اعتراف بنقص

 

د.عبدالكريم هاني

 

كنا في المدرسة المتوسطة في إحدى المحافظات في أوائل أربعينات القرن الماضي , و كانت العادة أن نجتمع في ساحة المدرسة صباح كل يوم خميس فيلقي مدير الثانوية , و كان المربي الفاضل المرحوم محمد جواد جلال , كلمة يضمنها بعض نصائحه و تعليقاته على أمور الدراسة و المدرسة , و قد يضيف أحد المدرسين كلمة أخرى ثم يتقدم من الطلاب من هيأ بضعة أبيات شعر نظمها أو قرأها في ديوان و أعجبته , أو كلمات اجتماعية أو أدبية . و كانت الفقرة التي تكاد تكون ثابتة كل خميس تقدم أحد الطلبة بكلمة عنوانها دائما ( اعتراف بنقص ) تتضمن نقدا لبعض الجوانب في الحياة و يتغير ( الإعتراف ) وموضوعه كل اسبوع .

عند اقتراب منتصف العام الدراسي نظمت إدارة المدرسة سفرة مدرسية الى إحدى المحافظات القريبة . و جاءت العطلة و تمت السفرة . و لم تكن المواصلات حينئذ كما هي اليوم , لا محمول و لا أرضي , لكن البريد كان أكفأ و هناك انتقال الناس المستمر بالقطار , و جاءت ( الأخبار !!) قبل عودة ( الأخيار ) فلم تكن تسر أحدا . و في اليوم الأول للدوام دعي الجميع الى اجتماع في ساحة المدرسة و انفجر المدير بسيل من الكلمات المرعدة لم يوفر فيها أحدا من المشاركين في السفرة الفضيحة ثم ختمها باتجاهه الى صاحب ( الإعترافات ) الذي كان بطلا بارزا فيما حفلت به تلك السفرة و قال " أما فلان فسوف أمزق حذائي على رأسه إن بلغت به الوقاحة أن يتقدم هنا بموضوعه البائس ( اعتراف بنقص ) .

تذكرت هذه القصة عندما شاهدت بعض الصور التي سمحت أخلاقيات المهنة بنشرها من بين ما وصلت الى وسائل الإعلام من الآلاف التي يتداولها الجنود و تصورت وزير الخارجية يتقدم كل عام بتقرير عن مدى التزام دول العالم بقواعد حقوق الإنسان ورئيسه و هو يهدد الدول المارقة بالويل و الثبور إن لم يلتزموا جادة الصواب , و تحسرت و أنا أبحث عن المرحوم محمد جواد جلال في مثل هذه المناسبة .

 ملكيون أكثر من الملك

بينما اعتذر كيميت عن التصرفات القذرة التي مارسها جنودهم ( المحررون ) بعد أن فضحتها وسائل إعلامهم  و بينما قال رامسفيلد إنهم مدينون باعتذار قفز واحد من الخمسين عندما سألته المذيعة عن تعليقه على ما جرى فأعاد الى ذهن المستمع أن هناك الكثير من أمثالها , و تصورت أول الأمر أنه سيشير الى قتل الأسرى العراقيين و تعذيبهم في إحدى دول الجوار باعتباره خير من يعلم ذلك لكنه أعاد الى الذاكرة أن عهد صدام شهد اعتداءات أكثر من هذا فكأنه كان يطلق قنبلة دخان يغطي بها فضيحة أصحاب الفضل0 .

من يهن يسهل الهوان عليه           ما لجرح بميت إيلام

نشر في العدد 88 من جريدة الوطن في 13/5/2004