قراءة في اهداف الثورات الشعبية ... ومحاولات الالتفاف

الجزء الاول

 جليل نعمة العبادي

 

     حركة التحرر العربي لها امتداد عميق في التاريخ ولها ثوابتها الوطنية والقومية والانسانية ساهمت في تحقيق مكاسب وطنية على الارض وحققت انتصارات واسعة لصالح الجماهير الشعبية ، ولقد انضجها الفكر القومي الناصري من خلال ماحققته ثورة 23تموز 1952 من انجازات وتحولات ثورية عبرت عنها مبادؤها الستة ، ولقد اندلعت هذه الثورة بعد ان كان الغزاة يحتلون ارض مصر لتشكل قواعد ارهاب تقف بوجه المقاومة المصرية تدعم ارهاب الدولة، والاسرة المالكة كانت تعيث في الارض فسادا وهي تفرض ارادتها على ارادة الجماهير في محاولة لاذلال الشعب وتهتم بمصالحها الشخصية وترفها ، والاقطاع يحتكر خيرات الارض المصرية لذاته ولمنافعه الشخصية ، وكان الفلاح المصري يعاني من العوز والتخلف وهو يزرع ارضه ولا ينال منها الا الهشيم الجاف ، ورأس المال المصري كان يمارس شتى انواع الاستغلال لثروات مصر بعد ان تمكن من الحكم وسخره لاغراضه ، ومن الملف للنظر ان القيادات السياسية المنظمة لنضال الجماهير قبل الثورة قد اغرتها الامتيازات الطبقية وسلبت منها القدرة على الصمود والتحدي والتصدي ، وخدعت الجماهير بشعارات الديمقراطية المزيفة ونفس الشيء انسحب على الجيش المصري حيث حاولت الحكومة الملكية والقوى المسيطرة المعادية لارادة الشعب اضعافه واشغاله عن واجبه النضالي الوطني لحد استخدامه كوسيلة لقمع وتهديد النضال الشعبي ، فاستطاعت الثورة المصرية ان تقضي على الفساد بعد ان تماسكت مع ارادة الشعب بالاطاحة بالنظام الملكي الفاسد ونشر الفكر الديمقراطي التعاوني بما يعزز التنمية ويطور امكانات البلاد الاقتصادية في الزراعة والصناعة ويطيح بالمتخاذلين الذين هدروا المال العام وزورا الحقائق وعادت للجيش المصري هيبته وقدرته على حماية الوطن والدفاع عن قضايا الامة العربية المجيدة في حريتها وسيادتها ، ويقول عبدالناصر ( نجحت الثورة ولكننا لم نكن راغبين في الحكم ابدا لا أنا ولا زملائي من الضباط الاحرار، كنا مصممين على محو كل اثر للسيطرة الاجنبية وعلى اجراء اصلاح زراعي حاسم ) ، وعند عبدالناصر يرتبط مفهوم التحرير ليس بتحرير مصر وحدها وانما بتحرير الوطن العربي ، ويقول عبدالناصر ( نقوي جيشنا ، نقضي على الاقطاع ، نقضي على الاحتكار ، نقوي اقتصادنا ، نقضي على سيطرة راس المال على الحكم ، نقضي على النفوذ الاجنبي . وبهذا نستطيع ان نقول اننا حققنا اهداف الثورة ) ، ولا يمكن الفصل بين الديمقراطية وبين الحرية السياسية وبين الحرية الاشتراكية التي هي الحرية الاجتماعية في الفكر القومي الناصري ويرى الناصريون ان الحرية السياسية لم تكن مجرد واجهات دستورية شكلية منقولة لان جوهر الديمقراطية هو الممارسة على الارض وتلك لا تتأكد الا بالتحرر الاجتماعي ، ويرى القائد المعلم فرقا كبيرا بين مفهوم الثورة والانقلاب فيقول( الثورة هي الحصول على السلطة من اجل التغيير الواسع ، تغيير المجتمع من الواقع الذي يثور عليه الى المستقبل الذي يطالب به) ، ويرى ان الانقلاب هو ( جماعة من الناس تتآمر وبالمؤامرة او المغامرة يصلون الى السلطة والسطلة هدفهم) ، فالثورة عند عبدالناصر تغيير المجتمع وتحقيق حياة افضل للجماهير وليست الشعارات هي الهدف وانما هو تطوير المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية للشعوب لتحصينها من الضغوط والمنزلقات ، وعن الامتيازات والمنافع الشخصية التي يحاول ان يحصل عليها بعض المتنفذين من خلال سلطة الثورة يقول عبدالناصر( ان الشعب كان يطالب بوضع حد للامتيازات التي حصل عليها البعض بغير وجه حق ، وانا مع الشعب في هذا ، اننا شعب بنى مجتمعا اشتراكيا وهذا المجتمع ليس لطبقة مميزة ، بل هو بطبيعته لا يسمح بامتياز طبقي ، انه يسمح بامتياز العمل وحده ، والعمل وحده ، وكفاءة العمل واقتداره تعطي لصاحبها امتيازا ، لكنه امتياز الكفاءة وليس امتياز طبقة ، ولعلي اقول لكم انني في الايام الاخيرة الغيت كثيرا من الامتيازات التي ظهرت في المراحل السابقة وسيظهر هذا في الميزانية الجديدة ) ، وفي موضوع الفوارق في مستويات المعيشة وتأثيراتها في حشد الجماهير باتجاه الخلاص من هذه الفوارق المؤلمة في مستويات العيش يقول عبدالناصر ( ان الفوارق المؤلمة في مستويات معيشة الشعوب لم يكن من شأنها الا وضع العالم على فوهة بركان لا يهدأ ولا ينام)، وعن العدل الاجتماعي يقول ( ان مطلب العدل الاجتماعي هو القوة المحركة للحوادث الان في كل وطن واحد ، وهذا المطلب مطلب العدل ، يوشك ان يؤدي نفس الدور في مجتمع الدول) ويتحدث عبدالناصر عن مديات الغنى والفقر فيقول( لا يستطيع الفقر والغنى ان يعيشا بسلام جنب الى جنب ، ولا يستطيع التقدم والتخلف ان يعيشا بسلام جنبا الى جنب ولا يمكن للرخاء والحرمان ان يعيشا بسلام جنبا الى جنب )  

