الأخضر الإبراهيمي وعن دور الأمم المتحدة، لكن طالما نحن بصدد الحديث عن مآزق، ألا تعتقد أن العرب هم أيضاً في مأزق؟ الحرب تدور علي أرض عربية وهم لا يستطيعون أن يستقيلوا من دورهم، وخاصة أن الحرب علي مقربة من حقول النفط. هناك دعوات دولية ودعوات إسلامية ــ د. حسيب ــ لكي يتدخل العرب في العراق من خلال إرسال قوات تحت يافطة أو تحت علم الجامعة العربية. هل تعتقد أن من مصلحة العراقيين أن تدخل القوات العربية إلي العراق؟ هل هذا يفيد؟ وهل هذا يعطي بعض الدور للعرب؟
ــ بعد حرب الخليج الثانية، وبعد احتلال الخليج وانتشار القواعد الأمريكية، أصبحت الولايات المتحدة عضواً رئيسيّاً فاعلاً وإن كان غير رسمي في مؤسستين هما الجامعة العربية ومنظمة الأوبك. هذا ما تبين في الاحتلال الأمريكي للعراق. الحرب لم تكن حرباً أمريكية فقط، كانت حرباً أمريكية ــ عربية علي العراق شاركت فيها معظم النظم العربية إما (بالسكوت) أو (بالخوف) أو (بالتواطؤ المعلن) أو (بالتواطؤ الخفيّ).
 دكتور أنت تعرف أن نظام الرئيس صدام حسين كان مشكلة بالنسبة إلي كثير من الدول العربية، الآن اختلف الوضع، نحن لا نتعاطي الآن مع الوضع العراقي الراهن، العراقيون بحاجة إلي مساعدة من أشقائهم العرب، كيف يمكن للعرب أن يساعدوا العراقيين؟
ــ أنا أعتقد أن علي الحكومات العربية الآن أن تكفينا شرها، لأنه لو كان بإمكانها أن تتدخل لَفَعَلَتْ ذلك لمصلحة أمريكا، لأن الحرب قامت بمساعدتها وبدونها لم يكن ممكناً أن تقوم الحرب.
 نعود إلي مهمة الإبراهيمي، قلت إن الإبراهيمي عاد للعمل علي الوصول إلي صيغة سياسية لعملية نقل السلطة إلي العراقيين، لكن هذه المهمة موضع خلاف وجدل داخل العراق، أعضاء في (مجلس الحكم) يؤيدون مهمة الإبراهيمي وآخرون يعترضون عليها ويعتبرون أن العراق ليس بحاجة إلي أوصياء، ليسوا قطيع غنم ولا قطيع بقر، حتي يتدخل الابراهيمي. كيف تنظر أنت إلي مهمة الإبراهيمي وما هي الشروط التي تراها ضرورية لإنجاح دوره في عملية نقل السلطة؟
ــ سؤال مهم جدّاً. الإبراهيمي لم يأت بمبادرة من الأمم المتحدة، وإنما جاء بمبادرة وبإلحاح من الولايات المتحدة.
 وبطلب من (مجلس الحكم) !
ــ ما يسمي (مجلس الحكم)، لا يقدّم ولا يؤخر في الموضوع.
 يعني مجرد واجهة؟
حسيب: الذي يريده بريمر يعمله هؤلاء، لكنهم لا يقدمون ولا يؤخرون، هُمْ فقط مشغولون بتعيين أقاربهم وأزلامهم، وقسم منهم مشغول بالاستفادة من هذه المرحلة. وبالتالي، دورهم محدود. وإذا كانوا معارضين لمهمة الأخضر الإبراهيمي، فلأنهم يعتقدون أنها ستُنْهِي دورهم، وبخاصة أن المقترح من الإبراهيمي كما يبدو، أن تكون الحكومة حكومة تكنوقراط، يتم فيها استبعاد السياسيين بمعني المنتمين إلي أحزاب، إلخ، وأن يقوم مجلس رئاسة من ثلاثة أشخاص غير حزبيين.
 
حول هذه المسألة دكتور، هل لديك أسماء؟ نقرأ في الصحف أن هناك عدنان البادجه جي مرشح أن يكون رئيس حكومة أو رئيساً، وإبراهيم الجعفري، وأسماء أخري مطروحة. هل باعتقادك يمكن لهذه الأسماء أن توحي بالثقة للعراقيين؟ وكيف سيتم التوزيع؟ هل وفق حصص طائفية؟ وهل هذا يتناسب مع الوضع القائم في العراق؟
ــ حسب ما قيل علي لسان الإبراهيمي، وحسب ما ذكر في تقريره، وكذلك في المقابلات التي تمت معه في بعض الفضائيات العربية، هو لا يريد أحداً من الحزبيين أن يشارك في هذه الوزارة، وبالتالي يتطلع إلي إمكانية تشكيل مجلس رئاسة ووزارة من غير الحزبيين. ومن هذا المنطلق، يمكن استبعاد كل من يجري الكلام عنهم، لأن لهؤلاء جميعاً أحزاباً.

