قراءة في اهداف الثورات الشعبية .. ومحاولات الالتفاف

الجزء الثاني

جليل نعمة العبادي

 

 

مراحل التعامل الامريكي مع الانتفاضة الشعبية

لقد شكلت الانتفاضات الشعبية في الوطن العربي مفاجأة للولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها فحاولت امتصاص الغضب الجماهيري واجهاض الانتفاضة تحت واجهات وشعارات ومديات ومراحل شتى بشكل اتضح فيه انهيارها وقلقها وضعفها امام المد الجماهيري وتفاعلت مع كل بلد عربي مع طبيعته الجغرافية وسايكولوجية المجتمع وطبيعة الحكم القائم ومحاولات الولايات المتحدة الامريكية لكبح الثورة وبالمراحل التالية

اولا : في بدء الثورة الشعبية في مصر وتونس وقفت الولايات المتحدة الامريكية الى جانب زيد بن علي وحسني مبارك واعلنت صراحة انهما حليفان استراجيان للولايات المتحدة الامريكية معتقدة فشل الثورة وانتكاستها  ، غير انها تورطت في موقف غير مدروس وتحليل غير واقعي لطبيعة الثورة ومدياتها فاستمرار الثورة في هذين البلدين اكد فشل المخططات الامبريالية ودحض رؤاها  .

ثانيا:  وعندما اشتدت التظاهرات والهتافات المطالبة باسقاط النظامين الفاسدين والمطالبة بمقاضاة الفاسدين الذين هدروا المال العام وكونوا حشودا من العاطلين وبؤرا للفساد والنهب والسلب والجوع والعوز حاولت الولايات المتحدة الامريكية وعلى لسان اوباما الادعاء بتبي مطالب الجماهير والايعاز الى حكومتي مصر وتونس الانصياع الى مطاليب المتظاهرين .

ثالثا: وعندما اشتد عضد المتظاهرين حاولت الولايات المتحدة الامريكية ان تدس افرادا يطالبون بحكم زيد بن علي وحسني مبارك على شكل تظاهرات مفبركة ومسيسة وشجعت على الاحتدام بين الجماهير الرافضة والقلة الخانعة وتأتي معركة الجمل في مصر خير دليل على ذلك غير ان وحدة الصف في تونس ومصر ادت الى انهيار صف المؤيدين من المرتزقة والمغرر بهم واستمرارية التظاهرات المطالبة باسقاط النظامين الفاسدين في تونس ومصر واجهضت هذا المخطط وهزمت المرتدين .

رابعا: وعندما شعرت الولايات المتحدة الامريكية بفشل مخططاتها لجأ اوباما الى دعوة زيد بن علي وحسني مبارك الاعلان بعدم ترشيح نفسيهما لولاية جديدة غير ان ذلك لم ينطل على جماهير تونس ومصر واستمرت مطالب الجماهير باسقاط الحكومتين الجائرتين وتاسيس حكم وطني ديمقراطي يقوم على اساس ارادة الشعب في هذين البلدين العربيين .

خامسا: وعندما صمد التونسيون والمصريون وتفاعلت الثورة مع هموم الجماهير الواسعة  تنحى زيد بن علي وهرب مع عائلته خارج البلاد كما تنحى حسنى مبارك عن السلطة بشكل افشل نوايا ومخططات الاستراتيجية الامريكية ازاء اصرار التونسيين والمصريين وثباتهم على قيم العروبة الرافضة للذل والظلم والفساد والدكتاتورية .