 

اهداف الشعب العربي بين مفهوم الثورة العسكرية وبين الثورة الشعبية مرورا بالكفاح المسلح

 

في القرن الماضي كانت طبيعة الاحتلال الاجنبي هي السائدة على الارض العربية وتأتي معاهدة سايكس بيكو التي قطعت اوصال الوطن العربي لتجعل منه اجزاء مجزأة موزعة بين قوى الاستعمار العالمي على شكل حصص للنفوذ والاحتلال والاستغلال لتشكل اكبر كارثة ألمّت بالوطن العربي وشتت كيان الامة العربية ، غير ان الشعوب العربية ظلت تجاهد وتناضل من اجل الوحدة العربية ومن اجل الاطاحة بالتجزئة والنفوذ الاجنبي . وكانت الثورة في القرون الماضية التي يقودها الجيش بدعم من الشعب هي الرد على التجزئة والوسيلة الوحيدة التي تعيد الحق الى نصابه الى جانب الكفاح المسلح ضد المحتلين والعابثين بحرية الوطن والمواطن واستقلال البلاد وهذه شكلت انتصارات كبيرة لحركات التحرر العربي في مصر والعراق واليمن وليبيا والجزائر وفلسطين واجزاء اخرى من الوطن العربي لانها كانت ردا استراتيجيا على تداعيات الاحتلال التي كانت سائدة انذاك والتي تعتمد على استراتيجية امبريالية لها اهدافها وغاياتها في الاحتلال والسيطرة على ارض الغير ونهب الثروات ، وتنسجم مع طبيعة المرحلة ووسائل تحقيق الحرية والاستقلال المتاحة ، ولقد تلاحمت الجيوش العربية مع ارادة الشعوب العربية وعبرت عن تطلعاته في الثورة وفي السيادة وفي الاستقلال ورفض الاستغلال والنهب والسلب وقاومت الدكتاتورية بكل صورها بثورات عملاقة كما هو الحال في ثورة 23تموز عام 1952 في مصر وثورة 14تموز عام 1958 في العراق، وكما هو الحال في اليمن والسودان واقطار عربية اخرى ويأتي انتصار الثورة الجزائرية على المحتلين بالكفاح المسلح المنظم وتأسيس جيش التحرير ليشكل مسارا اخر لانتصار الثورة على الاحتلال وعلى الدكتاتورية كما ان الكفاح المسلح الفلسطيني اثبت قدرته على المقاومة وحقق انتصارات باهرة على الارض الفلسطينية شكلت بداية الطريق لكفاح مسلح ومقاومة طويلة الامد لا تزال مستمرة الى يومنا هذا ، غير ان التطور المرحلي لطبيعة الصراع العربي الاسرائيلي والصراع العربي الامبريالي بشكل عام وطبيعة الانظمة الحاكمة في الوطن العربي وشيوع ظاهرة الفساد الى جانب القمع والدكتاتورية التي تحاصر الانسان العربي بتوجهاته ومعتقداته وطموحاته في التنمية والتطور والتأهيل ، ادى الى قيام متغيرات ومستجدات تتطلب تغيير طريقة الثورة وتحديد وسائل جديدة على ضوء امتداد الاحتلال على الارض العربية واعتماده على وسائل لوجستية وسياسية يتفادى فيها نتائج الثورة العسكرية التي تقودها الجيوش وتحد من وسائل الكفاح المسلح بشكل جعل الشعب العربي يفكر بوسائل الثورة الاجتماعية في بلد يحكمه حكام متخاذلون اخذتهم العزة بالاثم فتصدوا لارادة الشعب وربطوا مصيرهم ومصير بلادهم بالامبريالية العالمية التي تقودها الولايات المتحدة الاميركية تحت مظلة التحرير والحرية والديمقراطية المضللة ، واسسوا نظما دكتاتورية تتعامل مع الثقافة الامبريالية وتنطوي عليها وتشيع الفساد والهدر بالماء العام وتعطل التنمية بكل اشكالها ، ويأتي وضع فلسطين المحتلة دليل على شراسة المحتل من خلال اقامة حكم تابع للارادة الامريكية تحت مظلة المفاوضات والمبادرات والمساومات التي تحاول ان تطيح بالمقاومة وتبعدها عن مسارها الثوري الحقيقي ووضع الحكام العرب الذين قهروا شعوبهم وفرطوا بثرواته