قانون ادارة الدولة

 قرأت اليوم، أن بعض أعضاء مجلس الحكم هدَّد بأن (قانون إدارة الدولة) قد يتخلون عنه، وكأنهم هم الذين وضعوه.
يعني نحن أمام استحقاق داهم وهو الشاغل الآن بالنسبة إلي العراقيين هو موضوع 30 حزيران (يونيو). السؤال، لمن ستنقل السلطة في العراق؟ هل تكون السيادة كاملة كما يريدها العراقيون؟ أم هل ستكون سيادة منقوصة كما يريد الأمريكيون وكما عبروا عن ذلك؟ وهل هذه الخطوة ستقدم وتؤخر في مسار القضية العراقية؟

ــ هناك فرق بين ما يريده الأمريكان وبين ما يطمح إليه الأخضر الإبراهيمي. الأخضر الإبراهيمي مبعوث للأمين العام ومكلف بمهمة معينة، ونحن يجب أن لا نحكم عليه كرجل قومي عربي جزائري.. إلخ، هو ذاهب لأداء مهمة معينة وبتفويضات معينة. أنا من معرفتي للأخضر الإبراهيمي، فأستطيع القول إنه لن يتورط في موضوع تُقَدِّم فيه الأمم المتحدة تغطية للأمريكان في احتلال العراق.
 لا يمكن أن يوفر غطاء دوليّاً للمأزق الأمريكي؟
ــ هو لن يقوم بذلك، يمكن أن تفعل ذلك الأمم المتحدة أو غيره، لكني لا أعتقد أنه يمكن أن يقوم بهذا الدور، وينهي حياته السياسية بهذا الموقف. وكما فعلت أمريكا مع (مجلس الحكم) تريد أن تفعل مع الحكومة المؤقتة ومجلس الرئاسة: تريدهما أداةً لخدمة مصالحها. تَصَوَّر أن الأمريكيين وقبل أن يعرفوا من هي الحكومة المؤقتة وقبل أن يعرفوا نتيجة الانتخابات والحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات يقولون إن الحكومة القادمة سيعقدون معها اتفاق دفاع بموجبه يكون لهم قواعد في العراق!
كيف لهم أن يعرفوا أن الحكومة القادمة في العراق ستعطيهم هذه القواعد؟ للعراق تاريخ طويل في مقاومة القواعد العسكرية، وهناك كثيرون ماتوا وضحوا في سبيل ذلك، وهذا تمّ قبل ثورة 1958. في 1958 حتي معاهدة دفاع بغداد تم إلغاؤها. إن العراق لا يمكن أن يقبل بقواعد عسكرية، ما هو الغرض من هذه القواعد العسكرية؟ يجب أن تقنع العراق ما هو الغرض من القواعد العسكرية.
أنا أعتقد أنه إذا كانت الأمم المتحدة تريد أن ينجح الإبراهيمي في مهمته، فيجب أن يكون مجلس الرئاسة من أشخاص ثلاثة غير حزبيين ورئيس الوزراء والوزراء من التكنوقراط وغير تابعين لأحد، وليسوا تحت السيطرة الأمريكية.
 هذه هي الفكرة التي يستند إليها الإبراهيمي.
ــ إضافة إلي ذلك، أنا لا أعرف موقف الأمم المتحدة من مسألة غير قابلة للجدل هي أنه، لا يمكن أن تتم انتخابات حرة تحت الاحتلال الأمريكي، وبالتالي الانتخابات المقدر لها أن تتم في كانون الثاني (يناير) 2005 ويُحَضَّر لها من الآن، يجب أن يسبقها صدور قرارٍ من مجلس الأمن يُحدِّد تاريخاً لجلاء القوات الأمريكية وغير الأمريكية من العراق في موعد لا يتجاوز 31 كانون الأول (ديسمبر) القادم.
 ومن سيحفظ الأمن يا دكتور، من سيحفظ الأمن في العراق؟
ــ وهل الأمن موجود الآن في العراق؟

حرب أهلية
 علي الأقل لم تنشب حرب أهلية.

