الانقلاب العراقي المفاجئ ضد ايران
هارون محمد


بمعزل عن تصريحات وزير الدفاع المؤقت في بغداد حازم الشعلان، التي هدد فيها بنقل الموت الي شوارع طهران، رداً علي تدخلات ايران السافرة في الشؤون العراقية، فان ما تقوم به الدولة الجارة، ومنذ سقوط النظام السابق من اعمال تخريبية، واستقطابات طائفية، وتحريضية تقسيميه في العراق، يندرح تحت باب التعاون مع امريكا، بعد ان وجدت في الاحتلال الامريكي لهذا البلد العربي الاصيل، وحالة الفوضي والانفلاتات في كل ميدان، فرصة لا تعوض للتنفيس عن احقادها التاريخية وتصدير ما يسمي بثورتها التي اخفقت في تنفيذ اهدافها في موطنها الاصلي، وتعويض هزائمها وخساراتها التي تكبدتها في حرب الثماني سنوات، التي تتحمل هي لا غيرها، مسؤولية استمرارها لستة اعوام متصلة اعتباراً من تموز (يوليو) 1982 لغاية الثامن من آب (اغسطس) 1988، بسبب رفضها جميع المبادرات العراقية والوساطات الدولية لوقف الحرب خلال هذه الفترة الطويلة، وكل ذلك موثق بالوقائع والتواريخ لدي الامم المتحدة والهيئات العربية والاقليمية والدولية.
وعندما يتهم الشعلان، ايران الدولة والحكومة والاجهزة بالضلوع في اعمال العنف والارهاب في العراق، فانه يقول نصف الحقيقة، ويتستر علي النصف الثاني وهو الاخطر، المتمثل في تعتيمه وعدم كشفه عن ممارسات ازلام ايران وعملائها وحلفائها في الساحة العراقية، وهؤلاء يقومون بادوار مزدوجة لتدمير العراق وتفتيت كيانه وتضييع مستقبله عبر تعاونهم المعلن مع المشروع الامريكي وانخراطهم في خدمة سلطات الاحتلال من جهة، وتآمرهم مع ايران، التي تمولهم وتقدم الدعم والاسناد لهم من جهة اخري، حتي وصل الامر برئيس احد التنظيمات السياسية المرتبطة بطهران، الي مطالبة العراق المحتل والجائع والمحروم من ثرواته وموارده، بتسديد مئة مليار دولار بالتمام والكمال الي ايران تعويضاً لما سماه بخسائرها في الحرب، بلا خجل او حياء، وهو الذي يطلق علي نفسه صفة (السيد) ويضع علي رأسه عمامة سوداء، وكأن العراق قد ملأ خزانته من ارباح تلك الحرب، وكأن ايران كانت ذلك الحمل الوديع الذي لم يقتل ولم يخرب ولم يرسل الجيوش والطائرات والصواريخ لضرب العراقيين الابرياء، وتدمير مدنهم ومصانعهم ومنشآتهم ومرافقهم، وبعد ذلك يطلع علينا واحد من الافاقين ليقول ان تصريحات هذا (المستعرق) رأي خاص ووجهة نظر شخصية، علماً بان هذا المحامي الايراني الممتاز، شريك في الحكم منذ إنشاء المجلس الانتقالي الملغي وحتي يومنا الراهن، وله نفوذ وميليشيات مسلحة ووزيران في الحكومة المؤقتة.