وجعلوا الارض العربية محطة للفساد المالي والتواطؤ مع الاجنبي ومد جسور وعلاقات مع الصهاينة الذين هتكوا العرض والشرف العربي وهجروا اهل فلسطين لتقوم دولة عنصرية عدوانية في قلب الوطن العربي لها علم وسعادة في بلدانهم لتكّون قاعدة للعدوان والتآمر على قضايا الشعوب تحت دعم ورعاية ومباركة امبريالية  الى جانب سعي الولايات المتحدة الامريكية لشرذمة الوطن العربي من جديد من خلال نشر ثقافة الاقاليم والفوضى المنظمة والاقتتال الداخلي وبذر بذور الفرقة بين ابناء الامة العربية وابناء الشعب العربي ، كما ان الولايات المتحدة الامريكية وثقت من ارتباطاتها المشبوهة ببعض الحكام العرب الذين نصبوا انفسهم ملوكا وقادة ورؤساء واصبحوا اداة طيعة بيد الولايات المتحدة الامريكية بشكل امّن لها نهب الثروات والسيطرة على منابع النفط وارساء قواعد عسكرية على امتداد الارض العربية لفرض هيمنتها على الارض والارادة والقرار المستقل وقهر ارادة الشعوب العربية ، وكان الاحتلال الامريكي المباشر للعراق دليل واضح يؤكد التكتيك الامريكي الجديد الذي لا يخرج على اسس استراتيجتها التي تتجانس مع طبيعة المرحلة ومعطياتها . مما جعل الشعب العربي يفكر بالخلاص من الحكام الظالمين الذين ينفذون قرارات الامبريالية العالمية ويطيحون بالارادة الحرة ويفرطون بمستقبل الامة العربية في الحرية والاستقلال والنماء، لقد تميز بعض الحكام العرب باستشراء الفساد بشكل ضيق على الشعوب العربية وسلب ارادتها في التعبير عن رأيها وضمان مستقبلها في التقدم والتحضر والعيش الرغيد ، كما ان هؤلاء الحكام استهانوا بمقدرات الشعب وخنقوا حرياته وهدروا امواله بشكل صنع طبقة المستغلين ( بكسر الغين) وطبقة المستغلين ( بفتح الغين) ووسع من الفوارق الطبقية وألف افواجا من العاطلين عن العمل بشكل وسع من دائرة الفقر والعوز والجوع والضنى وانعدام الخدمات والتطوير والعمران ، مما اجج غضب الشعوب العربية التي تنتفض الان في مصر  وتونس واليمن والعراق والبحرين وعُمان والجزائر والمغرب والاردن واجزاء اخرى من الوطن العربي لتسقط حكومة ويهرب حاكم ظالم وانتصرت ثورة الشعب في تونس الخضراء ومصر الكنانة ولا تزال المخاضات الصعبة تجابه المصريين والتونسيين من خلال محاولات الالتفاف على ثورتيهما وتبديل سلطة بسلطة وحاكم بحاكم بعد ان حاولت الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها جر الثورة الشعبية عن مسارها الوطني والقومي وحرفها عن النهج الثوري الذي يترفع عن الفرقة والاقتتال الداخلي وخلق رموز تحاول السطو على الثورة ، فضلا عن اشتداد ومشروعية الكفاح الفلسطيني المسلح الذي لا يزال يقارع المحتلين ويؤكد قدرة العرب على انتزاع حقوقهم واسترجاع وطنهم بالارادة المستقلة والكفاح والمقاومة ، ولا تزال المقاومة العربية في لبنان والعراق والصومال وموريتانيا واجزاء اخرى من الوطن العربي تقاتل وتقاوم من اجل صيرورة عربية جديدة وحرية حقيقية ومستقبل واعد حيث كبرت المقاومة واشتد عضدها لغرض طرد المحتل ومن اجل الحرية والسيادة بشكل يدحض ديمقراطية وحرية الولايات المتحدة الامريكية التي جعلت منها وسائل ومبررات لاحتلال العراق واجزاء اخرى من الوطن العربي وسلب ثرواته والغاء ارادته الحرة المستقلة ، ولقد فشلت كل محاولات الردة التي تقودها الولايات المتحدة الامريكية من تحجيم المقاومة المسلحة والكفاح الوطني  .