ــ هذا ما عملوا له طويلاً، دائماً كنت تسمع من المسؤولين الأمريكيين، ومن الإعلام الأمريكي، ما معناه أنه إذا خرجنا ستنشب هناك حرب أهلية. لا يا أخي، لن تَحْدُثَ حرب أهلية علي الرغم من كل محاولاتهم. هم يحاولون أن يهندسوا انشقاقات بين الشيعة والسنة، ثم داخل كل واحدة منهما. لكن تاريخ العراق لم يشهد مثل هذا الانشقاق والصدام بين أهله طيلة تاريخه، ويجب عدم إسقاط حالة الانقسام الطائفي والمذهبي التي كانت في لبنان علي العراق. في العراق الوضع مختلف، الشيعة معظمهم ــ في ما عدا قلّة صغيرة من أصول إيرانية ــ قبائل عربية تشيعت قبل 200 إلي 300 سنة. قسم منها هاجر من شمال العراق إلي جنوبه والحوزة العلمية ساعدتهم، تَشَيَّعَ الشيخ ومن ثم تبعتْه القبيلة كلها فتشيعت، ولا تزال حتي الآن قبائل مثل شمر: في الشمال سنة وفي الجنوب شيعة، الجبور في الشمال سنة وفي الجنوب شيعة. كما أن العرب السنة في العراق لا يستطيعون أن يزايدوا علي العرب الشيعة في العروبة ولا في القومية العربية. العرب الشيعة كانوا قيادات رئيسية في ثورة 1920، وكل الأحزاب القومية التي تشكلت كانت مزيجاً من الشيعة والسنة، (حزب الاستقلال) رئيسُه كان الشيخ محمد مهدي كبه (شيعي) ونائب الرئيس كان محمد صديق شنشل (سني).. وكذلك الأحزاب الأخري. لم يكن في العراق حزب طائفي يقوم علي أساس طائفة واحدة. ونحن رضعنا القومية علي أساتذة قسم منهم كانوا شيعة. لا يستطيع أحد أن يزايد علي الشيعة في العروبة. أما ما يقال إن الظلم كان أكثر علي الشيعة وعلي الأكراد ممَّا كان علي السنة.. إلخ، فإنه يعود إلي أنه في الوضع الذي كان موجوداً، كل واحد ينظر من زاويته إلي أنه مظلوم. لكن إذا كان هناك شيء يذكر للنظام السابق في هذا الموضوع، فهو أنه مارس (عدالةً في الظلم).
 ظلم كل الناس ولكن بالسوية.
ــ المعيار لم يكن طائفيّاً في الظلم، كان سياسيّاً يرتبط بمدي خطر الشخص أو المجموعة علي أمن النظام أو علي شخص رئيس النظام حسبما يقدره النظام. أنا غير متخوف من أي شيء من هذا النوع، وكانت هناك تجارب بالنسبة إلي الفلّوجة والنجف.
 الآن الجيش ما زال في طور التكوين وسنأتي علي ذكره، لكن حتي الآن لم يتجاوز عدد القوات المسلحة العراقية، المُجَهَّزة بأسلحة خفيفة، والتي لم تخضع لدورات تدريبية، ولم تحمل بعد عقيدة قتالية، الحَدَّ الذي يسمح لها بأن تضبط الأمن، خاصة أن هناك ستة ملايين قطعة سلاح إذا لم يكن أكثر لدي العراقيين، والميليشيات ما زالت تتمتع بسلاحها، فكيف يترك الأمريكيون؟
ــ لو كان الأمريكيون جادين فعلاً في الخروج من العراق قبل نهاية السنة، ومهتمين بالأمن، فلماذا حلّوا الجيش؟ ألَمْ يَحُلُّوا الجيش والأجهزة الأمنية الأخري لكي يبرروا بقاءهم لفترة أطول؟ إنهم لم يسقطوا نظاماً فقط، بل قضوا علي الدولة. ثم ما معني أن تترك بغداد وغيرها ما بعد سقوطها يومين للنهب والسلب؟ كان يمكن أن يعلنوا منع تجول يحول دون هذا كله مثلاً. الجيش العراقي كان عدده حوالي 500 ألف، وكان بإمكانهم ــ والآن بإمكانهم ــ أن يفرضوا علي أي ضابط أو جندي كانت له علاقة بحزب البعث ويريد أن يستمر في علاقته مع حزب البعث مغادرة الجيش، والذي ينهي علاقته بحزب البعث ولن تكون له علاقة حزبية مستقبلية يمكن أن يستفاد منه في الجيش. بعبارة أخري أن يكون في العراق جيش غير حزبي وغير سياسي يخضع للقيادة السياسية.
 هذه النظرة غير متفق عليها في الداخل العراقي، لأن هناك الكثير من الناس متخوفون من عودة الضباط أو العسكريين، لأن هذا يشكل خطراً علي الأمن، هكذا قالوا في تصريحاتهم.
ــ أولاً، الجيش العراقي ــ وبخاصة الجنود ــ هو جيش إجباري وليس جيش متطوعين، وبالتالي يضم جميع فئات الشعب، وكان هو البوتقة التي تصنع الاندماج الاجتماعي بين كل الطوائف. فمن أين ستأتي بالجيش؟ هذا هو الجيش. إذا كان هناك أفراد شاركوا في جرائم يستبعدون ويحالون علي المحاكمة حينما تقوم حكومة شرعية منتخبة. علي أن باب المحاكمات إذا انفتح، لا ينبغي أن يدخله هؤلاء فقط، بل كل من ارتكب جريمة سياسية منذ العام 1958 حتي الآن.
 إشارة إلي أن حصيلة الاستفتاء من قبل المكالمات التي وردت جاءت النسبة 60 قالوا نعم للاستعانة بالبعثيين السابقين لإحلال الأمن في العراق و40 قالوا لا لهذه الاستعانة. دكتور كنا نتحدث عن موضوع نقل السيادة إلي العراقيين. كولن باول قال بوضوح إن علي الحكومة المقبلة أن تقبل أن تكون السيادة منقوصة لأن القوات المسلحة لا بد أن يترك لها حرية العمل وحرية التحرك، وبالتالي هم لا يفرضون هذا الأمر علي الحكومة المقبلة إنما بالتفاهم معها، وحتي الرئيس شيراك حذر من أن أي قرار سيصدر من مجلس الأمن يجب أن يكون واضحاً في تحديد الدور الذي سيوكل إلي الأمم المتحدة، وهو حذر أيضاً من أن تكون عملية تسليم السلطة عملية صورية ورمزية، وأن يبقي كل شيء في يد الأمريكان، كيف تنظر أنت إلي هذه الصورة؟
ــ مجلس الأمن وفرنسا وروسيا وألمانيا أرادوا فعلاً أن يخرجوا العراق من هذه الأزمة. وإذا أرادت أمريكا أن تخرج من هذا المستنقع وأمامها الانتخابات، أعتقد أنه ليس أمامها إلا أن تسلم الموضوع إلي الأمم المتحدة، والأمم المتحدة تتولي إنشاء الحكومة الجديدة، وأن يحدد قرار مجلس الأمن موعداً لانسحاب القوات الأمريكية من العراق. لا يمكن أن تكون الانتخابات حقيقية وحرة تحت الاحتلال.