 سادسا: وبعد كل الذي جرى تحاول الولايات المتحدة الامريكية استبدال وجه بوجه وحاكم بحاكم من خلال النفوذ داخل السلطات الجديدة في تونس ومصر لغرض تهميش مطالب المتظاهرين الذين ثاروا على الفساد والظلم والدكتاتورية ولا يزال الصراع قائما بين السلطة التي خلفت زيد بن علي وبين السلطة التي جاءت بعد حسني مبارك وبين الجماهير الواسعة التي ادركت بعد التآمر على مصالح الشعب والغليان الى يومنا هذا قائم والجماهير العربية في تونس ومصر في ثورة مستمرة وهي تطالب بحل ناجز لكل الاشكالات وانجاز توجهات الجماهير في نظام تقدمي عربي يرفض الهيمنة والاستحواذ والدكتاتورية والفساد بكل صورها ومدياتها . سابعا: اما ثورة الغاضبين في البحرين واليمن والجزائر والمغرب وعُمان والاردن والحجاز والامارات المتحدة التي اتسعت وتوسعت وهي تطالب برفض الظلم والدكتاتورية ، فلقد تعاملت الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها مع هذه الثورات بهدف اخمادها بنفس الاساليب والوسائل التي شددت عليها في تونس ومصر مع الميل لمزاج الناس وطبيعة السكان وجغرافية المنطقة بالاعتماد على نفس الوصايا والاقتراحات التي سوغها اوباما الى التابعين له من حكام تونس ومصر اللذين سحقتهما ارادة الجماهير العربية في هذين القطرين العزيزين ، واعتمدت على نفس المراحل التي روجت لها امام ثورة التونسيين والمصريين مع محاولات الادارة الامريكية لاحتواء هذه الثورات وامتصاص غضب الجماهير بالتنسيق مع المخابرات الاسرائيلية التي سعت لجس نبض الشارع للخروج بافكار تسوف قرارات الثورة وتلتف على الثوار ، ولقد تميز اليمن بخصوصية جغرافية وقبلية وعشائرية شجعت الولايات المتحدة الامريكية على محاولة تجزئة هذا البلد وتحويله الى دويلات متصارعة وساعدت على تسلل المخابرات الامريكية والصهيونية بهدف الفصل بين الثورة الشعبية وبين ارادة الجماهير وبين الثورة الشعبية وبين الاهداف المعلنة ، والمحللون يعرفون ان عبدالله صالح حليف استراتيجي للولايات المحتدة الامريكية لا يختلف كثيرا عن زين العابدين ومبارك ، غير ان تغيير الموازين جعل الصراع قائما مابين الثورة واللاثورة معتمدا على طبيعة اليمن القبائلي والعشائري والمذهبي وهواجس التدخل الايراني وبنفس الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة الامريكية مع ثورة البحرين حيث حاولت هذه الدولة المستعمرة ان تجند كل طاقاتها لاضفاء صفة الطائفية والمذهبية على ثورة البحرين الشعبية الواسعة مستغلة التوجهات الايرانية في منطقة الخليج العربي ، والولايات المتحدة الامريكية تخشى من ان يمتد لهيب الثورة الشعبية الى اقطار الخليج العربي الاخرى التي تبلورت بداياتها بعد ان انعكس عليها مسار الثورة الشعبية في تونس ومصر .

