علامَ العجلة ؟؟
د.عبدالكريم هاني
خمسة شهور توشك أن تكمل منذ أجريت الانتخابات التي صورت للناس على أنها حجر الفلاسفة الذي يحول التراب الى ذهب أو الترياق الذي سيشفي كل العلل, و قد كتب الكثيرون طوال الشهور التي مرت في الحديث عن الخير ( الديموقراطي ) العميم الذي سيرفل به ابناء الشعب بعد ( نجاح ) تلك الانتخابات , لكن هذا الترياق المنتظر عجز عجزا مذهلا أمام ولادة تتكرر مثيلاتها مئات المرات في العالم بينما تعسرت عندنا عسرا لم يستطع معالجته الطبيبان اللذان ( تطوعا ) بالمجيء على عجل من بلدان العالم ( الراقية ) لمساعدة ( الطبيب المقيم ) الموكل اليه متابعة الموضوع . و قال قائل مصححا في محاولة لجعل الأحلام أكثر واقعية و قربا من الحقيقة ان الدستور هو الترياق الشافي و ان الانتخابات هي السبيل الى ولادة شرعية للدستور تعقبها ولادة حكومة ينظم أمرها هذا الدستور . لكننا نرى أن هذه ( أحلام ) لا أساس لها فيما لمس الناس من واقع الحال , فالدستور الخديج يشكو من إصابته بأكثر من عطل و داء ولادي .
و يتساءل الناس أمام كل هذا بقلق بالغ " أين الخطأ ؟ " و هل هو في ( الرجال ) أو في الأسلوب ؟ أو خلل متأصل في الجذور ؟ لا شك أن الجواب على هذه التساؤلات يعجز عنه الباحثون و الحكماء كما أن اقتراح العلاج أصعب منه.
و قد قال الدكنور عدنان الباجةجي حين كان الرئيس المؤقت لمجلس النواب , ولعه كان يحاول أن يلهي الناس عن هذا القلق بموعد ما , ان تشكيل الوزارة قد يستغرق اسبوعين الى أربعة أسابيع , و هي مدة توشك أن تنتهي , و لا نستطيع طبعا أن نعتب على الرجل إن لم تنجز المهمة المرتقبة في الموعد الذي حدده . بل إننا نرى أن الرجل كان متفائلا , إن كان جادا حقا في الموعد الذي حدده , فكلنا نعلم ان العملية إياها تخضع الى درجات متتالية من المساومات و الصفقات : الصفقة الأولى توزيع الحصص على الكتل المشاركة في العملية , و هذه تزداد تعقيدا حين يبدأ حساب عدد الكراسي و نوعيتها , ثم تبدأ الصفقة التالية داخل كل كتلة في توزيع ( الغنيمة ) على مكونات كل كتلة , و تخضع هذه لما خضعت له الصفقة الأولى بشأن النوعية و العدد الذي تناله كل جماعة , ليبدأ بعدها الصراع بين عناصر كل تنظيم حول من سينال الحظوة , و أخيرا ماذا يأخذ ؟ فإذا علمنا أن عدد الساعين في كل مرحلة من مراحل المنافسة يزيد مرات عديدة على عدد ( الحصص ) المتوفرة فسنتأكد أن الرجل كان متفائلا جدا في تقديره . كل هذا و نحن لم نذكر ( النصائح ) التي ما زالت تأتي تباعا من جهات تعلم أن واجب ( المؤمن ) النصيحة سواء جاءت من المنطقة الخضراء أو عبر المحيط !
لقد لامنا الكثيرون على رفضنا , في التيار القومي و في المؤتمر التأسيسي العراقي الوطني , المشاركة في الانتخابات تحت حراب جيش الاحتلال , و لئن كان موقفنا ذاك نابعا من قراءتنا للموقف العراقي و العملية السياسية و ( القوانين ) التي قصد بها إخراجها بالصورة التي خرجت بها , فإن بوش نفسه قد أعلن بكل وضوح في آذار عام 2005 أنه لا يمكن إجراء انتخابات ديموقراطية حقيقية بوجود الاحتلال , و ها هي الأيام تثبت صحة قوله في العراق كما تثبت سلامة قرارنا بعدم المشاركة , و إذا ما تطابقت رؤيتنا تلك مع الشعار الذي رفعه بوش في مكان آخر من العالم فإنما اللوم على المعايير المزدوجة التي تمارس بها دولة الاحتلال السياسة الخارجية في أطراف العالم .
كلمة أخيرة نقولها ( للسادة ) المشغولين بالصراع على الغنيمة و قسمتها : خذوا الوقت الذي تشاؤون و لا تخشوا أمر الناس و لا تستعجلوا فما زال في قوس الصبر منزع , و لا يشغلنكم حساب أعداد القتلى يوميا فما زال حساب " المقابر الجماعية " في أذهان البعض لم يسدد بعد , كما أن مدنا عديدة ما زالت لم تهدم و تمسح بالأرض بعد , و ما زالت هناك بيَع و صوامع يتلى فيها اسم الله تنتظر دورها و هنالك مكتبات أخرى ما زالت لم تحرق بعد . فعلام العجلة ؟ ألم يقولوا ان العجلة من الشيطان !!