خروج قوات التحالف
 أنت في رأيك يجب أن تكون هناك جدولة زمنية لخروج القوات؟

ــ وقبل نهاية السنة الحالية.
 ربما تجد الأمم المتحدة استحالة في عملية الاستغناء عن القوات الأمريكية.
ــ خلال هذه الفترة، الستة أشهر، الأمم المتحدة والحكومة الجديدة تشرف علي إعادة تكوين الجيش العراقي، وفق أسس سليمة، أمامها ستة أشهر والجيش العراقي موجود وحتي لا تزال بعض أسلحته مُخَبَّأَة. وضباطه موجودون كما تبيَّن في الفلّوجة، والذين نودي عليهم للدخول إلي الفلّوجة أنهوا المشكلة في المدينة سريعاً، فيما لم يستطع الأمريكيون بكل قوتهم أن يدخلوها.
 لماذا لجأوا إلي هذا الخيار؟ ألا تعتقد أن في هذا رسالة يريدون أن يوجهوها إلي الشيعة؟
ــ هذا ما قلته في البداية من أن الأمريكان براغماتيون. عندما كان الخيار أن يدخلوا الفلّوجة عسكرياً ويحتلوها ويقدموا عشرات ومئات القتلي من الأمريكان، الأمر الذي سيؤثر علي بوش في الانتخابات، فضلوا الخيار الثاني أي الاستعانة بفوج من الجيش العراقي السابق، لأنه سيوفّر عليهم كثيراً.
 كيف سيوفقون إذاً في معالجة مشكلة مقتدي الصدر وخاصة أن هناك مدينتين مقدستين عند الشيعة، وقد حذرت المراجع من أن الدخول إلي هاتين المدينتين خط أحمر وقد يترتب عليه تداعيات خطيرة؟
ــ كنت أتمني أن ينسق السيد مقتدي الصدر بشكل أكبر مع المرجعية في النجف، أي مع الحوزة العلمية في النجف. الآن لا أستطيع أن أتصور أن الحوزة ستبقي ساكتة أمام هذه الضحايا. قبل يومين هناك 61 قتيلاً واليوم مساء في آخر الأخبار قيل إن هناك 41 من القتلي. أنا أعتقد أن المسألة قد تحل علي غرار الحل في الفلّوجة. أمّا إذا استطاعوا القاء القبض علي مقتدي الصدر فلا أعتقد أن المقاومة ستتوقف، لكنها ستأخذ أشكالاً أخري: عمليات منفردة في بغداد وغيرها مثلاً. لا تَنْسَ أن لدي مقتدي الصدر في مدينة الثورة (الآن تسمي مدينة الصدر) قاعدة شعبية من حوالي مليونين، ولسبب أو لآخر هم وراءه. وهناك مناطق أخري في بغداد مثل مدينة الحرية ومدينة الشعلة كذلك لديه مؤيدون فيها، وبالتالي ساحته ليس فقط النجف وكربلاء. ثم هناك عمليات في العمارة والديوانية وغيرهما. أعتقد أن المرجعية قد تخسر بعض بريقها إذا تركت مقتدي الصدر لمصيره.
 كنا نتكلم عن أن المسألة الأمنية تتقدم ما عداها من حيث الأولوية. يعني من دون أمن لا ديمقراطية ولا إعمار ولا يمكن القيام بأي شيء. وبما أن القوات العراقية التي يعمل الأمريكيون علي تشكيلها لا يوجد لديها معنويات، وغير راغبة في الاصطدام بأبناء شعبها، وشاهدنا كيف أنهم رفضوا أن يطلقوا النار علي أبناء الفلوجة. لذلك ربما حاولوا الخروج من هذا المأزق بالاستعانة بضباط الجيش السابق.
ــ مخططهم الأولي بعد أن حلوا الجيش أن يؤسسوا جيشاً خلال ثلاث سنوات من أربعين ألف جندي. الوقائع أجبرتهم علي التغيير، أمس أو اليوم وزير الدفاع قال خلال ثلاث سنوات سيصل العدد إلي 150 ألفاً. هل يمكن للعراق أن يكون عنده 40 ألفاً في الوقت الذي تمتلك فيه إيران نصف مليون، وفي الكويت أكثر من 40 ألفاً!
 يجب أن يأخذوا في عين الاعتبار دول الجوار.
ــ هم كانوا يعملون هذا علي أساس أنهم باقون في العراق.
 ربما بدأوا يشعرون أن بقاءَهم قد لا يطول. ولكن بانتظار هذه الفترة، تقول إنه خلال ستة أشهر يجب أن ينسحبوا، وهذا أمر فيه استحالة، حتي أن الفرنسيين والألمان وحتي الدول العربية التي تريد إنهاء الاحتلال الأمريكي لا يتصورون أن يكون خروج القوات الأمريكية بسرعة. ربما حسب ما ذكرت قد يلجأ مجلس الأمن إلي إصدار قرار يعترف بشرعية الحكومة المقبلة، ومن ثم يمكن أن يطلب تشكيل قوة متعددة الجنسيات، هنا بإمكان العرب أن يضغطوا وبإمكان الأوروبيين أن يضغطوا أيضاً من أجل تشكيل قوة تأتي تحت علم الأمم المتحدة وبإمرة الأمم المتحدة وقد تكون الولايات المتحدة الأمريكية مساهمة فيها.
ــ هذا حل ممكن، ولكن في الوقت نفسه الحكومة المؤقتة تعيد تشكيل الجيش العراقي، والقوة المتعددة الجنسيات كلما دَخَلَ قسمٌ منها ينسحب الأمريكيون تِبَاعاً.