ثامنا : وفي ليبيا ظروف جغرافية ومحيط قبلي معروف واشعال الفوضى في هذا البلد يدفع ثمنها الليبيون وامة العرب ، ففي محاولة لخلط الاوراق ولوجود عداء متجذر بين الولايات المتحدة الامريكية وبين ليبيا كبلد نفطي ثري وكمنهج فكري معروف بتطلعاته القومية الواسعة ودعمه المستمر لحركة التحرير العربي والعالمي فقد اعتمدت الولايات المتحدة الامريكية على فرضية صنع الفريق المناوىء لمعمر القذافي بهدف اسقاط حكمه ، ولقد اتضح تهور اوباما الواضح في دعوته لاسقاط حكم القذافي وهي تخطط لاستعادة الملكية في ليبيا فحشدت ماحشدت وعبأت الجماهير باتجاه اسقاط النظام الجمهوري بالتخريب وقوة السلاح والعصيان في ليبيا دون طرح مطالب شعبية واضحة في الحرية او الاستقلال او رفض الفساد . انني اجد في النظام الليبي اشكالات وترهلا كأي نظام في العالم يمكن اصلاحها بالتحاور والرأي الجريء والصريح دون اللجوء الى التظاهر والتمرد والعنف والتخريب واشهار السلاح الذي الحق التدمير والفوضى في بلد مستقر ، وانني ارى ان اسقاط النظام الليبي سيضر بالحركة القومية العربية ويحد من فعاليتها ومن ثقافة الوعي القومي الذي يتطلع الى العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية والى مقاومة الامبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية واجهاض استراتيجتها القائمة على الغش والافتراء والتجزئة ، وانا على يقين ان سقوط التجربة الليبية يعني سقوط تجربة يمكن ان تتلافى الاخطاء وان تتوسم بالفكر القومي الناصري بطريقة اكثر جدارة وحيوية وعقلانية وسعة صدر ، لتنقذ الانسان العربي من الظلم والتعسف والدكتاتورية وتتصدى للهجمة الامبريالية على شراستها وتحرر الارض العربية من الاحتلال والسلب والنهب والفساد , ولو ان معمر القذافي جعل الميثاق الناصري مرجعية اساسية قابلة للتطور والتأهيل وكفلسفة فكرية يمكن ان تتطور على ضوء المتغيرات والمستجدات لتكون طريقا للتغيير الحقيقي المنضبط ومنهاجا لكل الثوار بعيدا عن طروحاته الجديدة التي جعل فيها الكتاب الاخضر بديلا عن الميثاق الناصري ولو ان معمر القذافي اعاد النظر بكل طروحاته وكل توجهاته وبنية حكمه وهيكلية نظامه من خلال تمسكه بلقب ( امين القومية العرببة ) الذي منحه له القائد المعلم جمال عبدالناصر وسدد من اجراءاته بقوانين وتشريعات اكثر انسجاما مع امال شعبه وبما ينفع الناس وطرد الفاسدين في اللجان الشعبية وادارة الحكم واتخاذ اجراءات اصلاحية في الاقتصاد وفي السياسة الخارجية والداخلية ، ولو ان معمر القذافي خلق توازنا حقيقيا بين امتداداته في الوطن العربي وفي افريقيا بشكل يرجح قدرة الارادة العربية القومية في العالم العربي ويوظف المال الليبي على اجزاء من الوطن العربي التي تعاني من الفقر وضعف امكانات التنمية والنشاط الاقتصادي، ولو ان القذافي استغل امكاناته وطروحاته الفكرية لتوحيد التيار العربي القومي على امتداد الارض العربي لضمان انتصار الثورة العربية بدلا من حركات سياسية تحمل افكارا قومية صنعها القذافي في الوطن العربي وتبشر بالكتاب الاخضر بدلا من الميثاق الناصري عليها قادة نصبهم معمر القذافي كقادة للحركة الديمقراطية المباشرة ومعظمهم لا يمتون بصلة لا من قريب ولا من بعيد بالفكر القومي الناصري ومعظمهم من الرجال الذين توطنوا في ليبيا لفترة طويلة وهجروا بلدانهم الام وسكنوا ليبيا لاسباب عدة وقرؤوا الكتاب الاخضر غير ان خلفياتهم السياسية غير القومية وغير الناصرية ساعدت على تشتيت القوى القومبة الناصرية وأساءت الى الفكر القومي الناصري .  ولقد افصحت الولايات المتحدة الامريكية صراحة عن نيتها لاسقاط النظام القومي التقدمي في ليبيا وتجزئة هذا البلد العربي مستغلة طبيعة المجتمع الليبي القبائلي ، وبدأت في مراحل تشبه تلك المراحل التي اعتمدتها في اسقاط نظام صدام حسين في العراق منها :ـ استغلال مجلس الامن والامم المتحدة لاصدار قرارات تحاصر ليبيا اقتصاديا وسياحيا والعمل على حشد الاتحاد الاوربي وحلف الناتو والمؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية في العالم لتضيق الخناق على ليبيا العربية . واستطاعت الولايات المتحدة الامريكية جر جامعة الدول العربية التي يقودها عمرو موسى ومنظمة المؤتمر الاسلامي الى موقف مشين يخرج عن ميثاقيهما ويؤسس وسائل جديدة لشرذمة الجمع العربي والاسلامي ، وفي هذا المسار يبرز موقف الدول العربية الاخرى المتخاذل ازاء العدوان الامريكي المبيت ضد ليبيا وخاصة دول الخليج العربي ليؤكدوا تبعية هذه الانظمة للامبريالية العالمية ، ولقد بدأت الولايات المتحدة الامريكية بالضغط المباشر على مجلس الامن والامم المتحدة لاصدار قرارات تضيق على اقتصاد وسياحة ليبيا وتحاصر اجواءها بعد ان امدت المتمردين بالمال والسلاح والاعلام المبرك   .

