شبح عزة الدوري يهز حكومة اياد علاوي!
هارون محمد
علي مدي نهار كامل من يوم الاحد الماضي، عاشت حكومة اياد علاوي المؤقتة في سعادة
غمرتها، وتباري وزيران من وزرائها (وائل عبداللطيف وزير المحافظات وقاسم داوود وزير
الدولة) في إظهار عضلاتها المضمورة، والسبب في هذه الاحتفالية المفتعلة، ان شرطة
الحكومة وحرسها اعتقلا نائب الرئيس السابق عزة الدوري في عيادة طبية بتكريت ـ هكذا
قالوا ـ وفاخر الوزير الاول وهو لمن لا يعرفه، اشتغل رئيس محكمة في عهد صدام لعشرين
سنة حتي تم عزلة عام 1999، لأسباب غير سياسية، بان معركة ضارية جرت مع انصار الدوري
استمرت ساعتين حسمتها قوات الحكومة، وكانت نتيجتها اعتقال عزة وقتل سبعين من
مرافقيه وأسر ثمانين، ولم يشر الي الجرحي والمصابين منهم، لان الفرحة كما يبدو
أنسته عددهم.
واستغل الوزير قاسم داوود وهو في الكويت التي يتردد عليها باستمرار كمحطة مرور
واستراحة عند ذهابه الي الامارات وعودته منها، متفقدا شركته التجارية فيها ومراجعة
حساباتها وتوزيع ارباحها مع شركائه وابرزهم رئيس حكومته الموقرة، الفرصة ليزف
(البشري) الي مضيفيه الكويتيين باعتقال الدوري، ولم ينس الوزير داوود، دغدغة
عواطفهم، والإعلان بان ملف محاكمة صدام حسين استكمل بالقاء القبض علي نائبه،
والتلويح بان محاكمة الاثنين ستجري في الربيع المقبل.
والمثير في ضجة اعتقال الدوري انها لم تستمر غير ساعات، ولم تدم فرحة وزراء حكومة
علاوي طويلاً، فلم يكن المعتقل غير مواطن شاءت الظروف ان يكون اسمه مطابقاً لاسم
نائب الرئيس السابق مع اختلاف في اللقب ويقيم مع اسرته في قرية (البو مجاشع) بين
تكريت والدور، وهيئته الجسدية قريبة الشبه بهيئة الدوري في القامة والشكل، جاء ينشد
طبيباً في تكريت لمرض ألم به، وقبض عليه افراد من وحدات الشرطة والحرس الوطني التي
كانت في المنطقة تعتقل ابناءها وتداهم البيوت فيها، ولان هذه الوحدات من خارج
المنطقة واغلب ضباطها وجنودها من قوات الـ(بيش ميركه) الكردية التابعة لحزبي
طالباني وبازراني، ولا يعرفون المنطقة جيداً، فقد خيل لهم ان المقبوض عليه هو عزة
الدوري لا غيره، لانه يحمل الاسم نفسه ويشبهه، وهكذا انطلقت الفضيحة، وعلي ذكر
التشابه في الاسماء والاشكال، يتداول اهالي الموصل نكتة في مجالسهم ومقاهيهم
مفادها، ان شرطياً كردياً جيء به من دهوك ليعمل في الموصل، وله المام بسيط في قراءة
العربية، ضبط سائق سيارة اجرة مخالفا يحمل اجازة قيادة مرخصة باسم (صدام كامل محمد)
وتوقف الشرطي الكردي وهو يردد مع نفسه ان هذا الاسم مر عليه وسمع به كثيراً، وبعد
برهة من التفكير والسائق يتوسل به ويناشده اعادة اجازته واطلاق سراحه، انقض عليه
الشرطي الكردي وهو يصرخ فيه مخ مالي اشتغل هسه ـ ضبطتك ـ انت جوز بنت صدام.. قابل
ما اعرفك !
واغمي علي السائق الموصلي من شدة الصدمة، ولولا تجمهر المواطنين وحضور ضابط شرطة من
اهل المدينة، افهم (الشرطي الكاكه) بان صدام كامل قد قتل قبل ثمانية اعوام وشبع
موتا.. لكان مصير السائق المسكين في خبر كان.
