الكونفدرالية العراقية

د. عبدالكريم هاني

 

و أخيرا تمخض الجبل و استطاعت ( الجمعية الوطنية ) أن تشكل ( حكومة ), بعد مخاض استمر قرابة ثلاثة شهور بالرغم من مساعدة المرشد و بركاته و رعاية العراب و توجيهاته ؛ و جاءت التشكيلة تشكو العوق فور ولادتها فكان الاعلان عن تشكيلها مرافقا لاعلان مجموعة من ( الشركاء ) الانسحاب منها لأن حصة ( مجموعتهم ) جاءت أقل من المأمول بالعدد و النوعية , نوعية الكراسي أو نوعية من يشغلها لا فرق ! لكن هذه التشكيلة نتيجة طبيعية لما تم العمل على إنجازه طيلة السنتين المنصرمتين , فقد جاءت منسجمة مع تعهد بوش في الصفقة التي أشارت اليها الصحف الأميركية  في حينه و التي ربط فيها بوش بين انسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة و تأكيد واشنطن على أن لا تقوم حكومة قوية في بغداد مطلقا . و لتأكيد ذلك ( ادعت ) هذه الصحف أن واشنطن " أعطت اسرائيل الضوء الأخضر لتنشر أعدادا كبيرة من العسكريين وعناصر المخابرات في المنطقة الكردية في شمال العراق ."

 و هكذا يأتي الشكل الوليد للحكم في العراق ( الجديد ) لتحقيق هذه الصفقة فيمثل , كما كان في الحكومتين اللتين سبقتا هذه , تجمعا  بين الفئات الرابحة يجري تقسيم الكراسي عليها بصيغة كونفدرالية تتصرف فيها كل فئة بحصتها بملء إرادتها و باستقلال ( ذاتي )عن غيرها من المجموعات سواء في توزيعها على الأنصار أو في تخويلهم التصرف داخل وزاراتهم بنفس الحرية فتكون كل فئة فدرالية تقتسم كعكتها بينها و تصبح  الوزارة وقفا للوزير أولا و أنصاره ثانيا و للمجموعة التي جاء في قائمتها ثالثا .

 و لتحقيق الديموقراطية التي بشر بها العدوان و لإكمال أطراف الكونفدرالية المطلوبة فقد تكرمت المجموعات الرابحة بجزء من حصتها لمن دعتهم الكتلة السنية التي تقدمت أكثر من جهة تدعي تمثيلها و تطالب باسمها بحصتها في الكعكة المنتظرة , و هنا حصل الخلاف : هل تمثل المجموعة على وفق عدد الكراسي التي حصلت عليها في الانتخابات الديموقراطية , أو تمثل حسب ما منحتها التقديرات الاعتباطية من نسبة مئوية مزعومة من عدد العراقيين ؟ المهزلة أن الكل عندما يساوم لإبرام هذه الصفقات يتحدث عن الديموقراطية و الأصول الديموقراطية . . . الخ و لست تسمع بين كل الضجيج الذي صاحب هذه المساومات حديثا عن اتجاه سياسي أو مجرد وعد من الوعود التي تعود الناس على سماعها من المرشحين للنيابة أو الوزارة في الأيام اللا ديموقراطية .

يقول سكوت ريتر ( و هو رئيس المفتشين الدوليين عن الأسلحة المزعومة من 1991 – 1998 ) في كتابه الذي سينشر هذا الصيف بعنوان اسرار العراق " ان الحقيقة المحزنة ليست أن شعوب الشرق الأوسط لا تستطيع إقامة الديموقراطية , و لكن لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تسمح  للديموقراطية الحقيقية أن تقوم في الشرق الأوسط ." فالولايات المتحدة تعمل على ترسيخ الفرز الطائفي و تشجيع التكتلات على أساسه لا على أساس المبادئ , و تصر على تثبيت المحاصصة في توزيع الكراسي عليها. و المأساة أن كثيرا من الذين كان الناس يظنون بهم الخير يعزفون نفس النغمات . اننا نستغرب اندفاع ( الكل ) في هذا السبيل و تعدد ما دعي بمؤتمرات أهل السنة للمحافظة على الحقوق ( المضاعة ) لهذه الفئة , لكن المشكلة أن الآخرين ما زالوا على الرغم من هذا مصرين على قول ان السنة يرفضون  المشاركة , و نعجب لماذا لا تكفي كل هذه المؤتمرات و الوفود في لإقناعهم بعكس ما يقولون ؟

28/4/2005

نشر في العدد 66 من جريدة راية العرب في 1/5/2005