صبر الولايات المتحدة بدء ينفذ !!

حسين الربيعي

 

مقدمة : لسنا أصحاب عنوان المقال ، إنما هو نص لجزءٍ من حديث وزير الدفاع الأمريكي الذي لم يأتِ وفقاً لرغباته أو رغبات سيده ( جورج بوش ) ، إنما نتيجة ً لردود الفعل على السياسة الأمريكية والتي كان الأحتلال والتدخل في الشؤون الداخلية لشعوب العالم ، وتأييد قوى الأستبداد ، ومواجهتها قوى التحرر والأستقلال والحرية في مختلف بلدان العالم .

وأهم ما تواجهه الولايات المتحدة تضاعف أعداد خسائرها في العراق ، وأنقطاع بعض ( تدابيرها ) الأمنية .. وخصوصاً ما يتعلق بتغاضيها أو تواطئها مع شبكات الأرهاب التي تعبث بالوضع العراقي ، ولاشك أن التوجهات الجديدة للكثير من القوى المشاركة في العملية السياسية يمكن أن يحول المواجهة مع الولايات المتحدة لمواجهة أكثر سخونة . ولكننا نقرر قبل السد في المقال أن الخطر لايأتي من نفاذ صبر الأدارة الأمريكية ، بل من نفاذ صبر العراقيين ، ولعلي أذكر بالحكمة العراقية القديمة عن ملحمة أترا ـ حاسس من كتاب ملحمة كلكامش لطه باقر :

" يا نسكو إغلق بابك بالمزلاج

وهيىء سلاحك وقف أمامي

فأحكم " نسكو " غلق بابه بالمزلاج

وآخذ سلاحه ووقف أمام " أنليل "

وفتح " نسكو " غاه وقال لأنليل :

" ياسيدي أنهم أبناؤك

فعلام تخاف من أبناءك ؟

المقال :

إذا كانت العملية السياسية القادمة الينا بعد 9 / 4 / 2003 ، والمطبوخة سلفاً في مطابخ لندن وواشنطن قد أثبتت مرارتها وعدم ملائمتها أو مطابقتها مع المواصفات العراقية .. فلماذا الأصرار عليها ، وهنا يقول بعض المفكرين إن كل ما لايتوافق مع العرف والدين لايتوافق مع الشريعة الطبيعية ( فالشريعة الطبيعية لأي مجتمع هي العرف أو الدين " ثم يتابع البعض أن أية شريعة لاتأخذ بهذه النتيجة " باطلة " لأنها فاقدة لمصادرها الطبيعية .

وقد أنتجت العملية السياسية في العراق عدداً كبيراً من المطبات والأخطاء ، وكان نت أبرزها الدستور العراقي الذي وضع في عجلة من الأمر ، وبالقدر الذي كان فيه الدستور يحمل مجالات ممتازة تخص الحقوق المدنية للمواطنين ( التي لم يتسنى لهم التمتع بها ، إن لم نقل أن ما كان يتمتعون به أيام النظام الدكتاتوري ، كان أفضل مما يتمتعون به الأن ، أو بجملة أكثر واقعية فإن الحقوق المدنية للمواطنين أصبح التمتع بها أكثر سوءاٍ الأن ، وكأن العملية الدكتاتورية في العراق أستمرت خلال أربعين عاماً تحت عنوانين ، عنوان صدامي وآخر .. ديمقراطي أحتلالي !!

فالثغرات والأفخاخ التي أعدت في الدستور لغرض الأقلمة وتعزيز روح النفصال لدى البعض ، والدعوة للهويات المتعددة التي تتعارض مع الهوية الوطنية ، كان لها التأثير الأكبر مما عزز فرص الأستبداد من جديد ، أن كل البنود الكثيرة والمتعددة عن تلك الحقوق على الرفوف ، فالدستور وفقاً لكثير من الروءى السياسية التقدمية : ( هو ذلك الأطار الذي يضمنا ويجمع شملنا ويزيد من قوتنا وينظم حركتنا ) . وأن ذلك سوف يقود لعقد ٍ أجتماعي ، بل أن الدستور هو العقد الأجتماعي .

ومسألة الحقوق العامة في حقيقة آمرها كانت بأستمرار القناع الذي تختفي ورائه كل رغبات القوة والنفوذ وبسط العبودية على الناس ، كون هذه الحقوق تحتاج للأخذ بـ ( فكرة إرادة الأمة بمفهومها على أنها القانون الأعظم ) . ويعني ذلك إحترام كيان الأمة .. الأمة الواحدة .. الشعب الواحد ، ذات الهوية الواحدة ( فالأمة بغض النظر عن وحدة الدم هي في النهاية إنتماء ومصير ) وليس الطوائف أو شيوخها أو سياسييها ، أو المعدين كي يمثلوها أو يزورون تمثيلها ، وهذه الإرادة الواحدة الموحدة أن تقدم للبلاد دستور ، ولكن هذه الإرادة لم تولد أو أنها أجهضت جراء المحاصصة ، وجراء التدخل الجراحي غير الشرعي الذي أقدم عليه المحتلون ، لعزل القوى الوطنية المعبرة عن تلك الروح الأنفة الذكر . فإن هذه العملية الجراحية ، حققت نشاطاً للقوى الأخرى " الطامحة " للذاتية العشوائية المنقطعة عن الأثار الأيجابية لحركة التأريخ المشترك للأمة ، والمنغلقة تحت حدود أكثر ضيقاً ، فإنها ليس في مقدورها أن تحقق أو ( توطد الأمن الداخلي والخارجي وأن تتضمن سير الوظائف العامة ) وذلك لأنها لاتملك ( إرادة عامة هي الإلاادة المشتركة لجميع أعضائها ) .

