احمد الحبوبي يسترجع ذاكرته الساخنة بمرارة الحدث

 

      حاوره : جليل نعمة العبادي

 

 

  احمد الحبوبي رجل وطني وقومي عاصر زمنا عراقيا وعربيا واسلاميا وعالميا حرجا له خصوصياته وتداعياته التي تشابكت وتعقدت فانتجت قيما وذاكرة ساخنة ، ولد في النجف الاشرف عام 1931م ، من بيت ادب ودين وعلم وثقافة ومن  عائلة عريقة بجهادها لها حضور في تاريخ العراق وحضارته ، انتمى الى الحركات القومية مبكرا بفكر مؤمن وانتماء صادق وجاهد من اجل تأسيس حكومة وطنية بوزراء قوميين تلبي التنمية الاقتصادية وتلم جراح الانتكاسة ، لم يغره المنصب ولم تستقطبه النزعات الفئوية ، في 12تموز عام1965 اصبح وزيرا للشؤون البلدية والقروية في حكومة طاهر يحيى بشروط اشطرطها واستقال بعد اربعين يوما ، وبعد النكسة عام 1967 اشترك في وزارة طاهر يحيى التي اطلق عليها وزارة حرب وبناء بصفة وزير العمل والشؤون الاجتماعية ، واستقال من الوزارة بعد قرابة ستة اشهر ، نال قسطه من الاعتقال عام 1958 بعد ثورة 14 تموز وشهد مرارة قصر النهاية بعد انقلاب 17 تموز 1968وعاصر الصراع الذي كان قائما بين عبدالكريم قاسم وعبد السلام عارف وحضر بعض جوانبه ، والتقيته دون موعد سابق وطلبت منه فجأة ان يفتح لي قلبه وصدره  في حوار يراجع فيه ذاكرته استجاب لي ضاحكا وهو يلملم الاوراق التي تناثرت على المنضدة وقال لي انني كتبت الكثير عن العصور التي عاصرتها ولو اطلعت على الموقع القومي لوجدت الكثير .

ابتداء سألته : كيف تعرفت على طاهر يحيى ؟ فاجابني على وجه السرعة : يجب ان تعرف باني سمعت باسم طاهر يحيى لاول مرة عندما كان مديرا للشرطة العامة بعد اقلاب 14 تموز عام 1958 ثم اختفت اخباره في خضم الصراع الذي احتدم بعد الثورة بين فصائل القوى القومية ولاحه رذاذ هذا الخصام فأحيل على التقاعد وابعد عن الجيش بعد ان تزاحمت القوى الوطنية كافة لتكوين انصار ومؤيدين ومحاربين من الضباط لاحداث الانقلاب المضاد عند اللزوم وغبت عن العراق عام 1959 ، محتضنا ارض الكنانة ، وفي عام 1963 وبعد انقلاب 8 شباط عدت الى ارض الوطن وكان طاهر يحيى رئيسا لاركان الجيش ، وقد رأيته عن قرب وصافحته عندما حضر مع كوكبة من رجال السياسة والجيش حفلة خطوبة ( عمار علوش) عضو مكتب التحقيق في حزب البعث العربي الاشتراكي وكنت انا من بين المدعويين ، وتجيء الصدفة ويجلس قريبا مني ، ولقد برز هذا الرجل كواحد من اعضاء القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي التي انتـُخِبـَتْ في اجتماع عاصف في مؤتمر حزبي منقسم على نفسه بين اليمين واليسار ، وفي رأيي ان هذا الانقسام سهل على عبدالسلام عارف وحردان التكريتي وطاهر يحيى والفصيل القومي القيام بانقلاب 18تشرين الثاني عام 1963 وصعود التيار القومي واستلام السلطة تحت رئاسة عبدالسلام عارف ، وبعد ان سكت قليلا وقال: ان انخراط طاهر يحيى في صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي كانخراط عبدالسلام عارف فيه لم يكن بدافع الايمان المطلق بعقيدة وشعارات هذا الحزب ، بقدر مااراد كل منهما ومن خلال تعاونهما مع هذا الحزب الوصول الى اسقاط حكم عبدالكريم قاسم ولهذا تجد ان كل من طاهر يحيى وعبدالسلام عارف سرعان مانزعا قميص البعث وتنكرا منه ، واعلنا ايمانهما بقومية عربية وبوحدة عربية تختلف عما كان يطرحه ويفهمه حزب البعث العربي الاشتراكي ، بل ذهبا الى ابعد من ذلك وتنكرا لاي تحزب في الجيش ، وأأكد ان طاهر يحيى كان يؤمن بالقومية العربية وبالوحدة العربية مع انه لا ينتمي الى أي حزب او حركة او تنظيم وهذا نفس الاتجاه الذي اتجهه عبدالسلام عارف ولقد كان طاهر يحيى قريبا الى قلب وفكر عبدالسلام عارف لتشابه مسيرتهما العسكرية والسياسية ، ونجح طاهر يحيى في كسب ثقة عبدالسلام عارف بعد رفقة طويلة قطعها معا في تنظيم الضباط الاحرار واطمئن كل منهما بالاخر ، ثم استدرك وقال : لا اخفي عليك ان طاهر يحيى نجح في النهوض باعباء المسؤولية الملقاة على عاتقه كرئيس للوزراء ، وبذكائه وفطنته واستعان بالخبرة المطلوبة واحاط نفسه بخبراء يستشيرهم في كثير من الامور التي تتطلب رأيا او مشورة ، وكان سريع التعلم والاستيعاب ، وقد خرجت بهذا الانطباع بعد اشتراكي كوزير لمرتين في حكومة يترأسها .