صلاحيات الحكومة
 يقال إن هذه الحكومة دكتور حسيب لن تكون لديها صلاحيات. فهذه مرحلة انتقالية من سبعة أشهر، وكل ما هو مطلوب من هذه الحكومة أن تسيِّر الأمور اليومية للناس، لا يحق لها أن تعقد اتفاقات أمنية تعطي للأمريكيين حق إقامة قواعد، مثل هذه الأمور مُنَاطٌ بحكومات شرعية منتخبة وفق الأصول الدستورية.

ــ هذا يعتمد علي مجلس الأمن والأمم المتحدة: هل ستكون غطاء شرعيّاً للاحتلال الأمريكي، أو تريد أن تساهم في تحرير العراق؟ إذا أرادت تحرير العراق وتخليصه من الاحتلال، فالقرار بيدها هي بالاتفاق مع أمريكا إذا وافقت. وإلا هذه الحكومة المؤقتة إذا عينت وبَقيت قوات الاحتلال، فإن المقاومة لن تتوقف، وبالتالي يستحيل إجراء انتخابات بوجود عمليات مقاومة.
 ما هي معلوماتك دكتور عن هذه المقاومة، هل هي مقاومة عشوائية، هل هي مقاومة منظمة، هل لها خيوط مرتبطة بالخارج، ومن ثم كم نوعاً من المقاومات داخل العراق؟
ــ منذ أن سقطت بغداد حتي الآن، هناك تقارير مختلفة ومتضاربة حول المقاومة. هناك من يقول إن النظام السابق كان مُهَيِئاً للمقاومة قبل سنة من سقوط بغداد، وحتي في تقارير سكوت ريتر يتحدث أنه في عام 1996 قام بزيارة أماكن في ضواحي بغداد للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل، حيث رأي مواقع يصنعون فيها متفجرات يدوية، وذهب إلي مكان آخر، فَوَجَدَ مدرسة للتدريب علي استعمال المتفجرات لتفجير الدبابات وقدَّم تقريراً بذلك. حتي في الفلوجة لديَّ تقارير أمريكية تقول إن الأمريكيين كانوا يعتقدون في البداية أن أكثرية الناس الموجودة في الفلوجة قادمة من الخارج، وبعد أن انتهت العملية يقولون إن عدد القادمين من الخارج هو 1 في المائة وأن البقية عراقيون. هل هناك تنسيق أم لا؟ التقارير الأمريكية تقول إن هناك تنسيقاً بين من يقومون بالمقاومة في المناطق المختلفة، بغداد، والفلوجة، والرمادي، والموصل، وكركوك وغيرها.
 يعني لا بد أن يكون هناك غرفة عمليات سرية هي التي تقوم بضبط المسألة.
ــ هناك قدر من التنسيق بشكل يضمن عدم كشفهم. من الصعب تقديم معلومات دقيقة جدّاً وشاملة، لكن هناك بيانات تصدر باسم القيادة العامة للمقاومة الوطنية، تشير إلي أن هناك تنسيقاً بين قواها.
 ما علاقة هذه المقاومة بالمقاومات الأخري التي لا يمكن لأحد أن يطلق عليها اسم مقاومة، بل هي عمليات إرهابية.. هذه التي تطال يومياً العراقيين المدنيين: تفجير السيارات، قتل رجال الشرطة العراقيين وهؤلاء مدفوعون للحفاظ علي بلدهم، فما ذنبهم إذا كانت قوات الاحتلال موجودة؟
ــ جميع هذه الأعمال، التفجيرات التي تصيب مدنيين، شرطة عراقيين، أناساً أبرياء، هذه مدانة، وليست للمقاومة، ولا يمكن اعتبارها مقاومة.
 
القاعدة مثلاً، أسامة بن لادن وجماعته.
ــ حتي الآن لم يثبت في التحقيقات التي قام بها الأمريكان للمقاتلين الذين ألقوا القبض عليهم، وحسب المصادر الأمريكية نفسها، أن أحداً منهم من القاعدة. بعد اغتيال محمد باقر الحكيم، لماذا لم ينشروا نتائج التحقيق؟ من قام بالعملية وبالعمليات الأخري التي استهدفت مقر الأمم المتحدة؟ لماذا لم ينشروا نتائج التحقيق؟
 والسفارات؟
ــ هذه العمليات مدانة وغير صحيحة، وهي قد تكون هادفة تشويهَ صورة المقاومة.
 
ولكن كيف يمكن الخلاص منها دكتور؟
ــ لقد توقف كثير من العمليات التي تستهدف المدنيين والفنادق في الفترة الأخيرة.
 ا
لمقاومة الحقيقية، المقاومة الوطنية ألا تستطيع أن تضبط هذه الحالات الشاذة، والنتوءات التي تظهر حولها؟
ــ أصبح معروفاً أن هناك عملاء من الموساد في العراق ساهموا في تدريب الأمريكان علي هذه الوسائل، وما يجري في العراق يكاد يكون صورة طبق الأصل لما يحدث في فلسطين المحتلة.
 ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه دول الجوار بالنسبة إلي مستقبل العراق وبالنسبة إلي إعادة الأمن والاستقرار فيه؟
ــ أنا لا أعتقد، بناء علي المعلومات التي ذكرتها لك، أن دول الجوار تريد للعراق أن يتحرر وللأمريكان أن يخرجوا، لأن هذا سيؤدي إلي تغييرات أساسية في دول الجوار كلها.
 
وإذا خرج الأمريكان؟
ــ إذا خرج الأمريكان والعراق منتصر وديمقراطي، فإن هذا سيحدث زلزالاً عربيّاً. أكثر الدول المجاورة تريد العراق لا حيّاً ولا ميتاً للأسف الشديد.