ويسكت وزير الدفاع الشعلان عن التسهيلات التي تقدمها اطراف كردية للاجهزة الاستخباراتية الايرانية علي صعيد فتح الحدود والاراضي العراقية في الشمال، لارسال عناصرها المخربة وتأمين المستلزمات لها في اداء مهامها التجسسية واشعال الفتن في المدن العراقية، والمعلومات تؤكد بان حزبي طالباني وبارزاني استوردا الالاف من الايرانيين واسكنوهم في كركوك بعد طرد العرب منها، والاستيلاء علي بيوتهم وممتلكاتهم في هذه المدينة التي لم تكن كردية او كردستانية في يوم من الايام، وواضح ان ايران الرسمية تشجع هذا النهج وتدعم الحزبين الكرديين في سياساتهما العرقية، لانها في المحصلة سيكون لها نفوذ في شمال العراق، وآخر في جنوبه بواسطة التنظيمات الشيعية الطائفية، وثمة نشاط ايراني ثالث في الوسط، خصوصاً في محافظات العمارة والكوت وكربلاء والنجف، كل ذلك يجري وقوات الاحتلال مصرة علي ان تبقي حدود العراق الشرقية مفتوحة ومشرعة الابواب للمتسللين والمتدفقين بلا انقطاع، وترفض اعادة قوات الحدود ونشرها في نقاطها ومخافرها السابقة وعددها 35 مركزاً، احتلت ايران عشرين منها لحد الان، ووضعت قواتها فيها والبقية تحتل تباعاً، وتصوروا ان منطقتي (زين القوس) وشقيقتها (سيف سعد) اللتين بذل العراقيون فيهما شلالات دم لاسترجاعهما الي السيادة الوطنية، تستحوذ عليهما القوات الايرانية من جديد، وتتخذ منهما قواعد عسكرية بعد طرد سكانهما العرب والاستيلاء علي بيوتهم ومزارعهم وممتلكاتهم.
وفي البصرة.. ثغر العراق والحاضرة العربية والاسلامية العريقة، تنشط الاجهزة الايرانية فيها وبشكل سافر، حيث تنتشر المنظمات الصورية تحت عناوين مراكز ابحاث ودراسات، وهيئات خيرية وانسانية، والسيارات والمركبات بارقامها المزورة تنتقل بين ايران والعراق عبر البصرة بلا رقيب او حسيب، تنقل المخدرات والسموم الي بلد كان قبل عام مضي، انظف الدول وامنعها علي هذه الافات الخطيرة، ولم تكتف ايران بذلك وانما بدات تصدر الي العراق كميات هائلة من السيوف التي يطلق عليها اسم (القامات) والسلاسل الحديد، لاستخدامها في المناسبات الدينية والمواكب الحسينية، مع العلم بان هذه المواد محظور استعمالها في ايران منذ نهاية السبعينات، بفتوي اصدرها ايه الله خميني في حينه، ولا تزال ممنوعة فيها، ولكن تصديرها الي العراق مشروع كما يبدو وفق السياسات الايرانية، وقد تم ضبط (300 الف قامة) صدرتها ايران الي العراق، قبل شهر محرم الماضي بفترة وجيزة، ولكنها دخلت ووجدت من يغطي عليها ويوزعها تحت انظار الضباط والعسكريين الامريكان، وصمت المسؤولين العراقيين الحاليين.
وعندما يتحدث وزير دفاع الحكومة المؤقتة عن الاختراقات الايرانية في العراق، ويقول انها وصلت حتي وزارته، فانه لا يكشف حجم ونوع هذه الاختراقات وادواتها، رغم انه يدرك جيداً ان المعايير التي قررتها قوات الاحتلال في اشغال الوزارات والمناصب القيادية تقوم علي الطائفية والعرقية، اللتين اتاحتا المجال واسعاً لعملاء ايران لان يحتلوا مواقع وزراء ووكلاء وزارات ومدراء عامين ورؤساء مؤسسات وسفراء وقادة في الجيش الجديد ووحدات الشرطة والامن، وبعض هؤلاء ولاؤهم مزدوج لامريكا وايران، وهذا ذروة الاختلال في طبيعة السلطة الحالية التي يرتبط العديد من مسؤوليها ليس بالعراق، الوطن والسيادة والمستقبل، وانما لجهات ودول اخري في مقدمها امريكا وايران، والا ما معني تحفظ مسؤول كبير يشغل منصباً سيادياً علي تصريحات الشعلان ويقول عنها (انها اذا كانت ضمن سياق استراتيجية الامن المعتمدة فيجب دراستها والبحث فيها) اي بمعني عدم الاشارة اليها او الحديث فيها، وهذا يعني ايضا ان الاستراتيجية التي يشير اليها، تقتصر علي دول الجوار العربي فقط، رغم ان المتسللين من هذه الدول، الي العراق لا يشكلون غير جزء ضئيل جداً من المتدفقين الايرانيين، وهذا مثبت في سجلات وزارتي الداخلية والدفاع ببغداد، واكثر من ذلك فان الحكومات العربية صارمة في التعامل مع مواطنيها الذين يحاولون التسلل او التوجه الي العراق، بل انها تتصدي لغير مواطنيها ايضاً، وهذا ما حصل مؤخراً عندما القت السلطات السورية القبض علي اربعة كويتيين وصفوا بانهم سلفيون، وسلمتهم الي الحكومة للاشتباه بنواياهم في الذهاب الي العراق.