ثم قلت له : لقد اشرتم انكم اشتركتم لمرتين في حكومة كان فيها طاهر يحيى رئيسا للوزراء ثم قدمتم استقالتكم بعد فترة وجيزة فكيف صار ذلك ؟ وما هي اهم نشاطاتكم وانتم تتقلدون منصب وزير لمرتين ؟ ، فأجابني وهو يحاول ترتيب رباط عنقه :  في مساء العاشر او الحادي عشر من تموز عام 1965 على مااتذكر اتصل بي هاتفيا المرحوم عبدالله مجيد سكرتير الرئيس عبدالسلام عارف مبديا رغبة الاخير في مواجهته في القصر الجمهوري بالسرعة المستطاعة وعند مقابلتي عبدالسلام عارف كشف عن نيته اجراء تعديل وزاري ويرغب في اشتراكي في وزارة يرأسها طاهر يحيى بصفة وزير للشؤون البدوية والقروية ، غير انني طرحت امام انظاره شروطا لاشتراكي في هذه الوزارة لاسيما ان قضية اشتركي في الوزارة سبق ان نوقشت معه ومع الحزب الذي انتمي اليه في عام 1964 بعد قيام تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي على امل ان تتشكل وزارة قومية الاتجاه ، ومع الاسف ان هذا لم يحصل في وقتها، وعلى كل حال قبل عبدالسلام عارف كل شروطي الشخصية والحزبية لدخولي الوزارة ، وطلب مني مقابلة طاهر يحيى صباحا حيث ينتظرنني في المجلس الوطني ، وفي الساعى العاشرة من صباح ذلك اليوم واجهت طاهر يحيى الذي ترك مكتبه وجلس على كرسي قبالتي وقال لي بالحرف الواحد ( انت لا تعرفنني استاذ .. ولكن انا اعرفك جيدا ، وان لم التق بك فانا اعرف ماضيك ومواقفك ، والرئيس عبدالسلام عارف حكى لي عنك وهو يحبك ويشرفني ان تشاركنني المسؤولية ) ، وباشرت بعد اداء اليمين مهام وزارة الشؤون البلدية والقروية في 12 تموز عام 1965 ، وقال وهو يتفحص صورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر علقت في جدار مكتب زيدان النعيمي امين عام التيار العربي والحزب القومي الناصري الموحد في العراق :ـ وفي اجتماع مجلس الوزراء الذي عقد في العشرين من تموز عام 1965 والذي ترأسه طاهر يحيى اخرج الآخير ورقة من جيبه وقرأ علينا مامعناه ان السيد رئيس الجمهورية عبدالسلام محمد عارف يرغب ان يسافر وفد وزاري الى الجمهورية العربية المتحدة لغرض التهنئة بذكرى ثورة 23 يوليو .. وان الوفد يتكون من طاهر يحيى / رئيس الوزراء ، وناجي طالب / وزير الخارجية ، واحمد الحبوبي / وزير الشؤون البلدية والقروية ، وعبدالرحمن محمد عارف / رئيس اركان الجيش ، وفي القاهرة استقبل وفد العراق بحفاوة بالغة ونزل ضيفا في قصر الطاهرة وحضر جميع الفعاليات والاحتفالات التي اقيمت في القاهرة في ذكرى 23 يوليو ، واستقبلنا الرئيس جمال عبدالناصر في بيته عصرا وكان حريصا ان يسمع من الوفد العراقي مايطمئنه عن الوضع في العراق وما يمر به من ازمات جراء استقالة ستة من الوزراء اعتبرهم الاعلام الغربي من القوميين على اثر خلاف بين عبدالسلام عارف وعبدالكريم فرحان الذي كان يشغل منصب وزير الثقافة والاعلام ، وبعد ان انهى عبدالناصر حديثه اجابه طاهر يحيى :  ( اننا نحمل تحيات حارة من اخيك عبدالسلام عارف ، وكان بوده ان يحضر بنفسه لتقديم التهنئة بهذه المناسبة لولا المشاغل الكثيرة ) ثم راح طاهر يحيى يقلل من حجم الازمة الذي ضخمها الاعلام الغربي لاسباب كانت معروفة قائلا : ( ان الامر لا يعدوا عن خلاف بسيط بوجهات النظر بين الاخوة وانا اطمئن سيادتكم ان العراق بخير وستحل كل المشاكل بروح اخوية ، فرد عليه عبدالناصر قائلا : ( انا ارحب بمجيء الاخ عبدالسلام عارف الى القاهرة ليقضي بعض الوقت معنا وتهدأ اعصابه ويستريح من ضغط العمل ) ثم اضاف : لم يطل مكوثي في وزارة طاهر يحيى فقدمت استقالتي الى عبدالسلام عارف رئيس الجمهورية وقبلها بعد مماطلات وبعد ذلك خرجت من الوزارة بعد مضي اربعين يوما وعدت الى ممارية مهنة المحاماة ، وبعد ذلك اقيل طاهر يحيى من منصبه ليحل محله عارف عبدالرزاق .