الحصص والغنائم
 ألا تتوقع أن تحدث فتن داخلية دكتور خاصة عندما سيبدأ توزيع الحصص والمغانم؟ هناك طوائف تشعر أنها غبنت طويلاً لا بد أن تأخذ حقها، وهناك طوائف كانت تنعم بخيرات ثم أتي هذا الزلزال لينقص بعض هذه الحصص؟ والأكراد أيضاً تراودهم أحلام، وربما وجدوا أن الفرصة ملائمة. يعني تداخل كل هذه الطموحات والرؤي مع بعضها، ألا يمكن أن ينجم عنه صراعات؟

ــ في ما يتعلق بالخوف من خلافات الحصص إلخ، أولاً لن تقوم حكومة حقيقية إلا في كانون الثاني (يناير) 2005 بعد إجراء الانتخابات واختيار الحكومة، هذا إذا جَلاَ الاحتلال عن العراق.
 من سيضع قانون الانتخاب؟
ــ قانون الانتخاب تضعه الحكومة المؤقتة، وعلي أساسه تجري الانتخابات. لكن الدستور يضعه المجلس المنتخب الشرعي. أنا أؤكد لك أن العراق لا يحتاج إلي أية مساعدات خارجية لإعادة بناء البلد وتطويره، خلال هذه السنة قوات الاحتلال صدَّرت نفطاً قيمته أكثر من 8 مليار دولار. وخلاف ما يقال من أن العراق حتي يستعيد إنتاج النفط بمعدلاته السابقة يحتاج إلي 18 ملياراً، ففي تقرير أمريكي أخير أعده خبير أمريكي علي معرفة واسعة بنفط العراق ونشر كملخص في مجلة
MEES وَرَدَ أنه حتي يعود العراق لإنتاج الكمية نفسها التي كان ينتجها قبل احتلال العراق (5.3 مليون برميل يومياً تقريباً) يحتاج إلي مليار دولار فقط. وهذا يمكن أن يأخذه كقرض من بنك الرافدين أو من أي مكان في الخارج، كما ذكر أن كل زيادة في طاقة الإنتاج بمليون برميل يومياً يحتاج فقط إلي مليار ومائتي مليون دولار. العراق بعد حرب 1991، وخلال ستة أشهر أعاد الكهرباء والماء والهاتف وتصليح الجسور وكل شيء. اليوم، وبعد سنة، فإن خطوط الهاتف غير معادة كلها، والكهرباء ثلاث ساعات توزَّع وثلاث ساعات تنقطع... وهكذا بقية الخدمات.
 ألا تعتقد أن المعرقل هو الوضع الأمني الذي لا يسمح؟
ــ هناك الوضع الأمني، والفساد، والروتين، وهناك قضايا كثيرة.
 العمال والمهنيون الذين جاءوا لإصلاح الكهرباء ومصافي النفط تعرضوا لعمليات اغتيال من جنسيات مختلفة.
ــ صحيح هناك قسم تعرَّض لذلك، ولكنه لم تحدد الجهة التي وراء ذلك.
 في إطار المخاوف التي ترد في ذهن المواطن العربي أن الدستور المؤقت نَصَّ علي اعتماد الفيدرالية التي يعتبرها البعض صفة مقنعة للوصول إلي دولة اتحادية في العراق. هل هناك خوف علي وحدة العراق خاصة أن هذه الفيدرالية لم تحدد، هل هي فيدرالية طائفية، فيدرالية إدارية، فيدرالية مناطقية عرقية، ما طبيعة هذه الفيدرالية؟
ــ يوجد في الدستور العراقي منذ 1924 وحتي سقوط بغداد مادة تقول إن العراق جزء من الأمة العربية. هذه المادة أسقطت في هذا الدستور المؤقت (قانون الحكم المؤقت) وأشير بدلاً من ذلك إلي أن هناك قوميتين عربية وكردية والشعب العربي في العراق جزء من الأمة العربية وليس العراق كله!
95 في المائة من الشعب العراقي مسلمون، و80 في المائة عرب، ونسبة الأكراد في العراق وخلافاً لما يقولون من أنها 20 أو 25 في المائة هي ــ حسب إحصاء 1957 ــ 4.16 في المائة، وهم يريدون الاعتماد علي إحصاء 1957. حتي في كركوك، مدينة كركوك نفسها الأكثرية فيها ليست أكراداً بل تركمان وعرب. وحتي في لواء كركوك كله الأكثرية ليست كردية. فهناك جهل وغوغائية. ثم أية فيدرالية يريد الأكراد؟ فليتفقوا بينهم في البداية.
 كيف يتوافق الأكثرية بمجلس الحكم علي أن يكون الشعب العربي في العراق جزءاً من الأمة العربية، وهناك طعن في عروبة العراق؟ هناك ممثلون داخل مجلس الحكم لهم تاريخهم النضالي ووجودهم علي الأرض ولهم حيثياتهم، وما كان من المفترض أن يقبلوا بتمرير هذا الأمر.
ــ في العشرينيات، بدأ الإنكليز في تطبيق العملية نفسها: في كل وزارة مستشار، والمستشار هو الوزير الحقيقي، والأمر نفسه الآن في ما يسمي بالوزارات العراقية والمستشار هو المقرر النهائي وليس الوزير. وقد أوحت هذه الظاهرة لشاعر عراقي في حينه بقصيدة يَرِدُ فيها البيت الشعري التالي:
                                                      المستشار هو الذي شرب الطِّلا     فعلامَ يا هذا الوزير تعربدُ