ولو كنا جديرين بالحقيقة ، وكانت الحقيقة جديرة بنا فإن ما قاله " محمود المشهداني " في الذكرى الخمسين لتأسيس حزب الدعوة كان منطقياً ( على الأقل لدى أعترافه بفشل التيار الأسلامي المشترك في العملية السياسية تحقيق مردود أيجابي للمصلحة الوطنية ) ، رغم أننا لانجد آحقية للبعض أن يختص لنفسه التسمي بالأسلام وحرمان الأخرين ، كون ( أن الأسلام لايخص أحداً بحق الأستثناء بتفسير نصوصه ) فالأسلام يخص جميع المسلمين ( فليس في الأسلام كنوت ولا أكليروس ، وليس لأحد أن يزعم وصاية على عقيدة آحد ) .

وإذا كانت العملية السياسية التي أنتجت دستوراً ، وأنتجت فصلاً بين السلطات ، فقد يمكن أن يحدث الأحسن والأجود في الحياة السياسية والأقتصادية والأجتماعية .. اليومية وغير اليومية للمواطنين وللسلطات في آن واحد ، لكن نيات أصحاب العملية السياسية والمطبات المقصودة في الدستور تحول للأسوء ، والأسوء في كل الأتجاهات دون أن تتقطر جباه السادة الذين يحتلون المقاعد المتقدمة قطرات الخجل ، وإلا لكانوا قد أطلقوا العنان لحناجرهم  لتنطلق مع أصوات المتظاهرين في النجف و الأعظمية والكاظمية التي حدثت مؤخراً وقبلها مع من تظاهر في مدينة الصدر والرمادي وكركوك والبصرة وغيرها من مدن العراق الأبية ، التي تطالب برحيل القوات المستعمرة بلادنا ، ومن آجل الحرية والمساواة والوحدة ، والمطالبة بتوفير الأحتياجات الأساسية  البسيطة للمواطنين كالكهرباء والوقود المنزلي ووقود السيارات والخدمات والرعاية الصحية التي كانت الحكومات الدكتاتورية تقدمها على أفضل مما تقدم اليوم إذا كانت تقدم بالفعل ، وغيرها . تلك هي الإرادة الشعبية التي يستهزء بها السادة المسؤولين !!

 وكأني لا أزال أرى السادة في الحكومة يوجهون بصيرتهم الى خارج الحدود ، طلباً للحلول .. ويرفعون آياديهم " بغضاضة " في وجه الناس ، ومن المؤسف بحق أن يكون بيكر ـ هاملتون أو بيلوسي أكثر شدة ً وحرصاً من  بعض أبناء البلد الذين يعيشون ( داخل عقولهم ) في بروج ٍ عاجية معزولين عن الأحساس المشترك والمتبادل مع المواطنين الذين يملكون الحل والقرار الأخير وليس القبول بالعمل ضمن جوقة بوش الآيلة للسقوط وترك البيت الأبيض بعد أن تترك العراق مرغمة .

أن الأنجازات التي حققتها العملية السياسية التي ضمنت بشكل " دستوري " الهيمنة الأقتصادية والسياسية على العراق ( قوانين الأستثمار ، قانون النفط والغاز ، أتفاقيات "التفاهم" مع البنك الدولي ، مشاريع الخصخصة ، ورفع الدعم عن المنتجات الأساسية الأستهلاكية للمواطنين ، التباطوء في أصدار قوانين التقاعد ، عدم شمول موظفي وزارة الصناعة بسلم الدرجات الجديدة والغايات المخيفة خلفها .. الخ ) وفي المجال السياسي ( أستمرار المحاصصة السياسية الطائفية ، قانون الأقاليم ، التباطوء في تعديل الدستور والتسارع لتنفيذ الفقرات والبنود المختلف عليها لخلق مبررات أستمرارها ، الأقصاء المقصود لعملية المصالحة الوطنية وتهميش التوصيات التي صدرت عن عددٍ من مؤتمراتها في القاهرة وبغداد ، وآخرها اللجوء لوسائل ومبتكرات أستخدمتها أنظمة عنصرية كالجدران العازلة ) .

لقد توسعت الهوة بين الناس ومجمل العملية السياسية ، وتوسعت الهوة بين أصحاب العملية السياسية والقوى السياسية الأخرى ، وتتوسع الفجوة بين الأطراف المتحاصصة في داخل العملية السياسية ، لابل بين الحصة " الكتلة " الواحدة . ومن الواضح أن الأرتدادات عن ذلك لن تتوقف ، لأن المزيد منها ممكناً بل وحتمياً للبعد الذي يتعمق يومياً ، ورغم كل ما يتحمله شعبنا فإنه مؤمن بقدره ، وهو يدرك قول الأمام علي : وإن أبتليتم فأصبروا ‘ فإن العاقبة للمتقين .

 

 

 

 

                                                         بغداد العروبة

                                                  24 نيسان آبريل 2007