Asking for TROUBLES !

د. عبدالكريم هاني

 

كان المتوقع – بل و المفروض أيضا – أن يتزامن إعلان حكومة عراقية جديدة , أو ربما يسبق سقوط أول صاروخ من صواريخ ( التحرير ) يوم20/3/2003 , خصوصا و قد استمرت التهيئة لهذا ( التحرير )  سنوات طويلة و بمؤتمرات متعددة كان يفترض أن يتمخض واحد منها عن حكومة منفى على الأقل . .  غير أنه يبدو أن الأمر لم يكن قط من صلاحية أي من هذه المؤتمرات التي لم تكن إلا للإستهلاك الإعلامي لتستفيد منه ( السلطة المحررة ) .

ثم جاءت تصريحات هذه السلطة عبر قنواتها الإعلامية المتعددة ,( تشترك القناة البريطانية الى جانب القناة الأميركية )؛ و إذا كانت القناة البريطانية تملك فضيلة الوحدانية فإن القناة الأميركية كانت رباعية الأبواق : البيت الأبيض , وزارة الدفاع , وزارة الخارجية و القيادة المركزية – هذا إذا حاولنا أن نخرج السيدة كوندالزا رايس من اللعبة لقلة تصريحاتها هذه الأيام . كان كل بوق من هذه الأبواق يعزف نغمة تختلف عن نغمات الآخرين , بل ربما كانت هناك أبواق أخرى تزاحمه في العزف من نفس القناة و لكن بنغمات مناقضة . و كانت ألعن هذه الأحوال ما سمعناه في الساحة الداخلية , فقد كانت هناك أصداء للقنوات الرئيسية بالإضافة الى الإبواق المحلية : قائد القوات , ممثل الإدارة الأميركية ثم العناصر المعاونة .

صرنا نسمع أوامر في الصباح لنستمع الى أوامر تعدلها , أو ربما تناقضها أو تلغيها قبل المساء.      و سمعنا عن تشكيل حكومة في نيسان , ثم عن عقد مؤتمر ليقرر هذه الحكومة , ثم تأجل المؤتمر و طال مخاض الحكومة الى أيار . ثم صار اسم المولود المتوقع إدارة لا حكومة , و قرر ولي أمر الوليد المنتظر أن يدعوه سلطة و هو ما يزال يراوح في بطن الغيب شهرا بعد آخر حتى لقد صح وصف الإدارة الأميركية بالتخبط . و كان ظاهرا تماما أن المقصود من كثير من تلك القرارات لا يمكن أن تفسر إلا بأنها تحاول البحث عن المتاعب و إثارة المشكلات – و القائمة طويلة لهذه القرارات : فصل جميع البعثيين , ثم , يمكن أن تكون هناك استثناءات , ثم يمكن إعادة الجميع بعد تقديم طلبات الى دوائرهم . . ثم لعلنا سنسمع تعديلات أو إضافات جديدة . حل وزارة الدفاع و الجيش و وزارة الإعلام ( بدون الحديث عن تعويض أو تقاعد أو غيره ) , ثم العودة عن هذا القرار و الحديث مجددا عن الرواتب و إيجاد وظائف للجميع و إعادة تشكيل الجيش . . . الخ

و القائمة تطول . . . و لا يمكن أن يكون كلا الأمر و نقيضه ( أو تعديله ) صحيحين , و إنما يدل ذلك على أن أغلب هذه الأوامر تصدر بصورة انفعالية و بدون تمحيص . لكن هذا ليس غريبا إذا علمنا أن الغزو الأميركي قد رافقه غزو مثلث الفروع : الحليف الستراتيجي للولايات المتحدة , و الجوار الحاقد الذي يظن أن تصفية حسابه عن المغامرة الجنونية للدكتاتور لا تتم إلا بحرق الأخضر و اليابس في العراق  ؛ و عناصر لا يهمها إلا جني المكاسب الشخصية و الفئوية . و باستمرار هذه العناصر في تقديم التوجيهات و التوصيات      و النصائح التي يغلب عليها سوء النية و القصد الى عناصر الإدارة التي تتعاون معها و تتقبلها و تنفذها بدون روية أو تحليل , يصح القول ان القوات الأميركية جاءت مسلحة بالصواريخ الموجهة و لكن بإداء سيء التوجيه  :

Armoured with guided missiles but with misguided efforts !. . .  . . .

و إلا فقولوا لنا ماذا يمكن أن يفسر استعداد القوات الأميركية لاتخاذ إجراءات تمنع بموجبها الخطب في الجوامع – و هي لا تعلم , و لا يريد لها ( مرشدوها ) أن تعلم أن خطبة الجمعة ركن أساسي في الشعائر الدينية . فهل سيرشدها هؤلاء المرافقون الى منع اداء الشعائر الأخرى أيضا ؟ انني على يقين ان هؤلاء المرافقين يرجون لها أن تقوم بذلك على أمل أن يؤدي ذلك الى حرق ما بقي من العراق لعل ذلك يشفي منهم الغليل .

و لا يحيق المكر السيء إلا بأهله . . .

10/6/2003

نشر في العدد – 1 – من جريدة الضحايا في 14/7/2003