تعذيب الأسري
 ما زال لدينا بعض المواضيع، موضوع تعذيب الأسري والسجناء العراقيين الذي قوبِلَ بموجة استنكار عالمية واسعة وحتي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، الضجة ما زالت قائمة ولم تهدأ بعد وهناك مطالبات باستقالة وزير الدفاع رامسفيلد وتحميله مسؤولية ما حصل، لأنه كان أمامه تقرير منذ خمسة أشهر ووضعه في الدرج ولم يُطْلِعْ عليه أحداً. وهناك رؤوس حسب ما تقول الصحافة الأمريكية يجب أن تطير مقابل هذه القنابل التي انفجرت في وجه بوش، وبخاصة أن الصحف الأمريكية تحمل رامسفيلد المسؤولية عن ذلك.

ــ التقرير الذي كشف هذه الفضائح هو تقرير أعده الـ (
Major General) أنطونيو تاغوبا. هذا التقرير نشر بتاريخ 5/5 في 53 صفحة. التقرير تم إعداده في شهر شباط (فبراير)، وبدأ في كانون الثاني (يناير)، وقبله كان هناك تقرير آخر يشير إليه. المضمون لا يعترف فقط بالانتهاكات والتعذيب الذي حدث ويعدد الحالات، يذكر كذلك الحالات التي تقدم بها أشخاص عراقيون معتقلون قدموا شهادات ومعلومات حولها يعتقد التقرير أنها صحيحة. ثم يذكر أنواع هذه الأشياء التي قاموا بها: مجموعة الانتهاكات الصارخة داخل أبو غريب والتي ارتكبتْها عناصر الشرطة العسكرية الأمريكية ومن بينها تصوير معتقلين رجالاً ونساءً بالفيديو والكاميرا وهم عراة، وإرغام معتقلين ذكور علي ارتداء ألبسة نسائية داخلية، وتطويق رقاب ذكور معتقلين بجنزير كلب. والتقاط صور فوتوغرافية معهم، وإقدام عناصر من الشرطة العسكرية علي ممارسة الجنس مع إحدي المعتقلات، وهو انتهاك خطير لم تذكره وسائل الإعلام الأمريكية، ويتجاوز الانتهاكات التي يعدها تقرير المعتقلين الأحياء لتشمل موتاهم إذ خلص إلي أن جنوداً أمريكيين صوروا جثث المعتقلين العراقيين. كما أكد التقرير أن هؤلاء العناصر تلقوا مديحاً من رؤسائهم لإقدامهم علي هذه الأعمال، وذكروا أنهم حصلوا علي إشادة منهم. هناك 13 حالة من انتهاكات التعذيب يشير إليها التقرير، ويذكر بعدها حوالي 13 شخصاً من تسلسل القيادات مسؤولين عن الأعمال التي تمت ويوصي بعقوبات مختلفة عليهم.
 
ألا تعتقد أنه كان يجب أن تأخذ هذه القضية أبعاداً أكثر أهمية بالنسبة إلي العرب والعراقيين، أليست هذه تعتبر جرائم حرب؟
ــ هذه جرائم حرب. وكانت المعلومات متاحة أواخر السنة الماضية، وهذا التقرير هو تحقيق ثانٍ بناء علي تحقيق أولي.
 
هل يستطيع العراقيون أن يطالبوا الآن بمحاكمة دولية؟
ــ مَنْ مِنَ العراقيين يقوم بذلك؟ هل الذين في (مجلس الحكم)؟
 أنا قرأت أن أفراداً عراقيين متضررين يمكن أن يقدموا دعوةً إلي المحكمة الجنائية.
ــ هناك 12 شخصاً في لندن أقاموا دعوة. ولحسن الحظ أنه مهما قلنا عن الإدارة الأمريكية، هناك صحافة ووسائل إعلام عدد منها مستقل ومؤسسات مستقلة. بعد يومين (بعد 5/5 بيومين) يبدأ استجوابٌ في الكونغرس حول ما حدث، لجنة خاصة بالقوات المسلحة وظهرت كل الفضائح.
 يبدو أن هذه سياسة، كانت هذه هي القاعدة، وعدم التعذيب هو الشاذ.
ــ الواشنطن بوسط و نيويورك تايمز و لوس أنجيلوس تايمز تقول إن بوش أَنَّبَ رامسفيلد لأنه لم يخبره بما حدث. وهناك تقريران أحدهما نشره روبرت فيسك في الـ
Independent يوم (5/5). التقرير الأمريكي يقول إن هذه ليست غريبة علي المجتمع الأمريكي، بغض النظر عن بوش والتزامه بالدين.. إلخ، لكن المجتمع الأمريكي من أكثر مجتمعات العالم استهلاكاً للصور الخلاعية في الفيديو والانترنت، وهو أكثر بلد فيه شذوذ جنسي، والتقرير يذكر نوعية الوسط الذي قَدِمَ منه هؤلاء المتطوعون، والحياة التي تَعَوَّدوا عليها، ولذلك فإنه ليست غريبة عنهم هذه الأعمال.
روبرت فيسك في الـ
Independent يوم (5/5) يقول كذلك هذه (Lancashire Regiment
) التي قامت بهذه الأعمال، يتحدث عن تاريخها وعن أعمال مجيدة قامت بها في تاريخها وكذلك عن أعمال مشينة قامت بها من هذا النوع، وبالتالي هو لا يعتقد أن القضية هي فقط حالات استثنائية خاصة، طبعاً هذه وجهة نظر. هذا التقرير الذي نشر يوم أمس فيه استجواب وشهادات لحوالي 30 فرداً من السجناء. للأسف الشديد هناك تقرير بالواشنطن بوست وتقرير آخر يوم (5/5) في جريدة (الزمان) يشيران إلي أن بعض المحققين في سجن أبو غريب كانوا من الكويت.
 
