استمرار العدوان علي الفلوجة.. خط احمر

 رسالة مفتوحة الي السفير الامريكي نغروبونتي
د. وميض نظمي



ليس من المألوف لمواطن او تيار سياسي عراقي، وبالنسبة للتيار القومي الوطني والعربي، وليس من المرغوب اصلا توجيه رسالة الي سفير دولة اجنبية وخاصة عندما يتعلق الامر بشؤون عراقية داخلية.


ولكننا ازاء تفاقم الاوضاع والقصف الجوي المستمر لمدينة الفلوجة واطلاق التهديدات المفتعلة باجتياح هذه المدينة العراقية سواء من مصادر امريكية او فرسان حكومة العراق (المؤقتة) وانسجاما مع قناعتنا الراسخة بانكم شخصيا ومن خلفكم حكومتكم الامريكية هم الحاكم الفعلي للعراق والآمر الناهي في شؤونه. وان الحكومة (المؤقتة) شأنها شأن مجلس الحكم السابق (الذي لم يحكم) هذه الحكومة المؤقتة لا تملك من امر البلاد شيئا سوي الحرص علي المظاهر الاستوزارية وما يتعلق بها من مصالح وامتيازات مشروعة او غير مشروعة.
واستنادا الي سلسلة من التصريحات الرسمية لحكومتكم ورموزها البشرية عن (اخطاء) كثيرة ومتعددة سقطت بها الادارة الامريكية منذ اول ايام الاحتلال ولحد يومنا هذا. ورغبة منا في تجنيب البلاد المزيد من المكاره ووضع حد للنزيف الدموي العراقي والذي بدأ يشمل شباب قواتكم المسلحة بشكل لم يكن في حسبانكم ولا في توقعاتكم. فقد رأينا من المناسب توجيه هذه الرسالة لسيادتكم لا حرصا علي دماء العراقيين وكراماتهم فحسب وانما حرصا منا ايضا علي تجنيبكم شخصيا وكذلك حكومتكم المزيد من (الاخطاء) التي ربما ـ هذه المرة ـ سيكون من العسير عليكم (تصحيحها) في المستقبل وربما ستشكل حاجزا دمويا ـ الي الابد ـ بينكم وبين شعب العراق.


1
ـ انكم واصدقاءكم في الحكومة المؤقتة تؤكدون وجود الزرقاوي في الفلوجة بناء علي (معلومات استخبارية دقيقة).نرجو ان تراجعوا معلوماتكم بهذا الشأن وخاصة اتضاح ان معلوماتكم الاستخبارية الدقيقة بشأن التسلح العراقي والعلاقة بالقاعدة ثبت بطلانها وزيفها وعدم (دقتها). وهذا ما اعتذر عنه رئيسك المباشر السيد باول امام مجلس الامن. علما بان تلك المعلومات (الدقيقة) كانت علي اعلي المستويات المخابراتية للدولتين.


2
ـ ان السيد رئيس الوزراء المؤقت وفرسانه الثلاثة وزير الدفاع والداخلية والامن القومي (المؤقتين) جميعا يطالبون اهل الفلوجة بتسليم ابو مصعب الزرقاوي لهم والا فان اجتياح الفلوجة سيكون حتميا.


اي منطق هذا يا سيادة السفير؟ واي لغة؟ واستنادا الي اي قانون الهي او وضعي محلي او دولي يبنون مطالعتهم (القانونية) هذه.
ان السؤال المباشر الذي يتبادر الي الذهن لماذا لم يقم هؤلاء السادة الي اعتقال او اغتيال الرئيس السابق للبلاد وتسليمه للامم المتحدة. وبدلا عن ذلك اطلقوا سيقانهم للريح وفروا من البلاد ليلجأوا الي حمايتكم وحماية الاجهزة الامنية الامريكية والبريطانية ولم يصمدوا في وطنهم لمقارعة الاستبداد. ولم يقدموا علي العودة الا خلف دباباتكم وطيرانكم ومشاة بحريتكم ولو تخليتم عنهم ساعة واحدة لاطلقوا سيقانهم للريح ثانية.
3
ـ اذا كان كل قصفكم الجوي المستمر طيلة شهرين والمستند الي (معلومات استخبارية دقيقة) لم يسفر عن قتل الزرقاوي ولا احد من زملائه (اين اختفت جثثهم؟) فلماذا يطالب اهل الفلوجة بانجاز ما عجزتم والحكومة المؤقتة وحرسها (الوطني) جدا عن انجازه؟!
واذا كانت حكومتكم وقواتكم المسلحة المتفوقة بما لا يقارن علي اهل الفلوجة قد عجزتم حتي الان عن اعتقال او اغتيال اسامة بن لادن فلماذا تضعون شروطا تعجيزية علي اهالي الفلوجة؟


4
ـ ربما يساوركم الظن بان عملية اجتياح الفلوجة ستكون (نزهة) امريكية تقدمونها هبة لدعم الرئيس بوش في الانتخابات الامريكية ولكن الامر سوف لن يخرج عن ثلاثة احتمالات نرجو التفكير فيها مليا:


أ ـ تدخلون الفلوجة عبر نهر من دمائنا ودمائكم ولا تعثرون في نهاية المطاف لا علي الزرقاوي ولا احد من رفاقه.