والغريب في موضوع القاء القبض علي عزة الدوري تلك المبالغة بدوره وتضخيم شخصيته
والمغالاة في عظم واهمية المهمات التي اوكلت اليه، رغم ان الاوساط السياسية
والشعبية والحزبية في العراق، تعرف جيدا ان الدوري مجرد موظف حكومي يحمل عنوان
(نائب رئيس) شكليا، وبعثي يتولي صوريا، مرتبة نائب امين سر القيادة القطرية للحزب،
لانه وهذا ليس دفاعاً عنه او ذماً له، من النوع الذي (لا يهش ولا يبش)، كما يقول
المثل الشعبي العراقي، ومن تابع سيرته لا بد ويلحظ ان الرجل وصل الي ما وصل اليه
ليس بالكفاءة أو الموهبة، وانما لانه حرص منذ انضمامه الي حزب البعث عضوا بسيطاً في
عام 1958 وهو ابن ستة عشر عاماً، ان يبقي بعيدا بعيدا عن معمعات العمل الحزبي
والسياسي وصراعاته، وعندما حدث انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 البعثي، لم يكن هم عزة
الدوري غير شغل وظيفة بمرتب، بعد ان ترك الدراسة في اعدادية الاعظمية وهو في صفها
الخامس المنتهي، فعين في قوات الحرس القومي ونسب للعمل في مقر حي الفضل تحت قيادة
محمد فاضل ابو الكبة الذي اعدم عام 1973 بتهمة التآمر، وعقب تقويض سلطة حزب البعث
بقيادة الرئيس الراحل عبد السلام عارف في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، عاد
الدوري الي قريته (الدور) عاطلاً واشتغل مع اسرته الفلاحية في الزراعة هناك، ويبدو
ان صدام تذكره عندما بدأ بتجميع البعثيين والعمل لاعادة الروح الحزب، وكان قد التقي
به في مناسبات سابقة واعجبه فيه ـ كما قال في حديث له في آب (اغسطس) 1979 ونقله
تلفزيون بغداد في حينه ـ ان الرفيق عزة.. منضبط وملتزم لا يشاكس ولا يعاند، فأعاده
الي بغداد وأسكنه في بيت حزبي في حي السلام الشعبي (الطوبجي) وخصص له مصروفا شهريا
من الحزب لتأمين احتياجاته الضرورية، ولان عزة انسان كادح وبسيط في نشأته، فقد عمد
الي تحويل احدي غرف الدار الامامية المستأجرة الي محل لبيع الثلج في الصيف، للتمويه
وابعاد أنظار أفراد الامن عن مسؤولياته الحزبية، ومن هنا جاءت تسميته بـ(ابو الثلج)
من قبل خصومه.
ولانه كان يتجنب المظاهر والفخفخة، فقد حسبه الكثير من المراقبين السياسيين علي
جناح الرئيس الاسبق احمد حسن البكر عقب انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 لاهتمامات تجمع
بين الاثنين، وخصوصاً في قضايا الدين والزراعة وتربية الاغنام والابقار، والهروب من
الاضواء اضافة الي صفة البخل المشتركة بينهما.
ولان الجمهور العراقي ومن ضمنه اعضاء حزب البعث، كان يعرف ويطلع علي حالات ومواقف
عزة الدوري أمام صدام، والتي تتسم بالجزع منه وتأييده علي طول، فقد نسج حكايات
كثيرة عنه كانت تتداول في مناسبات واحايين علنا، وسط ضحكات وحضور قيادات بعثية،
وكان أرشد ياسين مرافق صدام اكثر المسؤولين، تشنيعاً في نكاته علي نائب الرئيس، وهو
بالمناسبة زوج احدي اخوات صدام غير الشقيقات، ومن الحكايات التي كان يرويها، ان
صدام حسين عرج علي مكتب عزة الدوري في المجلس الوطني دون اشعار او مقدمات، وهب
الدوري لاستقباله واحتضانه، كما هي عادته، غير ان صدام أزاحه من أمامه وتطلع بحنق
الي صورة لنائبه بحجم (فولسكاب) معلقة في زاوية المكتب، فصاح به: ها رفيق عزة..