لماذا يستعينون بهم؟
ــ لا أدري، ولقد شاركوا في عملية التعذيب، هذا ما يقال. وأنا أتمني أن توضح الحكومة الكويتية هذا الأمر، لأن استقرار هذا الكلام في ذهن العراقيين ستكون له نتائج وخيمة.
 لهذا، البعض يتساءل لماذا أحجمت الولايات المتحدة الأمريكية عن الدخول في المحكمة الجنائية الدولية، ألأنها لا تريد أن تعرض قواتها المسلحة للمساءَلة بجرائم الحرب؟
ــ روبرت فيسك يذكر يوم (6/5) في تقريره أنه كانت هناك سيارة فيها أشخاص، تم قصفها بالطائرة، فقتل اثنان والثالث كان مجروحاً علي الأرض، والهليوكوبتر فيها فيديو يصور مع الصوت كل التفاصيل من أول العملية إلي آخرها. فكان الطيار يسأل القيادة ماذا نعمل بهذا الجريح الذي يزحف، فقيل له إضربه هو والسيارة. وهذا ممنوع وفقاً لاتفاقية جنيف. هذه هي الديمقراطية الأمريكية.
 في موضوع العلم العراقي الذي أثار جدلاً واسعاً حول ألوانه ومغازي الأفكار التي فيه: البعض منتقد، البعض موافق، البعض يعتبر أنه لا يحمل أي قيم عراقية ولا حضارة عراقية. والبعض قال إنه يشبه العلم الاسرائيلي إلي آخر هذا الجدل. وهناك تظاهرات خرجت. ألا تعتقد أنه كان من الأسلم أن يكون موضوع رسم العلم العراقي بعناوينه ومضامينه من حكومة شرعية منتخبة تتحمل هي هذا الموضوع.
ــ هذا صحيح. لماذا الإسراع في هذا الأمر؟ وحتي إذا أرادوا أن يضعوا علماً، ومع أنهم مجلس غير شرعي، كان عليهم أن يعلنوا عن مسابقة، وأن يراعوا أن العلم العراقي، وأعلام عدد من الدول العربية، مأخوذ من علم الثورة العربية، وألوانه استمرت دون تغيير، والنظام السابق اكتفي بأن أضاف إليه كلمة الله أكبر. إن بلداً فيه 95 في المائة مسلمون، 80 في المائة عرب يجب أن يعكس عَلَمُهُ تاريخَه وميراثَه. وبالتالي لا العراق ولا العلم ملك لنظام معين.

حكومة منتخبة
 كنت تفضل إذاً أن يبقي العلم كما هو؟
ــ أن يبقي كما هو إلي حين أن تأتي حكومة جديدة منتخبة من مجلس منتخب.
 هل من الضروري تغيير العلم؟
ــ لا حاجة إلي تغيير العلم. ورئيــــــــس اللجنة الذي اختار العلم، والذي أعد أخوه العلم، يقول إننا لم نقم بإعلان الأمر، والإعلان الوحيد ظهر في جريـــــدة الاحتلال التي اسمها الصباح، كما طلبنا من أعضاء مجلس الحكم أن كل من يعرف فناناً يدعوه إلي المشـــاركة.
 لا أدري إذا كان لديك قدر من التفاؤل.. هل تكون نهاية حزيران (يونيو) المقبل بداية مرحلة جديدة لولادة عراق جديد ديمقراطي، أم ستكون مرحلة من الآلام أو المزيد من الآلام التي يعيشها العراق والشعب العراقي؟
ــ أنا من المقتنعين أن مصير العراق والأمة العربية ودول الجوار غير العربية، والنظام العالمي يتوقف علي ما يحدث في العراق، وأن هذه السنة ستكون حاسمة للعراق وللمنطقة والعالم. هذه السنة سنة انتخابية. ما لم يسقط بوش سنمر بمحنة طويلة وقد نرجع إلي نهاية الحرب العالمية الأولي. ونجاح بوش أو سقوطه يعتمد علي عاملين أساسيين، الأول ما يحدث في العراق والمقاومة بشكل أساسي: والتي ستجبره علي الانسحاب من العراق. والثاني ما يحدث داخل أمريكا نفسها، في أمريكا كان العامل الاقتصادي هو الذي يقرّر، أما الآن، فقد دخلت السياسة، وظهرت كتب مهمة مثل كتاب وزير الخزانة المستقيل أونيل وكتاب ريتشارد كلارك، في كتاب بوب وودورد
Plan of Attack كشف الكاتب أشياء كثيرة، والكتاب لم يصدر إلا منذ أسبوعين فقط، وسيحتاج إلي وقت حتي تأخذ المعطيات الواردة فيه دورها. والكتاب المهم كذلك لريتشارد كلارك بعنوان Against All Enemies الذي كان مسؤولاً عن حرب الإرهاب في الادارة الأمريكية الحالية وقد استقال احتجاجاً. وبوب وودورد لديه كتاب سابق اسمه Bush At War، وهناك كتاب سابق صدر أيضاً اسمه Weapons of Mass Deception، يبين كيف أن شركات العلاقات العامة استُخدمت في الحرب وما إلي ذلك من الفضائح.

بيروت - الزمان