هل تتصورون الآثار المدمرة لسمعة الولايات المتحدة الامريكية عند تحقق هذا الاحتمال وآثار ذلك علي سمعتكم شخصيا وما يبقي من (سمعة) الحكومة المؤقتة.


ب ـ ان تصميم المقاومة الوطنية في الفلوجة ـ وانتم اعلم مني بقدراتها وشجاعتها ـ علي القتال حتي النهاية. هل تستطيع ـ سيادة السفير ـ ان تتخيل حجم المآسي البشرية والدمار الشامل الذي سيصيب مدينة عراقية وعربية واسلامية وآثار ذلك علي سمعة الولايات المتحدة الامريكية المتدنية اصلا عراقيا وعربيا واسلاميا بل واوروبيا وحتي امريكيا!


وهل بوسعك ان تتخيل حجم الخسائر الهائلة التي ستلحقها مقاومة مدربة ومصممة علي القتال بجنودكم وشبابكم ومعداتكم وآثار ذلك علي سمعتكم الشخصية ومكانة حكومتكم داخل امريكا ذاتها.


ج ـ هناك احتمال ثالث وهو شائع في كل كتب وتجارب حروب الغوار وانتم ادري مني بذلك بحكم تجربتكم في امريكا اللاتينية وهو ان تقاتل المقاومة قتالا تراجعيا ثم تنسحب من المدينة عملا باحد اهم مباديء حرب الغوار.


الانسحاب في مواجهة عدو متفوق عدديا وبالقوة النارية ثم الهجوم ثانية عند تقسيم القوات واختيار مكان الهجوم في مناطق نائية او معزولة بكلمة اخري ان كل (مغامرتكم العسكرية) ستكون هباء منثورا ولسوف لن تصيب من المقاومة اصبعا او جرحا!
وبعد كل هذه الاحتمالات، افلا تسمح لنا بالاشارة لكم الي طريق اخر يجنبكم وايانا كل هذه المآسي والخسائر والتضحيات: اعلنوا رفع الحصار عن مدينة الفلوجة وكل مدن العراق. تعالوا الي كلمة سواء مع اهالي هذه المدن عبر صيغ توفيقية وقوات محلية تصون كرامة العراقيين وترفع عنهم وطأة الاحتلال وتنجي جنودكم من الموت والاصابة والاسر. وافقوا علي انتخابات، ولا تنحازوا لقلة من الناس لا يملكون من امرهم شيئا ويعتمدون عليكم كليا وبالمقابل لا يقدمون لكم غير الخراب والدمار. اعلنوا عن جدول زمني لانسحاب كامل لقواتكم (كي يعودوا لاوطانهم واحيائهم واطفالهم) واخيرا وليس من موقع التهديد او الوعيد ولكن من موقع النصح والتحذير ان اقتحام اي مدينة عراقية بقوة السلاح وارهاب المدافع وزئير الطائرات سيكون ـ علي الاغلب ـ اعلان حرب جديدة علي شعب العراق. سيكون شعاركم فيها انها حرب ابادة علي العراقيين ولن يضلل احد مهما استخدمتم تعابير الارهابيين والزرقاوي وايتام صدام (ومرتزقة) الصدر و تعصب علماء الدين و الانحراف الذين لا يفهمون روح العصر!
عندما يكون من حق العراقيين يا سيادة السفير ان يكون جوابهم ارادوها حرب ابادة. فلتكن ـ اذن ـ فلتكن حرب ابادة.
وبذلك تخربون سمعة دولتكم ومصداقيتها وانتخابكم و(انتخاباتنا) المزعومة. وبدلا من تصحيح الاخطاء التي ارتكبتها ادارتكم فلسوف تسجلون علي انفسكم اخطاء اقسي واشد ضررا ومعمدة بدمائنا ودمائكم وتقطعون علي انفسكم سبل المراجعة الضرورية لمجمل سياساتكم وخاصة بعد انتخاباتكم وتحفرون خندقا مليئا بالدماء بين اهل العراق وبين حكومتكم قد يستحيل معه اي حوار او اي حلول مجدية. انها مجرد نصيحة بوسعكم الاخذ بها او رفضها اما نحن فقد اعددنا للامر عدته. وما عاد هناك شيء يخيفنا وسلام علي من اتبع الهدي.