الإستجمام على حساب التنمية

 

 د. عبدالكريم هاني

 

صديق عزيز من أصحاب المطابع جاءني يشكو بعض التصرفات التي لن تؤدي إلا الى مزيد من البلاء و استشراء الفساد . قال ان إحدى المنظمات الدولية قدد خصصت أكثر من مائة مليون دولار لطبع الكتب التي تحتاجها المدارس , و ذلك أمر يسر طبعا . لكن السرور يصبح مضاعفا للبعض عندما نقرأ الشروط التي كبلت بها الوزارة هذا الأمر . فبدلا من انتهاز هذا العرض لتجنيده لخدمة الإقنصاد الوطني و تدوير عجلاته الصدئة و إيجاد فرص عمل لملايين العاطلين , جاءت شروط العقود مفصلة لتنتهي بتأمين فرص استجمام لأعضاء اللجان المشرفة على الطبع و الموظفين الكبار الآخرين دون الأخذ بنظر الإعتبار طاقة المطابع الموجودة حاليا في البلد و إمكانية استغلالها و ضرورة تشغيلها بمنحها فرصة المنافسة العادلة .

قال هذا الصديق ان المطلوب طبع كذا مليون كتاب بين الشهرين السادس و التاسع فقط لتأمين وجود لجان الإشراف في جهة التعاقد لتتابع تنفيذ العقود في أشهر الصيف في إيطاليا , أو بيروت أو عمان على الأقل مع ما يقتضي ذلك من مخصصات إيفاد و إقامة و..و.. الخ بينما هناك العديد من المطابع العراقية القادرة على تنفيذ هذه العقود لو منحت ستة شهور أو تسعة بدلا من الثلاثة المقيدة و حينئذ تستطيع هذه المطابع أن تعمل على مدار السنة بما يؤمن فرص العمل الدائمة لعمالها و دخول مبالغ العقود الى الإقتصاد العراقي , و هو بأشد الحاجة لذلك . و إذا علمنا أن الوزارة المعنية تطالب موظفيها و , مراجعيها أيضا, بتزكية من حزب معين لعلمنا أهمية المكاسب  الحزبية التي تجنى من توزيع العمل في هذه اللجان .

سجن أبو غريب المتهم البريْ

في غمرة الحماس المفتعل للتبرؤ مما أظهرته بعض التحقيقات ( المختصرة ) من ضلوع أكبر الرؤوس الأميركية في لعبة التسلية بتعذيب السجناء و إهانتهم بدأت هذه الرؤوس تطرح اقتراح تهديم سجن أبوغريب ! و كأن البناية المسكينة هي بيت الداء و ليست ( ثقافة ) الإستعلاء العنصري و الإستهتار بالقوانين و ببني الإنسان هي المسؤولة عما جرى . لقد قامت دولة الطغيان في سبعينات القرن الماضي بتهديم ما اصطلح على تسميته ( بقصر النهاية ) في عملية مسرحية دعائية بعد قتل ناظم كزار للتظاهر بالقضاء على ممارساته التي قالوا انهم يدينونها , لكنهم لم يلبثوا أن بنوا زنزانات أشد هولا في نفس المكان و في مناطق أخرى في بغداد و غيرها .

إن المطلوب هو تغيير العقلية التي تسير هذه البناية أو غيرها , و لا عبرة بتغيير البناية بدون ذلك حتى لو قاموا بانشاء السجن الجديد الذي بشرونا أن السرير الواحد يكلف خمسين ألف دولار فما زال البلد بحاجة الى الملايين التي ستصرف على الهدم و البناء لتساهم في الإعمار الحقيقي وليصلحوا النفوس قبل إصلاح الأبنية .

نشر في العدد 94 من جريدة الوطن في 27/5/2004