ان الولايات المتحدة الامريكية عندما حلت الجيش العراقي وقوات الشرطة والحدود والامن الداخلي، عقب احتلالها العراق، كانت تعرف مسبقاً ان العراق سيصبح ساحة فلتان، وهي التي تعرف سلفاً ان ايران تنتظر هذه الفرصة منذ فترة طويلة وجاءتها علي طبق ماسي، ومما زاد المسألة تعقيداً ان الادارة الامريكية اعتمدت علي اتباع ايران ووظفتهم في خدمتها اعتقاداً منها بانهم من انصارها ومؤيديها، ما دام بعضهم قد قدم اليها وثائق عن اسلحة محظورة في العراق، تبين انها مزورة واشتغل بعض آخر، عميلاً مزدوجاً (رجل في واشنطن.. ورجل في طهران) فكانت النتيجة ان العراق وحدة كان الضحية، فالامريكان المحتلون يسرقون وينهبون نفطه ويضطهدون شعبه، والايرانيون يتدخلون ويخربون وينشرون امراضهم، وبات واضحا ان عملاء ايران في الاحزاب الطائفية والكردية، هم الذين فككوا (160) طائرة عراقية مقاتلة من طراز (ميغ 23 وسوخوي 29 وميراج1)كانت البقية الباقية من سلاح الطيران العراقي منذ حرب عاصفة الصحراء 1991، وكل طائرة كلفت الخزينة العراقية (300) مليون دولار، بيعت الي ايران كمحركات وادوات احتياطية، كما نقلت الي ايران دبابات من طراز تي 54 و 55 كانت في معسكرات الفيلقين الاول بكركوك والخامس في الموصل، استولت عليها الاحزاب الكردية عشية احتلال العراق في نيسان (ابريل) 2003، وهناك اكثر من 400 مصنع ومنشأة انتاجية تابعة لوزارتي الصناعة والتصنيع العسكري، والاخيرة الغيت كما هو معروف، لا وجود لها بعد ان جاءت طواقم من المهندسين والفنيين ونقلت الصالح منها الي ايران وباعت المتبقي كخردة في الاسواق المحلية والجوارية.
وعندما يصر الامريكان علي رفض عودة الجيش العراقي الي الخدمة، وانشاء جيش مهلهل جديد وفق سياسات طائفية وعرقية وادخال ضباط وعناصر من الميليشيات الحزبية الكردية والشيعية فيه، واغلب هؤلاء لهم صلات مع ايران عن طريق قادتهم واحزابهم، فان الخراب في العراق سيبقي، ويستمر الفلتان الامني في غياب القانون والمؤسسات الوطنية واولها الجيش العراقي الذي هو المؤسسة الوحيدة القادرة علي حفظ الامن والاستقرار في البلاد والدفاع عن الحدود والسيادة الوطنية. وآخر المعلومات الواردة من بغداد، ومن وزارة الدفاع تحديداً وهي التي يتولاها صاحب تصريحات الـ(نص نص) تفيد بان رئيس اركان الجيش اللواء عامر الهاشمي قد قدم استقالته احتجاجاً علي الطريقة التي يتم فيها انشاء جيش (شعلان العاكول) وهذه الوظيفة مخصصة للسنة العرب وفق التصنيفات الطائفية والعرقية المقررة، علي اساس ان منصب وزير الدفاع يتسلمه شيعي، والمفتش العام للوزارة يكون كردياً، والبحث جار عن ضابط سني يقبل بهذا المنصب، الذي ينطبق عليه المثل الشعبي العراقي (اسمه بالحصاد.. ومنجله مكسور)، وبعد كل هذا يريد منا الشعلان ان نصدق ان جيشه (المغوار) قادر علي نقل المعركة الي شوارع وبيوت طهران، ووقف تدخلات وتجاوزات ايران، ما دام الامريكان يتفرجون ويتواطؤون ويتآمرون علي العراق، ولا يسمحون لجيشه الحقيقي ان يمارس واجباته الوطنية والقومية حفاظاً علي وحدة العراق وشعبه وكيانه وحدوده وسيادته.