ثم سكت قليلا وكأنه يحاول البحث في الذاكرة وقال لي : وبعد نكسة حزيران عام 1967 قبلت المسؤولية كوزير للعمل والشؤون الاجتماعية وكان عندها عبدالرحمن عارف رئيسا للجمهورية وطاهر يحيى رئيسا للوزراء ولقد سميت الوزارة ( وزارة حرب وبناء ) في سبيل تكريس العمل من اجل المجهود الحربي وقبلنا التنازل عن جزء من رواتبنا اسهاما في هذا المجهود ، بعد ان اطلق عبدالناصر شعار ( ماأخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة ) ( ولابد من محو اثار العدوان ) مؤكدا اصراره على مواصلة القتال ، وللحقيقة نقول ان وزارة طاهر يحيى وضعت خطة طموحة للنهوض بالعراق وحشد طاقاته من اجل التنمية وان تسير باتجاه المجهود الذاتي ، واتذكر ان الوزارة وضعت خطة على حمل الاخوة العرب وخاصة الخليجيين على استثمار اموالهم في مشاريع صناعية وزراعية في العراق ، ومن اجل ذلك سافر وفد برئاسة طاهر يحيى ضم كل من عبدالكريم فرحان ( وزير الزراعة )وخليل ابراهيم حسين ( وزير الصناعة ) والدكتور مالك دوهان الحسن ( وزير الارشاد) وانا بصفتي ( وزير العمل والشؤون الاجتماعية) الى الكويت ومعه خطة مدروسة من اجل اسهام الكويتيين الرسميين وغير الرسميين في مشاريع زراعية وصناعية تنفذ في العراق ، واعددت دراسة من اجل اشتغال الايدي العاملة بين البلدين ـ العراق والكويت ـ وتحسين احوال العمالة العراقية الموجودة في الكويت التي كان يبلغ عددها عشرات الالوف ، وعقدت جلسات رسمية وشعبية بين الوفد العراقي والكويتيين الذين رحبوا بالوفد العراقي وابدوا رغبتهم الاكيدة في التعاون والتنفيذ بعد الدراسة ، ثم استقاليت من الوزارة بعد عودتي من الكويت وبعد ان اساءت الامور ولم يكن باستطاعتي تحمل المسؤولية عن اخطاء وخطايا ترتكب ، وبمرور الايام تيقنت كما تيقن زملاء اخرون من اننا غير قادرين على تنفيذ ماجئنا من اجل تنفيذه من مشاريع وكأن قوة خفية تحرك الامور وتشدنا ال الخلف وتعيق تقدمنا فهناك عقبات كثيرة امام الحكومة للحؤول دون تنفيذ مخططها التنموي او العمل الجدي من اجل المجهود الحربي ، وكانت احدى المشاكل الرئيسة هي القضية الكردية والحقوق المشروعة الاخرى للاخوة الاكراد وبرز تيار قوي في الجيش والحكومة يدفع باتجاه التشدد ويدعو الى مواصلة القتال الامر الذي يستنزف طاقات الجيش والبلد ولا اخفي عليك فان هناك مصالحا غير مشروعة وراء تجدد القتال مع الاخو ة الاكراد ، فقد راجت تجارة التهريب من ايران ويتولاها ضباط من الجيش العراقي يهربون السجاد السكائر وغيرها وتتردد اسماء كبيرة من الضباط متورطة في عملية التهريب ، ولقد اوليت انا وعبدالهادي الراوي وزير الشباب هذا الامر اهمية كبرى وجمعنا ادلة وبراهين ومستندات ضد ضابط كبير يخدم في الشمال وذهبت انا والراوي الى مكتب طاهر يحيى وعرضنا عليه ماعندنا من ادلة ومستمسكات وادانه ضد الضابط الكبير الذي يتولى قيادة الجيش في كردستان وتجاوب معنا طاهر يحيى لكنه صدم من هذه المعلومات ونحن جلوس رن تلفون طاهر يحيى ورفع السماعة وما ان عرف