تاسعاً :ـ اما في العراق حيث استطاع المحتلون صنع الفرقة والتناحر بين ابناء الشعب الواحد بشكل وسع من دعوات تقسيم البلد تحت مظلة الفدرالية ، ولقد تميزت ثورة الغضب في العراق التي اندلعت في الخامس والعشرين من شباط واستمرت الى يومنا هذا على دعوات رفض الفساد وتدني الخدمات  والدكتاتورية والمطالبة بالحريات العامة ومعالجة البطالة والفقر والسكن واجراء اصلاحات قانونية وتشريعية تحمي الوطن والمواطن وتلبي حاجات المجتمع ، الى جانب المطالبة برحيل المحتل وتكوين حكم ديمقراطي حقيقي بلا محاصصة ولا ميل ولا كيل ، والذي يتابع مايجري في العراق يجد ان هواجس الناس التي اشرنا اليها هي الدافع الحقيقي للتظاهر والغضب الى حد المطالبة بسقوط الحكومة القائمة ، ولقد جابهت الحكومة الحالية كما هو الحال في تونس ومصر والاقطار العربية الاخرى التي شهدت ثورات وانتفاضات شعبية بالرد العنيف لحد هدر الدم والمضايقة وصنع وسائل تمنع المتظاهرين وتحول دون ايصال صوتهم كغلق الجسور والطرق ومنع المركبات من الحركة والاعتداء على الصحفيين ووسائل الاعلام ومنع المتظاهرين من الوصول الى اماكن تجمعهم ليسقطوا والى الابد ذرائع الديمقراطية والحرية التي كانت المظلة التي جاء بها المحتلون . والذي يتابع ثورة الغضب العراقية يجد ان اطراف عديدة تحركها باتجاه معين منها تلك التي انسجمت مع العملية السياسية واشتغلت في ادارة الحكم لكنها لم تحصل على كل ماتريد من المنافع والمقاعد الوزارية والنيابية وشعرت بالتهميش الى جانب قوى اخرى معارضة لها امتدادات خارج حدود القطر اكدت في طلباتها على رحيل المحتل وعلى اسقاط حكومة المالكي ، غير ان الغالبية العظمى من ثوار الغضب هم من المواطنين الذي تضرروا بالفقر والجوع والبطالة وسوء الخدمات وصبروا حتى تفجر غيظهم وتمالكهم الغضب بشكل جعلهم يتحدون الاحتياطات الامنية ورد فعل العسكر حتى اعتقل العديد منهم وتعرضوا للتعذيب والقتل العمد غير ان الشعار الذي هتف به الجميع في ثورة الغضب اكد وحدة العراقيين وتلاحمهم ورفض الطائفية والعنصرية من خلال وقفة شجاعة جريئة تطالب بالحرية والديمقراطية والاستقلال والتنمية حينما تبنوا شعار ( نموت ويحيا العراق ) ، اما الولايات المتحدة الامريكية فهي تراقب الاوضاع عن كثب واصدرت بيانات انتقدت فيه الرد الحكومي العنيف على ثوار الغضب وطالبت باجراء اصلاحات ولكن ليس بمستوى الحماسة التي اظهرته هذه الدولة المستعمرة ازاء ثورات الغضب في الاقطار العربية الاخرى ومما يخوف الحكومة العراقية واصدقاءها الاستراتيجين ويثير قلقها هو التنحي الامريكي السريع عن اصدقائها الاستراتيجين في الاقطار العربية الاخرى التي انتصرت فيها الثورة ورحل حكامها .    

 

خاتمة :ـ

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هل ان الثورات الشعبية في العالم العربي شكلت مفاجأة للولايات المتحدة الامريكية ؟ ام ان الولايات المتحدة الامريكية هي التي صنعت تلك الثورات لتغير وجه بوجه بعد ان طفح الكيل وتعرى المفسدون ؟ ام ان الولايات المتحدة الامريكية استغلت ثورة الغضب فركبت الموجه لتحقق اهداف وغايات تخدم استراتيجيتها ؟ وهل ان الولايات المتحدة الامريكية صادقة حينما اعلنت ان الثورة الشعبية في الاقطار العربية تخدم المصالح الامريكية والصهيونية ؟ اسئلة ستجيب عليها الوقائع اللاحقة والارهاصات المقبلة والمفاجأت اللاحقة والتجاذبات الحاصلة في تونس ومصر من خلال الثورة والثورة المضادة وتمييع اهداف الثورة ليؤكد كل الاحتمالات .