لماذا تخالف التعليمات وتضع صورتك الي جانب صورتي؟
فرد عليه الدوري باسترحام.. لا والله سيدي.. انا لا اقصد، هؤلاء الملاعين في دائرة
النفوس طلبوا مني صورة لهوية الاحوال الشخصية اريد الحصول عليها، فلم اجد غير هذه
الصورة أحضرها لهم!
ومن اشهر النكات التي نقلت عن عزة الدوري، ان صدام عندما اعلن انتسابه الي الامام
علي بن ابي طالب، استدعي نائبه وقال له ان هذا الانتساب يبقي ناقصاً ما دمت خارج
الائمة الاثني عشر عليهـــم السلام، فكر في طريقة اكون بموجبها من ضمنهم، ولك مهلة
ثلاثة ايـــام، وفي اليوم الاخير جاء الدوري واستقبله صدام متلهفاً سائلاً اياه: هل
وجدت حلاً؟
فرد عزة وهو يرتجف: نعم هو حل واحد يا سيدي وانا غير مسؤول.. فما دامت قائداً عاماً
للقوات المسلحة في العراق، لابد وتصدر قراراً تسرح بموجبه أحد الائمة، وذكر اسمه
ويحمل لقبا عسكريا من الخدمة، وتحل مكانه!
وصحيح ان عزة الدوري كان جزءا من النظام السابق وعاصر رئيسه أكثر من ثلاثة عقود،
ولكن الصحيح ايضاً أنه لم يكن يتدخل في القضايا الامنية ولم يسجل عليه انه مارس
قتلاً او انتهك حرمة، وعندما صار وزيراً للداخلية عام 1977 اقترح هو لا غيره، ان
ترتبط مديرية الامن العامة التابعة لوزارته بمكتب النائب صدام حسين حتي يكون بعيداً
عن قضاياها وتجاوزاتها، ومعروف عنه انه يتجنب كل ما يغضب ما يسميها (قيادة الحزب
والثورة) رغم انه عضو فيها ويفترض فيه ان يكون صاحب رأي وقرار، حتي المسائل الشخصية
والعائلية الخاصه به لا يقدم عليها الا بعد استئذان وموافقة صدام، ففي عام 1984
اهدي اليه ولي العهد السعودي الامير عبدالله بن عبدالعزيز، مجموعــــة من النوق
البيض التي يحبها ولكنه لم يدخلها الي مزرعته في بلدته (الدور) الا بعد أن حصل علي
موافقة من صدام، وكان يردد فـــي مجالسه دائماً عبارة (الحكومة أعرف) وعندما ذهبت
اليه زوجة عضو القيادة القطرية ووزير التربية المرحوم محمد محجوب الدوري وهو صاحب
فضل شخصي وحزبي علي نائب الرئيس تناشده ليتدخل وينقذ زوجها، مسؤوله السابق وصديقه
ورفيقه وابن بلدياته، من حبل المشنقة بعد اتهامه بالاشتراك في (المؤامرة القطرية)
منتصف العام 1979، رفض مقابلتها واوصل اليها كلاماً خشناً، وفي مناسبة اخري ذهب
اليه خضر الدوري وعبدالرحمن الدوري وهما من اقاربه، وكانا قد طردا من عضوية القيادة
القطرية عام 1994 ليوضحا له براءتهما من تهمة التلكؤ في اداء مسؤولياتهما الحزبية
التي نسبت اليهما، طردهما من منزله وتوعدهما بالويل والثبور وعظائم الامور اذا جاءا
اليه مرة اخري.
عزة الدوري.. ظل في المواقع القيادية والمناصب العالية لاكثر من ثلاثين سنة، ولكنه
لم يترك أثراً او بصمة طوال هذه السنوات، وصدق الظرفاء من العراقيين عندما اطلقوا
عليه لقب (لا يضر ولا ينفع) وهذه هي الحقيقة، سواء اعتقل او قتل او ظل حيا.