المتحدث صاح بصوت عال : ( اهلا اهلا بالبطل ) وراح يثني على هذا البطل المغوار ويعدد انتصاراته الباهرة في الشمال والمفاجئة ان هذا البطل الذي تحدث مع طاهر يحيى هو نفس الشخصي الذي جئنا نكشف اوراقه امام طاهر يحيى من اجل ان يضع حدا لتجارته الواسعة في التهريب وما ان وضع طاهر يحيى السماعة حتى التفت نحونا واذا بنا نحن الثلاثة وبوقت واحد ننطلق بضحكة عفوية مدوية ثم قال لنا وهو يداري موقفه المخجل .. ( يااخوان شسوي .. موبيدي .. ارجوكم قدروا موقفي ) فقمت والاخ الراوي فلم نعلق فالموقف الذي رأيناه لا يحتاج الى تعليق وطاهر يحيى اعترف صراحة انه غير قادر على اجراء التطهير المطلوب مما زادنا قناعة بضرورة الاستقالة وعدم تحمل المسؤولية وخرجت من الوزارة في الشهر الاول من سنة 1968 بعد ان امضيت فيها قرابة ستة اشهر . وبعد استراحة قصيرة قلت له:ـ في لقاء حواري اجراه معكم رافع الفلاحي على شاشة قناة الرافدين الفضائية قبل فترة تحدثم فيه عن معاناة ومشاهدات لهدر للكرامات واعدامات وازهاق الارواح في قصر النهاية وخلال فترة اعتقالكم تحت مبرر الانقلاب العسكري غير ان العديد انتقدوا حواركم هذا وادعوا انه فيه مغالاة وتضليل اعلامي ، فتغيرت ملامحه قليلا في محاولة لاخفاء غضبه ، ثم قال لي : انني شاهد عيان على الجرائم التي حدثت في قصر النهاية  وانتهاكات حقوق الانسان ، والعراقيون على اختلاق مذاهبهم ودياناتهم وعقائدهم ومللهم يعرفون حقيقة ماكان يجري في قصر النهاية ، وهناك مجاميع من الرجال الذين دخلوا قصر النهاية ومنهم من اعدم ومنهم من عذب ولم ينل شرف الشهادة ولا يزال حيا يرزق ، وفي محاولة لتهدئة هذا الرجل قلت له انك رجل طيب والذي كتبته هو للتاريخ وارجوا ان تعرفني عن مصدر قصر النهاية ، فأجابني وهو يحاول ان يفتح ازرار سترته : ان اصل قصر النهاية هو قصر الرحاب الذي كان يسكنه الامير عبدالاله الوصي على عرش العراق وقد سمي بقصر النهاية لانه شهد نهاية العهد الملكي في 14 تموز عام 1958  حيث قتل فيه الملك فيصل الثاني وخاله عبد الاله وجدته الملكة نفيسة وبعض الاميرات واستعمل كمعتقل بعد المؤامرة ضد عبدالكريم قاسم في 8شباط عام 1963 وجرت فيه تحقيقات وتعذيب واغتيال ، واستعمل لفترة زمنية مقرا لمديرية السياحة العامة ، غير انه وبعد انقلاب البعث في 17 تموز عام 1968 تحول الى معتقل ضم العديد من المعتقلين ومن كل الجهات بعد ان بنيت فيه زنزانات كثيرة من اشهرها الزنزانة التي نزل فيها عبدالرحمن البزاز/ رئيس الوزراء السابق وطاهر يحيى / رئيس وزراء سابق واللواء الركن عبدالعزيز العقيلي / وزير دفاع سابق وفؤاد الركابي / امين سر قيادة قطرية في العراق وغيرهم كثيرون ، وذاع صيت هذا القصر واكتسب شهرته لما كان يجري فيه من شتى انواع التعذيب الجسدي والنفسي باجهزة فنية متقدمة تم استيرادها من المانيا (الشرقية ) لهذا الغرض ، وكان يتولى مسألة التعذيب جهاز متخصص مدرب جيدا على وسائل التعذيب الحديثة . ثم سألته اصدرت كتابا يروي جانبا من قصص التعذيب والقتل والاهانة وانتهاك حقوق الانسان في قصر النهاية اسميته ليلة الهرير فماذا تعني بليلة الهرير؟ فأجاب:  ليلة الهدير هي تلك الليلة السوداء التي وقعت احداثها قبل 1400 سنة بين جيش معاوية بن ابي سفيان وجيش الامام علي بن ابي طالب عليه السلام في معركة صفين ، ولوجود دلالات مشتركة بين اوضاع تلك الليلة واوضاع قصر النهاية اطلقت هذه التسمية على هذا الكتاب، ثم طلبت منه ان يوجز للقاريء الكريم وباختصار اسباب اعتقاله واقتياده الى قصر النهاية فاتكأ على كرسيه واجاب : وانا اقود سيارتي والساعة تقترب من الثانية ظهرا في طريقي الى مسكني فتحت راديو السيارة كعادتي لاستمع الى نشرة الاخبار واذا بصوت محمد سعيد الصحاف /مدير الاذاعة والتلفزيون/ وهو يحيي المستمعين وهو امر غير معتاد عليه ويأتي صوت الصحاف الجوهري في المذياع ليقول ( ايها المواطنون ان مؤامرة خسيسة قد دبرتها الامبريالية الامريكية والرجعية ( الايرانية ) مع الرجعية المحلية للاطاحة بالثورة ومكتسباتها لتعيد العراق الى حظيرة الاستعمار الامريكي ونفوذه ومخططاته ) ثم يعلن الصحاف بعد ذلك عن تشكيل محكمة خاصة برئاسة طه الجزراوي وعضوية كل من ناظم كزار وعلي رضا ، واعلن الصحاف بع ذلك عن اسماء اول وجبة من الخونة والمتآمرين على حد تعبيره قد ادينت من قبل هذه المحكمة ونفذ فيها حكم الاعدام وفيها اسم كل من رشيد عبدالمحسن الجنابي وصالح مهدي السامرائي ولم اعرف اشخاص باقي الوجبة التي بلغ عددها بحدود سبعة او ثمانية اشخاص ، ثم اعلن عبر المذياع عن تنفيذ حكم الاعدام في وجبة جديدة وكان من ضمنها جابر حسن حداد فحزنت حزنا شديدا لانني ارتبط مع هذا الرجل بصداقة ورفقة ، ولقد جيء به محشورا مع اخرين لا تربطه بهم رابطة عقيدة او مبدأ او حتى معرفة شخصية اذ كيف يتسنى له التعاون مع عناصر متورطة في مؤامرة امريكيةــ ايرانية ، وهو الذي عرف عنه التمسك باسلامه وعروبته . وعندما ذهبت الى دار احد الرفاق لاستطلع الموقف وبعد وقت وجيز جاءت مجموعة من الامن الحكومي فاقتادوني الى قصر النهاية حيث وجدت انتهاكات حقوق الانسان والاعدامات غير المبررة ، واشد ماحز في نفسي هو اعدام الرائد الركن عبدالستار عبدالجبار العبودي الضابط القومي الوحدوي الذي لا تربطه أي علاقة بصالح السامرائي ورشيد الجنابي وسمعته يقول للمحققين قبل اعدامه : ( اني شاب قومي واشتركت بحركة عارف عبدالرزاق وبعد ثورة 17 تموز التقيت بالبكر بالقصر الجمهوري وليس بيننا شيء ثم نقلت الى كركوك وانا كنت هناك منذ عشرة ايام وجيء بي الى بغداد واودعت في سجن رقم 1 في معسكر الرشيد وقبل ساعات قليلة جيء بي الى هنا ولا اعلم السبب فاي مؤامرة انا مشترك بيهه ) . ثم اطلق سراحي بقدرة قادر ويبدو ان اعتقالي كان اعتقالا فوضويا هدفه تخويف القوميين ويبدو ان المحكمة كانت مشغولة عني كثيرا باخرين مخطط لاعدامهم مسبقا فحال بيني وبين الموت حاجز رباني .

وبعد هذا ودعته شاكرا له استطراده واستلهام ذاكرته الطيبة ووعدني بلقاء جديد عن ذاكرة عراقية اخرى .